‫التآله

١ مقدمة:

٢ أقوال الآباء ما بعد خلقدونية ٣ أقوال بعض الآباء ما قبل خلقدونية ٤ تأليه الطبيعة البشرية مقدمة: لقد ردد آباء الكنيسة هذا القول المأثور “صار الله إنساناً كي يصير الإنسان إلهاً… خُلق الإنسان وقد أمر بأن يصبح إلهاً”. وتقول الكنيسة في الليتورجيا “إن الإله كلمة الله لما شاء أن يؤلِّه الإنسان تجسَّد منك يا نقيّة وشوهد بشرًا” [١] وبالنسبة إلى آباء القرن الرابع الذين حاربوا الهرطقة الآريوسية يشكل تأله الإنسان حجة رئيسية لألوهة المسيح والروح القدس فيما بعد. لقد دُعي الإنسان حقاً ليعيش في الله، ليشاركه في مجده، ليتحد به ليصير بالنعمة ما هو عليه الله بالطبيعة. إنها وحدة مع الله بواسطة القوى الإلهية بلا اختلاط أو ذوبان. إتخذ الرب يسوع طبيعتنا ليشركنا بالحياة الإلهية ويجعلنا “شركاء في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4)، أي في القوى الإلهية وليس في الجوهر الإلهي. التأله إذاً هو العملية (السيرورة Processus) التي يتحد بها الإنسان بالله من مجد إلى مجد. الصديقون يتألهون في اليوم الأخير، ولكن على هذه السيرورة أن تبدأ منذ الآن بمحبة لله وحفظ وصاياه، وللمؤمن عونٌ فيها بعيشة في الكنيسة وبمشاركته في أسرارها. ليس “التآله” هبة مجانية للروح القدس وحسب بل يتطلب أيضاً مشاركة الإنسان. إذا هو بالضرورة سيرورة دينامية تتضمن درجات من الشركة مع الله وديانة تقوم على الخبرة الشخصية [٢] ويقول الأب الشماس اسبيرو جبور تعقيباً على هذه النقطة: في المعجم العربي يعني التعبد والتنسك، الصيرورة إلهاً، تكلف الإلهية (المنجد). أما في اللاهوت المسيحي فيعني صيرورتنا أبناء الله بالتبني، بنعمة الروح القدس، نصير أبناء بالنعمة بينما يسوع هو ابن الله بالجوهر، بالطبيعة. أقوال الآباء ما بعد خلقدونية يعبّر القديس مَكسيمُس المعترف افضل تعبير عن نتيجة تأله الانسان بقوله: “كل ما يملكه الله، ما عدا جوهره، يَصِيره مَن يتأله بالنعمة”. ويؤكد الآباء بصورة دائمة على أن نعمة الله لا تعطى جزئيا، بل كاملة. لا ينال الانسان المتأله جزءا من الله او بعضا منه، بل الله كاملا. ولا يعني التأله ذوبان الطبيعة الانسانية واختفاءها، بل يعني تحقيق هذه الانسانية وبلوغها الى هدفها الذي من أجله خلقها الله. أن يصير الانسان كل ما هو الله ما خلا جوهره، يوضحه القديس يوحنا الدمشقي بقوله: “بالنعمة يصير الانسان ما هو المسيح بالطبيعة”. اذاً، يصير الانسان بالنعمة ابنا لله في ابنه الوحيد بالطبيعة، يصير الانسان بالنعمة وليس بالجوهر إلها وابنا لله. يقول مِثوديوس الأُولمبي: “لم يأتِ المسيح ليغيّر الطبيعة الانسانية او ليحوّلها، ولكنه أتى ليُعيد هذه الطبيعة الى حالتها ما قبل السقوط، اي الى عدم الموت”. التأله هو ترميم للطبيعة الانسانية التي سقطت بمشيئتها الحرة. لقد خلق اللهُ الانسانَ صالحا، والانسان بقرار حُرٍّ منه اختار أن يبتعد عن الله. لذلك يربط القديس مكسيمُس المعترف الخلاصَ بإرادة الانسان المخلَّصة بيسوع المسيح: “عندما استمع آدم الى صوت المجرِّب وأكل من الشجرة بمشيئته، كانت المشيئة الانسانية اول ما سقط في الانسان. فلو لم يتخذ الكلمةُ المتجسدُ المشيئةَ الانسانية كما يزعم أصحاب المشيئة الواحدة (الإلهية)، لبقيتُ خاضعا للخطيئة، ذلك لأن ما لم يتخذه ابن الله لا يخلص”. اذا كان السقوط نتيجةً لانحراف المشيئة الانسانية باختيارها الشرَّ، فإن الخلاص قد أُتيح بسبب اتخاذ ابن الله المشيئة الانسانية كاملة ليفديها وينقذها من الضلال. الانسانية المتألهة ليست سوى الانسانية الحقيقية التي وصلت الى مبتغاها الأصلي الذي من أجله خُلقت. هذه الانسانية الجديدة هي إنسانية يسوع الكلمة المتجسد التي تحتوي، على حد قول مكسيمُس العظيم، الانسان الجديد. لقد حقق المسيح كإنسان تام بإرادة انسانية ما رسمه الله للإنسان الاول، وصار في ميزات حياته كإنسان نموذجا للإنسان المتأله، ففتح لنا الطريق لكي نبلغ به الحياة الأبدية. يقول القديس نقولا كاباسيلاس إن غاية الانسان هي الحياة في المسيح، اي الاتحاد به. وهذا غير متاح إلا بالاسرار التي تقيمها الكنيسة: في المعمودية يصير الانسان جديدا، في سر الميرون المقدس ينال مواهب الروح القدس، وفي سر الشكر (القداس) يتحد اتحادا عضويا بربه يسوع المسيح… صَفوَة الكلام أن عقيدة التألّه هي من روائع تعليم الكنيسة الأرثوذكسية، وهي تلائم كلّيًا تعليم الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة. فالله الذي أرسل ابنه لينقذنا من الخطيئة ويخلّصنا من كثافة الجسد، يريدنا أن نشاركه، أحرارًا، في نِعَمِه التي نختبر قوّتها وفعلها في توبة نسعى إليها في كل يوم، وانخراط واعٍ في حياة الكنيسة وحبٍّ لله والإخوة الذي مات المسيح عنهم، حبّ هو، في حقيقته، مِرقاتنا إلى السماء أقوال بعض الآباء ما قبل خلقدونية اثناسيوس أسقف الإسكندرية [٣] ومع ذلك نصير آلهة ليس مثل الإله الحقيقى أو كلمته، بل كما قد سر الله الذي قد وهبنا هذه النعمة [٤] إذن فالروح هو الكائن في الله ولسنا نحن بذواتنا، ولكن حيث أننا نصير أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضاً سنصير في الابن وفى الآب، وسوف نحسب أننا صرنا واحداً في الابن وفى الآب، بسبب وجود ذلك الروح فينا نحن وهو الروح الذي يكون في الكلمة الكائن في الآب، إذن حينما يسقط إنسان من الروح بسبب شر ما فإنه عندما يتوب ويرجع عن سقطته فالنعمة تظل مستمرة بلا ندامة في أولئك الذين يريدونها. [٥] إننا أبناء وآلهة لأن الكلمة فينا، هكذا سنكون في الابن وفي الآب، وسنحسب واحدًا في الابن وفي الآب [٦] نتأله ، لا بشركتنا لجسد إنسان ما ، بل بقبولنا جسد الكلمة نفسه ” , صار إنسانا لكى نصير نحن آلهة [٧] “نصير أبناء” أنظر [٨] المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، وديديموس على الثالوث[14]، حيث “نصير أبناء”، “نصير آلهة” يُقال أنهما عمل الروح. وهذان التعبيران يعبران عن فكرة واحدة، والقديس أثناسيوس عمومًا يُفضل تعبير “ نصير آلهة “. [٩] · صار إنسانًا لكي نصير آلهة. وأعلن عن نفسه بجسم حتى نتقبل فكرة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي ما نرث نحن عدم الموت. فإنه بينما هو نفسه لم يصبه ضرر بأي الأحوال، بكونه فوق الآلام وغير فاسد، اللوغوس نفسه، الله، فإنه سند البشر الذين يتألمون والذين من أجلهم احتمل كل هذا، وحفظهم في الألم الذي له. [١٠] · حقًا لقد أخذ الناسوت لكي نصير آلهة. لقد أعلن عن نفسه خلال جسد لكي ما ندرك عقل الآب غير المنظور، لقد احتمل العار لكي ما نرث عدم الفساد. [١١] · الأتحاد بين الطبيعة الحقيقية للاهوت والطبيعة الحقيقية للناسوت. بصورة يتأمن معها الخلاص والتأله [١٢] كيرلس اسقف الإسكندرية · لأنها لم تلد مجرد إنسان بسيط مثلنا، بل بالحرى الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسد وتأنس، لأننا نحن أيضا ندعى آلهة بحسب النعمة، أما الابن فليس إلهاً على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة وبالحق، حتى وإن كان قد صار جسداً [١٣] · ورغم أننا دعينا آلهة[١٤]، فإننا لا نجهل قياس حدود طبيعتنا، لأننا من الأرض ونحن ننتمي إلى فئة العبيد، وأما هو فليس مثلنا، إذ هو بالطبيعة وبالحقيقة الابن، ورب الكل، وهو من السماء. [١٥] بحب الله نصير آلهة، وبحب العالم نصير “العالم”. [١٦] باسيليوس الكبير كمال المشتهى أن يصير الإنسان إلها [١٧] أن الإنسان خُلق وأُمر “بأن يُصبح إلها” [١٨] القديس غريغوريوس النيزينزي انه فصح الرب، انه الفصح! لنردده لمجد الثالوث. الفصح، بالنظر إلينا، عيد الأعياد، احتفال الاحتفالات، كما تكسِفُ الشمسُ النجوم، كذلك يكسِفُ هذا العيد الأعياد، ليس فقط أعياد البشر، بل أعياد السيد المسيح نفسه. بالأمس ذُبِح الحمل، ونُضِحت الابواب بدمه، وبكتْ مصر أبكارها، أما نحن فنجونا بفضل الدم الزكي. بالأمس كنت مصلوبًا مع المسيح، واليوم مُمجَّدٌ معه. بالأمس كنت مائتًا معه، واليوم حيٌّ معه. بالأمس كنت مدفونًا معه، واليوم قائمٌ معه. فلنقدِّم لا الهدايا فحسب للذي تألم لأجلنا ثم قام، بل أنفسنا، فإنها أثمن الهدايا وأقربها الى الله. صورة الله فينا: لنعكِسَنَّ الضياء اللائق بها اعتبارًا لقيمتِنا، وإكرامًا لمِثالنا. اذن لنفهمَن ذلك السر، ولماذا مات المسيح. لنتشبه بالمسيح لأنه تشبه بنا. لنصِرْ آلهة معه لأنه صار إنسانا لأجلنا. لقد اعتنق الشيء الأقل صَلاحًا ليُعطينا الأفضل. تسوَّل بشرتنا لنغتني بفقره. اتخذ شكل عبد ليُعِتقَنا من العبودية. تنازل ليرفعَنا. قبِلَ أن يُجرَّبَ ليُعينَنا على النصر. احتُقِر ليُمجِّدنَا ومات ليُخلِّصنا. صعد إلى السماء ليرفع اليه القابعين في الخطيئة. [١٩] القديس إكليمنضس الإسكندري إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة… وبسلوكنا في السماويات نصير كمن هم في السماء! [٢٠] القديس ايريناؤس “إنكم آلهة وبني العلي تدعون”. لهذا الهدف صار كلمة الله إنسانًا. ابن الله صار ابن الإنسان، حتى أن الإنسان إذ يدخل في الكلمة، ويتقبل التبني، يصير ابنًا لله. فإنه ليس من وسيلة أخرى يمكننا بها أن نبلغ إلى عدم الفساد وعدم الموت. لكن كيف كان يمكننا أن نرتبط بعدم الفساد وعدم الموت فيُبتلع الفساد بعدم الفساد، والمائت بعدم الموت فنتقبل تبني الأبناء؟ الله صار إنسانا ليصير الإنسان إلها [٢١] تأليه الطبيعة البشرية المسيح الرب هو مخلّصنا لأنه هو إيّاه الإله الإنسان [٢٢]. في شخصه يصير الإله إنساناً ويصير الإنسان إلهاً. بشخصه الإلهي الإنساني يشكّل المسيح الرب أعجوبة مزدوجة: أنسنةَ الله وتأليهَ الإنسان. هذا هو الخبر السار، خلاصة مجمل العهد الجديد، الذي به يحيا الجسد الإلهي الإنساني للمسيح الكنيسة. فالكنيسة، التي هي ذاك الإعلان الإلهي الحيّ أبداً، تذيع بالكلام ذاك الخبر السار البهج جداً بصوت الآباء القدّيسين وفي صلواتها. كما في آدم الجديد، كما في زعيم جنسنا البشري، في المسيح الرب، تتألّه الطبيعة البشرية في مبدئها. الواقع أن خلاص الجنس البشري ليس سوى تأليهه في شخص الإله الإنسان، المسيح. إن تأليه الطبيعة البشرية في الإله الإنسان، المسيح، إنما ينجم عن وحدتها الأقنومية مع الإله الكلمة. غير أن الطبيعة البشرية، في هذه الوحدة، لا تفقد ما هو محدود فيها ولا ما يجعلها بشرية. الإله الكلمة، بكلمات القدّيس يوحنا الدمشقي المحكَمة، يتّخذ الإنسان بكليّته وذلك ليعطي الخلاص للإنسان بكليّته. المسيح اتّخذ الإنسان كله، كلَّ ما يختصّ به، ما خلا الخطيئة، ليقدّس الكل. إن تأليه الطبيعة البشرية في شخص الإله الإنسان، المسيح، يتمّ على نحو تتّخذ معه الطبيعةُ الإلهيةُ للكلمة الطبيعة البشريّة وتُسبغُ عليها كمالاتها. بتألّه الطبيعة البشريّة، على هذا النحو، لم تتغيّر طبيعتها ولا خواصها الطبيعية. إن الطبيعة البشريّة للمسيح الإله، بسبب وحدتها الصميمية، أي وحدتها الأقنومية مع الإله الكلمة، قد تألّهت بفعل القوى الإلهية دون أن تفقد خصوصياتها الطبيعية. إن صيرورة الإله إنساناً يُعبَّر عنها بكلمتي “تجسّد” و”أنسنة”. فيما يُعبَّر عن صيرورة الإنسان إلهاً بلفظتي “تألّه” و “تأليه”. إن تأليه الطبيعة البشريّة هو ناتج تجسّد الله. وتجسّد الله هو الوسيلة التي بها يكشف الله معنى وجود الكائن البشري ومآله، أي التألّه، كما يوفّر الكيفية الإلهية البشريّة لتحقيق هذا القصد. إن المسيح الرب، بصيرورته إنساناً، حدّد للإنسان هدفاً؛ وإذ اتّخذ البشَرَة، جعل للبشرَة غاية، ولما اخترق المادة، حدّد للمادة مرمى. كذلك إذ صار الرب المسيح إنساناً أعطى كل ما هو بشري معنى: للولادة والحياة والموت. فيه أدركت الطبيعة البشريّة مضمونها الخالد وأصابت مرماها. قبله كانت الطبيعة البشريّة منقطعة عن الله بالخطيئة، كما كانت هوة لا تُردم ممتدّة ما بينها وبين الله. ولكن منذ أن حلّ الكلمة امتدّ جسر فوق الهوّة. أقبل الله في البشرَة، في الطبيعة البشريّة، اتحد نفسه بها في الصميم؛ اتّخذها إلى الأبد. الله، بتجسّده، صار شريكاً في الطبيعة البشريّة لكي يتسنّى للناس أن يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية. بالتجسّد الإلهي صار المؤقّت في الطبيعة البشريّة أبدياً وصار اليسير هائلاً. أو كما ورد في الأقوال الملهمة للقدّيس غريغوريوس النيصصي: “يخرج الإنسان من طبيعته الخاصة، يصير المائت أبدياً والفاني عديم الفناء والمؤقّت خالداً؛ يصير الإنسان، بكلمة، إلهاً”. إن هدف التدبير الإلهي الإنساني للخلاص، من قِبَل مخلّصنا، هو خلاص الإنسان بالتأليه. هذه هي الحقيقة الإلهية، هذه هي الكيفية الأولى لظهوره للجنس البشري، والكيفية الأولى لتحقيقها هي تجسّد الإله الكلمة. التألّه، بحسب القدّيس إيريناوس، هو معنى تجسّد الله وغايته: “ابن الله يصير ابن الإنسان ليتسنّى للإنسان، بدوره، أن يصير ابن الله… في محبّته الفيّاضة، صار كلمة الله ما نحن إيّاه بالذات لكي يعطينا ما هو إيّاه بالذات…”. وإذ أكّد القدّيس إيريناوس كم أن الخلاص، باعتبار التألّه، مستحيل من دون تجسّد الإله الكلمة، أضاف متسائلاً: “كيف يذهب الإنسان إلى الله إذا لم يأتِ الله إليه؟…” إن خلاص الجنس البشري من دون تألّه مستحيل. والتألّه من دون تجسّد الإله الحقّ مستحيل. لقد أدخل الإله الكلمة كل الطبيعة البشريّة، بتجسّده، في سيرورة التألّه. الإله الكلمة، كما قال القدّيس أثناسيوس الكبير، اتّخذ البشرّة لكي يجدّدها ويؤلّهها فيه، كونه الخالق، ولكي يأتي بنا جميعاً، إذ لنا بشرة كبشرته، إلى ملكوته السماوي. ولكنْ ما كان بإمكان الإنسان أن يتألّه لو لم يكن الابن قد اتّحد بالخليقة، لو لم يكن هو الإله الحقيقي. ما كان بإمكان الإنسان أن يبلغ الآب لو لم يكن ذاك الذي لبس بشرتنا هو إيّاه الكلمة الحقيقي للآب بالطبيعة. وكما أنه ما كان بإمكاننا أن نتحرّر من الخطيئة واللعنة لو لم تكن البشرة التي لبسها الكلمة بشريّة بطبيعتها – لأنه لم يكن ممكناً أن يكون هناك ما هو مشترك بيننا وبين ما هو غريب عنا – كذلك ما كان الإنسان ليتألّه لو لم يكن ذاك الذي صار إنساناً قد خرج من الآب بحسب الطبيعة، لو لم يكن إيّاه كلمة الآب الخاص الحقيقي. على هذا النحو صار ممكناً حدوث اتّحاد كاتحاد مَن كان إنساناً بالطبيعة بمن هو الإله بالطبيعة، وعلى هذا النحو أيضاً حصل خلاص الإنسان وتأليهه بصورة أكيدة ثابتة. كما أن الله لما لبس جسداً صار إنساناً، كذلك، نحن البشر، المتّخَذين من الكلمة، نتألّه ببشرته ونرث الحياة الأبدية. فإن الإله الكلمة صار إنساناً ليؤلّهنا. فإنه صار إنساناً من امرأة ووُلد من عذراء لكي يأخذ ولادتنا على عاتقه، الولادة التي خضعت للخطيئة، ولكي نصير جنساً مقدّساًَ، ونشترك في الطبيعة الإلهية [2 بط 1: 4]. كل ما هو من المسيح له مغزاه بالنسبة للناس قاطبة. فبتجسّده اشتمل الإله الكلمة كل الطبيعة البشريّة وقادها على سكّة التبنّي الإلهي. ابن الله صار ابن الإنسان لكي يصير أبناء الإنسان، أي أبناء آدم، أبناءَ الله، على حدّ تعبير أب الأرثوذكسية -القديس أثناسيوس الكبير-. إن الإله الكلمة، لما صار إنساناً، فتح للطبيعة البشريّة آفاق الكمال الإلهي اللامتناهي، وبالخلاص قاده إلى التألّه الأكمل. لقد تجسّد الإله الكلمة، على حدّ تعبير القدّيس غريغوريوس اللاهوتي، لكي يصير الإنسان إلهاً بنفس القدر الذي صار فيه الإله إنساناً. فباتخاذ اللهِ البشرة فيه أضحى تألّهُ الإنسان ممكناً وتحقّق. إن المسيح الرب، من حيث هو الإله الإنسان، ألّه الإنسان دون أن يحرم الإنسان من إنسانيته الخاصة. والإله الكلمة، كما علّم اللاهوتي القدّيس، صار إنساناً في كل شيء ما خلا الخطيئة. الله يؤلِّه والإنسان يتألّه. لقد تجسّد الرب لكي يجدّد صورة الله في الطبيعة البشريّة ويقتادها إلى أوج كمالها. المسيح وحّد صورته بصورتنا، كما قال القدّيس غريغوريوس، لكيما بآلامه يعينني الله على آلامي ويجعلني بهيئته البشريّة إلهاً. لقد كان كلمة الآبِ هو الله ولكنه صار إنساناً ابتغاء توحيد الله بنا باتّحاده بأهل الأرض. إله واحد هو بهيئتين. فهو الذي في نطاق إنسانيته جعلني، أنا الإنسانَ، إلهاً. لقد خُلق الإنسان على صورة الله ليتسنّى له، بجهود إرادته الحرّة، أن ينمو إلى كمال إلهي لا حدّ له، صائراً، على الدوام، إلهاً بالنعمة. ولكن بما أن الإنسان أخفق في أن يصير إلهاً، كما قال اللاهوتي الحكيم، فإن الله نفسه صار إنساناً بالكامل ليعيد، بوساطة ما اتّخذ، خَلق ما سبق أن أعطانا، وأن يمحو، بالكامل، إدانة الخطيئة ويبيد، بذاك الذي اُميت، مَن له سلطان الموت… فإن الكلمة كان هو الإلهَ، منذ البدء، وخالق العالم وفوق الزمن وفوق الألم وفوق اللحم. فلما تجرّح الإنسان بشجرة المعرفة، كما ضرب الحسدُ طبيعتنا برمّتها، وتسنّى أسرُها وإخضاعُها للدينونة، وُلِد الإله الكلمة فيما بيننا متوخّياً سحقَ عجرفة الحسد وترميمَ إيقونته الملطّخة، إذ حُبل به من عذراء نقيّة وتردّد بين الناس كإله، كله إله وكله إنسان، ليخلّص الإنسان كله. إن الطبيعة البشريّة وقد حُرمت بالخطيئة من الألوهة والقداسة، تألّهت وتقدّست بالإله المتجسّد بالذات. بتعبير القدّيس أمبروسيوس الكلمة صار إنساناً ليصير الإنسان إلهاً. فإن ابن الله تنازل، وهو الذي لا طاقة للإنسان على احتمال ملئه، ليسكب نفسه في الإنسان بقدْر ما للإنسان من طاقة على استيعابه. في التعليم الإلهي للقدّيس مكسيموس المعترف أن الإله الكلمة، بتجسّده، أعطى الطبيعة البشريّة عطيّة تألّهه. فتجسّدُ الله جعل الإنسان إلهاً بنفس القدر الذي صار فيه الإله إنساناً. لأنه من البداهة القول أن ذاك الذي صار إنساناً، وهو بلا خطيئة، قد ألّه الطبيعة البشريّة دون أن يخسر من ألوهته شيئاً، وأنه رفع الإنسان، بوساطة نفسه، بمقدار ما حطّ نفسه من أجل الإنسان. إن الكنيسة، بنظرتها الشاروبيمية الثاقبة، رأت في تجسّد الإله الكلمة تأليه الطبيعة البشريّة، وفي هذا التأليه خلاصَ الطبيعة البشريّة وهي تُبرز هذا الأمر، بخاصة، في إدراكها بلا غباشة، لولادة الله في الجسد، وهي في عيد الميلاد تنشد، بقوّة وإلهام، مديح الخبر الس