النبي عبوديا

١٩ تشرين الثاني
مقدمة

لا يكاد المرء يعلم شيئاً عن عوبديا النبى ، سوى أنه « عابد الرب » أو « خادم الرب » على ما يفهم من معنى اسمه فى اللغة العبرانية ، فهو الإنسان الذى يعبد الرب أو يخدمه ، وسفره أصغر سفر فى العهد القديم ، على أن نبوته كانت – كما هو واضح – عن أدوم ، وتقع أرض أدوم شرقى البحر الميت على طول مائة ميل ، وعرض عشرين ميلا من أقصى جنوب البحر حتى خليج العقبة ، والأرض غير مستوية وجبلية ، ممتلئة بالشعاب والمسالك الوعرة ، فهى تشبه إلى حد كبير حياة من سكنوها من أبناء أدوم ، وأدوم هو عيسو ، وقد كان أخا يعقوب ، وكما تزاحما فى بطن أمهما ، هكذا تزاحم نسلاهما وتصارعا ، وقد كان أبناء أدوم كأبيهم ، أدنى إلى الوحشية وأقرب ، وكانوا شوكة فى جنب الإسرائيليين ، وقد ضايقوهم فى عصور متعددة ، وانتهزوا فرص هجمات الآخرين عليهم ، وتعاونوا على مضايقتهم ، … ولذلك رأى عوبديا رؤياه التى كشفها الرب له ضد الأدوميين ، ومن خلال رؤياه ستعرف – ما أمكن – على طبيعته ، ورسالته ، وما من شك بأنه ، وهو يندد بشر الأدوميين وصفاتهم القبيحة، كان يكشف فى الوقت نفسه ، عن خبيئة نفسه ، وكراهيته للخطايا التى يندد بها. ولعلنا نستطيع بذلك أن نتابعه فيما يلى:

عوبديا ومحاجئ الصخر

ان أدوم يعيش بين محاجئ الصخور ، وقد بنى بيوتاً منحوته فى الصخر ، ولعله وهو يبنى هذه البيوت ، كان يهنئ عبقريته التى تلوذ بالحصون التى لا يمكن اقتحامها،… كان أدوم شديد الاعتداد بعقله وذكائه وحكمته ، شأنه فى ذلك شأن كل إنسان لا يعلم أن العقل البشرى ، مهما وصل فإنه أحمق وضعيف ، إذا لم يأخذ حكمته من اللّه ، … وكان عوبديا كعبد أو خادم للّه ، يرجع فى كل ما يعمل ، إلى الحكمة السماوية النازلة من السماء ! … فى أيام الثورة الفرنسية عندما أرادوا أن يلغوا الدين والعبادة ، أقاموا معبوداً دعوه « العقل البشرى » … وكانوا يقولون إن العقل هو الإله الذى ينبغى أن نعبده ، … والعقل البشرى يحاول اليوم وهو يغزو الفضاء ، أن يصنع عشه هناك بين النجوم ، إلى الدرجة التى قال فيها « جاجارين » الروسى ، وهو يسبح فى الفضاء ، إنه بحث عن اللّه هناك ولكنه لم يره ، … وهيهات له ولأمثاله أن يروا اللّه ، لا لأن اللّه غير موجود ، فهو يملأ كل مكان ، بل لأنه هو أعمى لا يستطيع أن يبصر أو على حد قول الرسول بولس : « إذ معرفة اللّه ظاهرة فيهم لأن اللّه أظهرها لهم لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولا هوته حتى أنهم بلا عذر .

لأنهم لما عرفوا اللّه لم ليمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم وأظلم قلبهم الغبى » ” رو 1 : 19 – 21 ” .. وكما قضى اللّه على جا جارين ، سيقضى على كل متحصن وراء عقله ليقول له : « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك » … ومن المعلوم أن أدوم كان يتحصن وراء شئ آخر ، ثروته المنيعة ، والمحفوظة بكيفية يستحيل على المقتحم أو المهاجم أن يصل إليها ، وهو فى محاجئ الصخر ، وما أكثر الذين يفعلون اليوم فعل أدوم ، من أمم وجماعات وأفراد ، إذ يتحصنون وراء الثروات الخرافية التى يظنون أنها تحميهم من كدارات الحياة ، أو هجمات الأيام والأزمان ، وهم يجلسون على تلال من ذهب ، لم تعد تكفيهم الألوف أو الملايين ، بل دخلوا فيما يطلق عليه البلايين والمليارات !! .. لقد بنوا أعشاشهم فوق الريح كما يقال ، ووزعوا أموالهم كاليهود فى سائر أرجاء الأرض ، … ولكن كلمة عوبديا تلاحقهم فى كل زمان ومكان : « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب » … على أن محاجئ الصخر كانت عند أدوم شيئاً آخر ، إذ كانت تمثل القوة ، … فبلاده لا يسهل اقتحامها ، على أنه من المثير والغريب فى تاريخ الجنس البشرى أن القوة المادية أو العسكرية ، والتى يبنيها الإنسان لحمايته والدفاع عنه ، تتحول آخر الأمر إلى وحش غير مروض ، ويكون صاحبها فى كثير من الأوقات أول ضحاياها ، ولعله مما يدعو إلى العجب ، أن أقوى دولتين فى العالم الآن ، وهما الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية وما تملكان من قنابل ذرية وهيدروجينيه ، هما أكثر الدول رعباً وخوفاً من الحرب ، ومن قوتها المدمرة ، … ومهما تحصن الإنسان ، ووصل إلى النجوم ليجعلها مراكز غزو فى الفضاء ، فإن كلمة عوبديا النبى تلحقه هناك : « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب » ..

عوبديا وشر أدوم

كان الشر القاسى لأدوم ، أنه عاش بلا إله ، فهذا هو الذى وضع فاصلا بينه وبين أخيه يعقوب ، … وقد ورث أبناؤه عنه هذه السمة ، فتحولوا عن اللّه ، واستقلوا ، وعاشوا بلا إله فى العالم ، وبنوا عظمتهم على أساس الاستقلال عن اللّه ، وعندما يبنى الإنسان عشه بعيداً عن اللّه ، فإنه يبنى الكارثة لنفسه مهما كانت عظمته بين الناس!!… ولعل دراسة التاريخ فى ذلك خير شاهد على الحقيقة ، … لقد حاول الشيطان أن يبنى عظمته على أساس الاستقلال عن اللّه : « والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم ، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام » ” يهوذا 6 ” وسقط آدم وحواء فى نفس التجربة إذ أرادا أن يكونا مثل اللّه ، فطردا من جنة عدن ، ليسجل التاريخ مأساة البشر الكبرى فى كل العصور ، … لقد خدعتهما الحية بالاستقلال عن اللّه ، … ورفض المسيح التجربة عندما حاول الشيطان أن يجربه بالاستقلال : … إن خررت وسجدت لى أعطيك !! .. عندما خرج قايين من حضــــرة اللّه ، إلى أرض نـــــود أو أرض البعد ، خرج إلى التيه والضياع ، والعذاب ، الذى لاحقه الحياة كلها!!.. كانت مأساة الابن الضال القاسية ، هى بعده عن بيته ، ولم يتذوق الراحة ، حتى عاد إلى بيت أبيه ، بل ما يحمل البيت من حياة وهدوء وسلام وأمن وراحة ، وتعلم ألا يستقل عن أبيه البتة !! ..

وكان أدوم آثما إلى جانب ذلك بالكبرياء التى ملأت قلبه ، كان الأدومى عملاقا فى الجسد ، متحصناً وراء ما سبقت الإشارة إليه سواء فى الذهن أو الثروة أو القوة ، ومن ثم ذكر عوبديا « تكبر قلبك » أو خطية الكبرياء والتى لحقت بالكثيرين ممن حاولوا أن يبنوا عشهم بين النجوم . وهل ننسى وصف إشعياء فى الأصحاح الرابع عشر وهو يهجو ملك بابل : « كيف باد الظالم بادت المتغطرسة … الهادية من أسفل مهتزة لك لاستقبال قدومك منهضة لك الأخيلة جميع عظماء الأرض . أقامت كل ملوك الأمم عن كراسيم كلهم يجيبون ويقولون لك أ أنت أيضاً قد ضعفت نظيرنا وصرت مثلنا . أهبط إلى الهاوية فخرك رنة أعوادك تحتك تفرش الرمة وغطاؤك الدود كيف سقطت من السماء يازهرة بنت الصبح ؟ كيف قطعت إلى الأرض ياقاهر الأمم . وأنت قلت فى قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسى فوق كواكب اللّه وأجلس على جبل الاجتماع فى أقاصى الشمال . أصعد فوق مرتفعات السحاب . أصير مثل العلى . لكنك انحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب . الذين يرونك يتطلعون إليك يتأملون فيك . أهذا هو الرجل الذى زلزل الأرض وزعزع الممالك ؟ » ” إش 14 : 4 – 16 ” وما أكثر الذين جاءوا بعد ملك بابل لينالوا المصير نفسه ، نابليون بونابارت ، وهتلر ، وموسولينى وأمثالهم كل هؤلاء الذين بنوا عشهم ، بين النجوم ، ومن هناك أحدرهم اللّه القادر على كل شئ!! ..وكان أدوم أيضاً مصاباً بنعرة الجنس ، ولم يعد يبالى بأخيه يعقوب ، بل يناصبه العداء ، وقد فقد كل عواطف الأخوة ، … وما يزال العالم إلى اليوم يعانى ، أقسى المعاناة من التعصب الجنسى ، … كان سسل رودس يقول عن الشعب البريطانى إنه أعظم شعب فى العالم ، وها نحن إلى اليوم نرى المشكلة الروديسية بين البيض والسود، وكأنما يلوم البيض اللّه لأنه خلق أجناساً سوداء اللون ، … كان فوليتر يقول : سيأتى الوقت الذى يقال مدحاً فى الآخرين : هذا فرنسى المذاق .. وقال أحد السياسيين الأمريكيين : إن اللّه لم يصنع شيئاً أو أحداً يساوى الأمريكيين ، ولا أظن أنه سيصنع!!.. وهل هناك حماقات تؤذى البشر أكثر من هذه الحماقات !! ؟ .وقد تمكنت من أدوم عاطفة من أقبح العواطف وأثرها فى الإنسان ، وهى عاطفة الشماتة فضلا عن أنها عاطفة بغيضة جداً فى نظر اللّه إذ هى تيار أسود ملئ بالحقد والضغينة وعدم المروءة ، فهى أمر غير إنسانى وقبيح ، فمن سوء الأخلاق وضعتها وانحطاط النفس ، أن نقف من تعاسات الآخرين وعجزهم وضعفهم موقف المتشفى المبتهج بهذا العجز والألم والتعاسة والضيق ! .

ولم يقف أدوم عند حدود الشماتة ، بل تعدى الأمر إلى الظلم متمشيا مع التعبير الشعبى القائل : عندما تقع البقرة تكثر السكاكين ، … وعندما حدثت المأساة لشعب اللّه، فرح أدوم ، واتهمهم بكل نقيصة وشر ، ووسع دائرة الاتهام ، وألصق بهم مالم يفعلوه ، وحملهم النتائج القاسية التى وصلوا إليها .. مع أن الخصم النبيل ولا نقول الأخ ، … هو الذى لا يضرب إنساناً ساقطاً أمامه !! .. ولا يجهز على بائس مسكين يترنح من الضربات التى تكال له !! .. لكن أدوم أكمل شره بالقساوة الباغية ، فقد تربص للضعفاء الهاربين من الغزو على مفارق الطرق ليقضى على المنفلتين ، وهم فى عمق بؤسهم وضيقتهم ، بشدة ولؤم وخسة !! ..

عوبديا وخداع أدوم

سقط أدوم فريسة الخداع ، ويبدو أن خداعه جاء من اتجاهين : خداع الأصدقاء ، وخداع النفس : « طردك إلى التخم كل معاهديك . خدعك وغلب عليك مسالموك . أهل خبزك وضعوا شركاً تحتك . لا فهم فيه » … ” عو 7 ” والذين يخدعون الآخرين قد يكونون مدفوعين بالخوف أو التملق أو المصلحة ، … كان نيرون صاحب صوت منكر ، ولكنه كان يعتقد أن صوته من أرخم الأصوات ، وكان يلزم الآخرين أن يسمعوا غناءه ، وكانوا يبدون إعجابهم الكبير بالصوت ، خوفاً على حياتهم من بطشه وانتقامه ، … وقد تملق الصوريون والصيداويون وهم « يلتمسون المصالحة لأن كورتهم تقتات من كورة الملك ، وفى يوم معين لبس هيرودس الحلة الملوكية وجلس على كرسى الملك ، وجعل يخاطبهم . فصرخ الشعب : هذا صوت إله لا صوت إنسان. ففى الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد للّه . فصار يأكله الدود ومات .. » ” أع 12 : 20- 23 ” والإنسان متى سمح للآخرين أن يخدعوه ، فسينتهى به الأمر إلى الاتجاه الآخر ، إن يخدع نفسه بنفسه ، « تكبر قلبك قد خدعك » ” عو 3 ” .. «والقلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه » . ” إر 17 : 9 ” والإنسان من تاريخه الأول إلى اليوم ضحية الخداع ، .. وكما ذهب الشيطان إلى أبوينا الأولين فى جنة عدن، وبدأ معهما هناك بقصة الخداع ، فهو إلى اليوم يضلل ويخدع فى كل مكان وزمان !! .. ولعله يوحنا ويسلى الذى وعظ ذات يوم عظة رائعة عظيمة ، وما أن نزل من المنبر ، حتى استقبله أحد السامعين بالقول … « ما أروعها وأعظمها من عظة » . وإذا بالواعظ العظيم يقول : لقد قال لى غيرك ذلك !! .. وقال السامع : ومن هو !! ؟ وأجاب الواعظ : إنه الشيطان !!؟ .. قالها له قبل أن ينزل من فوق المنبر ، … وإذا كان يفعل ذلك فى أقدس الأماكن ، فكيف يكون الأمر فى أحطها وأشرها ؟!! .

عوبديا وسقوط أدوم

ونتعرض أخيراً لسقوط أدوم البشع ، ولعل أول مظهر من مظاهر سقوطه ، كان فى الفرصة الضائعة ، لقد أصيب أخوه يعقوب بالنكبة التى كانت تقتضى منه المسارعة إلى المعونة ، لا الوقوف موقف المتفرج ، أو الإجهاز على بقايا المنفلتين . وما أكثر ما يقف الناس على الطريق فى موكب الحياة ، موقف أدوم القديم : « يوم وقفت مقابله يوم سبت الأعاجم قدرته ودخلت الغرباء أبوابه وألقوا قرعة على أورشليم كنت أنت أيضاً كواحد منهم . ويجب أن لا تنظر إلى يوم أخيك يوم مصيبته ولا تشمت ببنى يهوذا يوم هلاكهم ولا تغفر فمك يوم الضيق. ولا تدخل باب شعبى يوم بليهم . ولا تنظر أنت أيضاً إلى مصيبة يوم بليته ولا تمد يداً إلى قدرته يوم بليته . ولا تقف على المفرق لتقطع منفلتيه ولا تسلم بقاياه يوم الضيق » … ” عو 11 – 14 ” وما أكثر ما يفعل الناس هكذا وهم مشغولون بأنانيتهم وكبرياء قلوبهم .. فى أسطورة وثنية قديمة ، أن واحداً من الرؤساء القدامى حفر بئراً ، وأمر بألا يشرب منها أحد غيره وغير عائلته ، وكانت النتيجة أن البئر لم تعط ماء ، فطلب العرافين الذين قالوا له إن البئر لا يمكن أن تعطى ماء إلا إذا شارك الشعب فى الانتفاع بها ، فما كان منه ، مدفوعاً بأنانيته ، إلا أن يصدر قراراً بأن يشرب الشعب منها فى الليل ، وهو وبيته يشربون منها فى النهار ،… وحدث أن البئر فاضت بالماء عند غروب الشمس ، وظلت طوال الليل تعطى ماء ، وفى الصباح جفت ، وعندئذ علم أن المشاركة الصحيحة هى أن يشرب هو والشعب فى وقت واحد ، … وفاضت البئر عندئذ ليلا ونهاراً .. إن الحياة فى حقيقتها هى الإيثار لا الاستئثار وهى الخدمة الباذلة المضحية ، وليست الأنانية أو الوصولية أو النفعية التى يعيشها ملايين الناس على الأرض !! .. فى ساحة إحدى الكنائس عبارة مكتوبة : « ما أعطيه أملكه وما أحفظه أفقده » ، .. لقد زمجر عاموس – فيما ذكرنا عند التعرض لشخصيته – لحياة الأنانية التى تنسى آلام الآخرين : « ويل للمستريحين فى صهيون .. أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون مقعد الظلم ، المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم وعجولا من وسط الصيرة ، الهاذرون مع صوت الرباب ، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود ، الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف » .. ” عا 6 : 1 – 6 ” إن الأنانية وحدها بشعة كل البشاعة ، ولكنها أكثر بشاعة عندما تكون فى مواجهة النفس والمنكوب والمتألم والمتضايق !! ..

وسقط أدوم أيضاً عندما لم يدرك أن الزمن دوار ، وطوبى للرحماء لأنهم يرحمون…. فى أساطير عيسوب أن الحمار الضعيف المسكين توسل إلى زميله الحصان أن يحمل عنه بعض حمله ، وقال له إنه إن لم يفعل فالنتيجة ستكون أنه سيموت ، وسيحمل الحصان الكل ، … ولم يبال الحصان بالكلام ، فسقط الحمار تحت ثقله ومات ، ونقل صاحبهما كل حمل الحمار ووضعه على الحصان ، بل أكثر من ذلك أنه وضع عليه جثة الحمار الميت ، وقال الحصان : يا لى من أحمق ! لقد رفضت أن آخذ شيئاً من حمل الحمار ، وها أنا لا آخذ حمله فحسب ، بل أحمل جثته أيضاً !! .. لعل من أطرف ما قيل ، أن أحد المرسلين – وكان جراحاً فى مدارس بالهند رأى ذات يوم عند بابه كلباً صغيراً مكسور القدم ، فما كان منه إلا أن جبر ساقه ، وقال المرسل إن الشئ الغريب الذى حدث أنه أحس بخربشة فى اليوم التالى عند الباب وعندما فتح الباب وجد الكلب ، وقد صحب كلباً آخر صغيراً مكسور الساق ، وقد جاء به ليعالج،.. لئن صحت الرواية ، فإن الإنسان مرات كثيرة يكون أحط من الحيوان ، وأكثر أنانية،… ولعل هذا ما حد برئيس الأساقفة هو يتلى أن يقول : إذا سألتنى أن أخبرك عما يسبب الاضطراب الأكبر ، والذى يهدد بأقسى الأخطار ، فإنى أستطيع أن أقول لك إنك إذا تطلعت إلى المرآة ، هناك سترى أصدق صورة لذلك ! .. ومن المؤسف حقاً أن الناس فى كثير من أدوار الحياة تنسى أن الدنيا لا تبقى إنساناً على حال فهى ترفع المنخفض ، وتخفض المرتفع ، وهى تغنى الفقير وتفقر الغنى ، وهى تقوى الضعيف ، وتضعف القوى .. إنها الساقية التى تدور بسرعة أو ببطء ، لكنها على أية حال تدور!!… وقديماً قال أحدهم للنعمان :

إن كنت تعلم يا نعمان أن يــــدى قصيرة عنك ، فالأيام تنقلـــــب

وقال آخر :

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتى به الغيـر

وسالمتك الليالى فاغتررت بهــــــا وعند صفو الليالى يحدث الكدر

والمثير فى الأمر على الدوام ، أن الجزاء من جنس العمل : « كما فعلت يفعل بك ، عملك يرتد على رأسك . لأنه كما شربتم على جبل قدسى يشرب جميع الأمم دائماً يشربون ويجرعون ويكونون كأنهم لم يكونوا » ” عو 15 و 16 ” .. عندما قبض الإسرائيليون على أدونى بازق وقطعوا أباهم يديه ورجليه ، قال الرجل : « سبعون ملكاً مقطوعة أباهم أيديهم وأرجلهم كانو يلتقطون تحت مائدتى . كما فعلت كذلك جازانى اللّه » … ” قض 1 : 7 ” وقال جدعون ، « لزبح وصلمناع : كيف الرجال الذين قتلتماهم فى تابور ؟ فقالا مثلهم مثلك . كل واحد كصورة أولاد ملك . فقال هم اخوتى بنو أمى . حى هو الرب لو استحييتماهم لما قتلتكما » .. ” قض 8 : 18 و 19 ” ولم يدر هامان وهو يجهز الصليب المرتفع ليصلب عليه مردخاى ، أنه يجهز لنفسه المصير التعس الذى سيصل إليه !! ..

كان أدوم يرى نفسه ، كما لاحظنا ، القوة والمنعة ، وهو « القائل فى قلبه من يحدرنى إلى الأرض » ( عو 3 ) لقد وضع عشه بين النجوم أو أعلى من أن تصل إليه يد بشرية ، ولكن المثل الشائع يلحقه :

ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع

لقد فكر أدوم فى قدرة البشر وهو يلقى على نفسه السؤال : « من يحدرنى إلى الأرض » ، … ونسى أنه توجد يد أعلى من كل يد بشرية ، خالقة الكواكب والنجوم ذاتها ، … « ومن هناك أحدرك يقول الرب !! … ” عو 4 ” وحسب المقاييس البشرية ماذا ينقص أدوم وقد ارتفع بعشه فوق الزوابع والعواصف والمحن التى تتلف الكرة الأرضية ، ولكنها تغلف جوها دون أن تبلغ النجوم ، أما الذى يبلغ من المناعة ما يعلو به على الريح ، فهو آمن من ثورة الطبيعة والإنسان ، ومن غدر الزمان ، كما يحلو للمخدوع أن يتصور ولكن هذا الإنسان ، فرداً كان أو أمة ، ينسى أن المصير دائماً تحكمه اليد الإلهية العليا ، … وأن هذه اليد تسمح أن يرتفع الجبار إلى أعلى ما يتصور الخيال البشرى ، حتى يسقط سقوطاً ملحوظاً من كل البشر ، بل ومن كل التاريخ أيضاً!! .. ويكون سقوطه عظيماً !! ..كان سقوط أدوم رهيباً ، لأنه كان سقوطاً من النجوم العالية إلى الأرض أو الحضيض كما يقولون ، … وها نحن لا نعرف عن أدوم الآن شيئاً ، لقد ضاع وانتهى إلى الأبد ، وتحولت جباله وصخوره إلى مقابر رهيبة لمجده وجلاله ومتعته وتاريخه بأكمله ،..

ونحن لا نستطيع أن ننهى القصة دون أن نتعمق إلى ما هو أعظم وأكمل وأبهى ، إذ أن الدورة عادت لتصحح الوضع المقلوب ، لقد أضحى القوى ضعيفاً ، وعاد الضعيف قوياً ، وجاءت نهاية أدوم بيد يعقوب جزاءاً وفاقاً لإثمه وشره وخطيته وحقده وانتقامه ، ولذلك نقرأ : « ويكون بيت يعقوب ناراً وبيت يوسف لهيباً وبيت عيسو قشا فيشعلونهم ويأكلونهم ولا يكون باق من بيت عيسو لأن الرب تكلم » … ” عو 18 ” ونحن نسأل عن السر ، وهل هو نوع من الانتقام رد به يعقوب على عيسو فى يوم من الأيام !! .. لا ن