لنبيّ ايليّا الغيّور

مقدمــــــة
ظهر إيليا النبى فى فترة ساد فيها الظلام على المملكـــــة العبرية المنقسمة شمالا وجنوبا ، أعقبت العصر الذهبى للدولــــة العبرية أبان فترة حكم داود النبى وسليمان الحكيم ..
وقبل أن نتعرض لحياة إيليا نلقى نظرة على الظروف الدينية والسياسية للفترة التى أختاره اللـــه فيها ، ليكون شاهدا له .
وتسلسل تاريخ هذه الفترة يوضحه لنا سفر ملوك أول ….الذى حفل بالأشخاص الرئيسيون وهم :
1- داود : اهتمامة بالوصية الإلهيــــــة
2- سليمان : حكيم وعالم ولكنه أنحرف .
3- رحبعام : لا يقبل المشورة .
4- يربعام : يسىء استخدام الحق .
5- إيليا : يقيم اللــــه شهود أمناء له .
6- أخاب : ملك تسيطر عليه زوجته ( يملك ولا يحكم ) .
7- إيزابل : تكرس طاقتها للشر .

المــــــــدن الرئيســـيــــــــــــــة :
1- شكيم : اجتمع فيها الأسباط العشرة ، توجوا رحبعام ملكا ، وصارت عاصمة إسرائيل .
2- دان : أحد مركزين للعبادة حيث وضع عجل فى كل منهما ، ليكون المركزان بديلا لأورشليم ، أحدهما فى الشمال والثانى فى الجنوب ( جنوب المملكة الشمالية ) .
3- بيت إيل : بالقرب من أورشليم ، وضع فيه يربعام العجل الثانى .
4- ترصة : أصبح بعشا ملكا على اسرائيل بعد أن اغتال ناداب ، ونقل العاصمة من شكيم إلى ترصة .
5- السامرة : عندما أصبح عمرى ملكا اشترى تلا بنى عليه عاصمة جديدة ، وكان أبنه أخاب أشر ملوك إسرائيل ، وكانت زوجته إيزابل تعبد البعل …وفى فترة حكم أخاب ظهــــر إيليا النبى ( موضـــوع البحث ) .
6- جبل الكرمل : تحدى إيليا النبى أنبياء البعل وعشتاروت على جبل الكرمل ، وهناك أخذهم وقتلهم …
7- يزرعيل : بعد قتل أنبياء البعل رجع إيليا النبى إلى يزرعيل ، فأقسمت إيزابل أن تقتله ، فهرب لحياته . ولكن الله اعتنى به وشجعه . وفى أثناء رحلاته مسح الملكين القادمين لآرام ( سوريا ) ولإسرائيل ، كما مسح اليشع نبيا ليخلفه .
8- راموت جلعاد : أعلن ملك آرام) سوريا ) لحرب على المملكة الشمالية ، لكنه هزم فى موقعتين . احتل الآراميون راموت جلعاد ، فاتحد أخاب ويهوشافاط لأستعادة المدينة . غير أن أخاب قتل فى المعركة ، ثم مات يهوشافاط .

+++

المملكــــــة المنقسمـــــة :
بموت سليمان أختار ابنه رحبعام المشورة الغبية حيث نادى بزيادة الضرائب بطريقة مملوءة عنفا وكبرياء ، فقاد يربعام حركة تمرد وانشق عن رحبعام عشرة أسباط وأقاموا منه ملكا ، انقسمت المملكة ، كان هذا بداية فترة من الفوضى والصراع بين مملكتين ومجموعتين من الملوك .
جذور هذا التمرد كان منذ الأجيال السابقة .. ظهر منذ أيام سليمان عندما فرض ضرائب عالية على الأسباط ما عدا يهوذا لبناء الهيكل وقصره والمنشآت الضخمة فى أرض يهوذا ، مما أحدث ثورة نفسية داخلية فى الأسباط الأخرى ، لم تجد فرصتها سوى فى يربعام للتمرد على السبط الملكى ( يهوذا ) ولم ينضم إلى السبط الملكى سوى سبط بنيامين المجاور له .

+ + +

مملكة الشمال
كانت مملكة الشمال أوسع من مملكة الجنوب وأكثر غنى وسكانا من مملكة الجنوب ، حكم مملكة إسرائيل تسعة عشر ملكا ، أشهرهم عمرى ( 886 – 875 ) وأخاب ابنه ( 875 – 853 ) ويربعام الثانى ( 787 – 747 ) ق . م . ولكنها احتاجت إلى عاصمة ، اشترى عمرى هضبة وبنى عليها مدينة محصنة وسماها السامرة . وقعت فى قلب المملكة على ملتقى الطرق ، فأشرفت على ما يحيط بها . ونمت نموا سريعا ، فظلت مركزا هاما بعد زوال مملكة إسرائيل سنة 721 ق . م . ( السبى الأشورى ) .

البنية الدينية
تستند البنية السياسية إلى البنية الدينية . كانت المملكتان تعبدان ذات الإله الواحد ، ديانة واحدة ، لكن مملكة الشمال شعرت بالحاجة إلى عاصمة وإلى هيكل عام ومذبح عام للشعب .
أراد يربعام الأول أن يزاحم هيكل أورشليم الذى بناه سليمان ، فأختار معبدين مشهورين : دان فى الشمال وبيت إيل فى الجنوب ، وجعل فيهما ” عجلين ذهبيين ” – لقد صنعوا العجلين الذهبيين ، ولكن للتعبير عن عبادة الله الخفى .
لقد خاطر يربعام حين أدخل الصور والتماثيل الكنعانية إلى شعائر عبادة الرب ، فخلط الناس بين الرب والآلهــة ، وجعلوا إله إسرائيل على مستوى الآلهة الوثنية …. بعد خمسين سنة تطور الوضع بصورة أخطر حين تزوج الملك أخاب إيزابيل ، أبنة ملك صور الوثنى ، فشجعت ديانة البعل الشبيهة بالديانات الكنعانية .
كانت خطية إسرائيل تميل بالأكثر إلى العبادة الوثنية ، أى الزنا الروحى … بينما كانت خطية يهوذا هى بالأكثر العصيان للوصية وتجاهل كلمة الرب .
دخلت عبادة البعل بواسطة إيزابل زوجة أخاب الملك واستطاع إيليا وإليشع وياهو أن يقتلعوها . كل الملوك الـ 19 للشمال عبدوا العجل ، بعضهم عبد البعل لكن لم يحاول أحد أن يرد الشعب إلى عبادة اللــــــه .
بالغم من أن أغلب ملوك الجنوب كانوا يعبدون الأوثان وسلكوا فى طرق ملوك إسرائيل الشريرة لكن بعضهم خدم الله ووجد بينهم مصلحون عظماء ، انحرفت مملكة يهوذا شيئا فشيئا نحو ممارسة عبادة البعل المرعبة ، وبعض الديانات الكنعانية حتى صار الجرح خطيرا والمرض عديم الشفاء .

من وحى سفر الملوك الأول ( للقمص تادرس يعقوب )
+ هب لى مع سليمان أن اقيم لك بيتا مقدسا … روحك القدوس هو الذى يدشنه … يسكنه الآب السماوى ، وحوله السمائيون
+ هب لى مع سليمان نجاحا فى كل عمل … فأنت سر حياتى ونجاحى وغناى وفرحى
+ لتطرد من داخلى غباوة رحبعام وشر يربعام … فلا يحل فى داخلى انقسام ، ولا أقيم فى داخلى عبادة العجلين
+ لا تسمح لى أن أتحد مع أخاب بإيزابل الشريرة … فتتسلل عبادة البعل والعشتاروت إلى
+ هب لى قلب إيليا النارى … اتمتع بك وبنار روحك القدوس … فأصير بالحق ملكا ، موضع سرورك ، يا ملك الملوك .

+ + +

النبى الناري
إيليــــــا النبـــــي

فى وسط هذا الجو الحالك الظلمة بعث الله بنبى عجيب ليشــهد لـه ويعمل لخلاص أخوته وهو إيليا التسبى . بينما أعد عدو الخير أخاب وإيزابل لبث روح الفساد ، أعد الله إيليا النبى ليشهد ويعمل لحساب ملكوته ، لم يكن أحد جريئا بين ملوك إسرائيل فى ارتكاب الخطية مثل أخاب ، ولم يوجد نبى جرىء ونارى مثل إيليا .
كان أخاب ضعيف الشخصية أمام ايزابل ، جرى وراء زوجته التى اضطهدت الكهنة وانبياء اللــــه ، فقد قتلت منهم من قتلت ، وهرب البعض إلى الكهوف ، استطاعت الملكة بشرها ، يعاونها كهنة البعل ، أن تحتذب الشعب إلى عبادة البعل بكل رجاساتها .
هذا وقد اتسمت بالعنف ؛ حين اشتهى رجلها كرم نابوت اليزرعيلى خططت لقتل نابوت وورثته.
لقد بدأت سيرة إيليا من اصحاح 17 ( ملوك أول ) مؤيدا من الله بعجائب فائقة .
وعندما نتأمل فيما ورد فى سفر ( ملوك أول ) حتى نهاية أصحاح 17 الذى يصور لنا الحالة المحزنة التى وصلت اليها الأسباط العشرة ، وكيف سادتها العبادة الوثنية بشكل عام قد نتخيل بأن هذه هى نهاية الأمر وأن عبادة الاله الحى لن تسترد مكانتها الأولى وقوتها السابقة ، هذا ما اعتقده أخاب وايزابل ، والأنبياء الكذبة بل والبقية من جماعة أولاد الله الأمناء الذين كانوا قد تشتتوا مختبئين .
ولكنهم اسقطوا من حسابهم أمرا جوهريا ، انهم نسوا الله نفسه ، ففى أزمة خطيرة كهذه كان ينبغى أن يقول الله كلمته …
عندما يأتى البشر آخر ما عندهم من الشر فحينئذ يحين الوقت للـــه ليبدأ عمله ، وعندما يبدأ الله عمله فانه يستطيع بأبسط الوسائل أن يقلب رأسا على عقب كل ما عمله البشر من دونه ، ويسطر بعض الصحائف فى تاريخ البشرية ، لتكون درسا ثمينا وهدى لكل الأجيال القادمة .
ان الأصحاح الـ 17 من سفر ( ملوك اول ) يبدأ بحرف العطف ” و “…” وقال ايليا التشبى من مستوطنى جلعاد …” ، ان هذا الحرف مرعب جدا لأعداء اللــــه ، ولكنه ملىء بالرجاء والمواعيد الأكيدة لأولاده الأمناء .

ايزابل الشريرة :

عندما تركت ايزابل الشابة الجميلة قصور مدينة صور العظيمة لكى تكون زوجة الملك اسرائيل الجديد ، كان يظن أن هذا الزواج توفيق عظيم ، فقد كانت صور ملكة البحار فى أوج عزها ومجدها ، انتشرت مستعمراتها على شواطىء البحر الأبيض المتوسط حتى وصلت الى اسبانيا ، وملأت سفنها كل البحار والمحيطات حتى تجاسرت على الوصول إلى بلاد قارة أوربا .
على أن ذلك الزواج مع الأسف الشديد كان سبب بؤس وشقاء ونذير شؤم وخراب كغيره من الزيجات التى تبدو فى أعيننا جميلة وموفقة ، اذا فلا يمكن أن يكسر أحد وصية الله الصريحة التى تقضى بعدم الأقتران بأى شخص لا يعرف الله دون أن يشرب مرارة العلقم فى النهاية .
ولعل ايزابل قبل أن تغادر بيت أبيها فى صور قد أوصاها بشدة الكهنة الذين تربت على أيديهم ، لكى تبذل كل ما فى وسعها لتنشر فى اسرائيل ديانة بلادها البغيضة ، لهذا نراها لا تتردد ولا تتباطأ فى تلبية هذا النداء ، فانها فى بداية الأمر يظهر أنها شيدت مذبحا لعشتاروت بجوار يزرعيل مقر القصر الخاص لسكن الملك ، وكانت تعول كهنته القائمين على خدمة عشتاروت من مالها الخاص .
بعد ذلك شيدت هى وأخاب مذبحا للبعل فى السامرة ، التى هى عاصمة المملكة ، وكان ذلك المذبح متسعا جدا يكفى للكثيرين من العابدين ( 2 مل 10 : 21 ) ، ثم بدأت الهياكل الوثنية تشيد فى كل أرجاء المملكة ، أما مذابح الأله الحى كمذبح الكرمل ، فكانت قد تهدمت واكتظت الأرض بأنبياء البعل وعشتاروت الذين كانوا يفخرون بما لهم من الحظوى لدى البلاط الملكى ، ويتيهون عجبا بسبب السلطة التى انتقلت اليهم فجأة مع سفالة أخلاقهم وانحطاط مستوى حياتهم الأدبية .
وهكذا بدت الأرض كلها مرتدة عن الله ، فمن كل ألوف وربوات اسرائيل لم يبق سوى سبعة الآف ركبة لم تجث لبعل . وحتى هؤلاء كانت حياتهم مشلولة بسبب الخوف ، فانهم كانوا منزوين لدرجة أن ايليا لم يشعر بوجودهم فى ساعة وحدته ….
جاءت سيرة إيليا مشرقة بروح البهاء والقوة ، وهو الوحيد من بين الأنبياء نال كرامة الأشتراك مع اخنوخ بانتقاله حيا من العالم ، كما نال مع موسى النبى كرامة اللقاء مع السيد المسيح فى تجليه على جبل تابور .

من هو إيليا ؟

” إيليا ” كلمة عبرية معناها ” إلهى هو يهوه ” – يناسب الأسم رسالته ، فقد اتسم بالشجاعة مع الغيرة من أجل اللـــــه ، والصيغة اليونانية لهذا الأسم هى الياس وتستعمل أحيانا فى العربية ، وهو نبى عظيم عاش فى المملكة الشمالية فى النصف الأول من القرن التاسع ق . م . ظهر بطريقة سرية ، لا نعرف شيئا عن أسرته ،
نشأ ايليا صبيا فى تلك البلاد كباقى الأولاد فى جيله ، ربما كان فى صباه يشتغل برعاية الأعنام على تلك الجبال الجرداء ، وعندما صار رجلا كان يمتاز عن سكان الأودية والسيول بقوة عضلاته ، وعباءته التى من وبر الأبل ، وطول قامته واستقامتها ، وساعده المفتول ، وقوته البدنية التى مكنته من أن يسبق الخيل فى المركبة الملكية ، ….
وبما أنه يدعى التشبى فيرجع أنه ولد فى تشبى .
وما هى التشبى (التسبيتي)؟ معناه ” الغريب ” ،
إنها قرية تقع فى شرق الأردن فى جلعاد ،
جلعاد : قطر جبلى شرقى الأردن يمتد إلى بلاد العرب ، وهو يشتمل البلقاء الحديثة ، أرض هىصخرية ، وعرة ، وجاء فى ( يش 13 : 25 ) أن تخم جاد كان يشمل كل مدن جلعاد ، ونصف سبط منسى ، أخذوا كل بشان ونصف جلعاد ( يش 13 : 30 ، 31 ) .
وجاء فى ( تث 3 : 12 ، 13 ، 16 ) أن نصف جبل جلعاد أعطى لرأوبين وجاد وبقية جلعاد أعطيت لنصف سبط منسى .
فبالقول ” التشبى من مستوطنى جلعاد ” معناها ” من المتغربين المقيمين فى جلعاد ” ..
تبقى سيرة إيليا النبى تؤكد عبر الأجيال ألا نبحث عن أسرة الأنسان وأسلافه ، بل عن شخصه وحياته وأفكاره وتصرفاته .
كان إيليا يعيش زهدا كاملا ، وأحب الله الذى ملك قلبه وملك على كل كيانه ، فأبغض العالم وكل ما فيه ، ملقيا به خلف ظهره لأن هذا العالم سيمضى وكل شهوته .
لم يعطى أهمية للجسد الذى يشتهى ضد الروح .. أراد أن يدخل فى دائرة السمائيات منجذبا اليها ليتمتع فى عالم الروح بحياة ملائكية مع السمائيين فى تسبيح دائم .
وكان عادة يلبس ثوبا من الشعر ومنطقة من الجلد على حقويه ( 2 مل 1 : 8 ) . وكان يوحنا يشبهه إذ أعد قلب الشعب للإيمان بالمسيح ( مت 3 : 4 ) .
والمسوح التى كان إيليا النبى يغطى بها جسده تشير إلى حياة الأنسحاق والتذلل قدام الله ، وهو يحمل فى انسحاقه الداخلى قوة !! انها قوة إلهية تعمل فيه ….
إيليا النبى سلم للرب حياته تسليما كاملا … ليعمل بها حسب قصده المعروف فى علمه السابق
ويقول أشعياء النبى : ” يعطى المعى قدرة ولعديم القوة يكثر شدة . الغلمان يعيون ويتعبون والفتيان يتعثرون تعثرا ، وأما منتظروا الرب فيجددون قوة ، يرفعون أجنحة كالنسور ، يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون ” ( أش 40 : 29 – 31 ) .
وكان إيليا يلبس منطقة من جلد على حقويه : علامة الأشتداد بالحق .. الحق يطلب … وبالحق يسلك … وللحق يشهد .
فايليا النبى .. بحق نبى عظيم مقتدر فى الأيمان مملوء من روح الله يشهد للحق ويحفظ العبادة الطاهرة .

+ + +

يمكن تقسيم حياة ايليا إلى خمس مراحل :
1- ظهوره أمام أخاب المرتد ، وتأديبه له بسنوات الجفاف – ( لقاؤه مع أرملة صرفة صيدا على ساحل البحر الأبيض المتوسط – قتل أنبياء البعل ) ( 1 مل 17 – 18
2- اضطراره إلى الهروب إلى جبل حوريب من وجه ايزابل ( ظهور الله له فى نفس المغارة التى فيها رأى موسى مجد اللـــــه – اختيار إليشع تلميذا له ) ( 1 مل 19 )
3- تنبؤه عن خراب بيت أخاب بسبب قتل نابوت ( 1 مل 21 ) .
4- انتهاره أخزيا بن أخاب ( احتراق قائدى الخمسين بنار من السماء ) ( 2 مل 1 )
5- صعود إيليا إلى السماء .

نظرة الكتاب المقدس إليه

فى ملاخى ( 4 : 5 ، 6 ) وعد الرب أن يرسل إيليا النبى قبل يوم الرب العظيم ، وقد تحقق ذلك عند مجيئه الأول ، إذ ورد فى لوقا 1 : 17 أن يوحنا المعمدان جاء بروح إيليا وقوته
سيأتى ايليا النبى مع أخنوخ فى أيام ضد المسيح ويسندا الكنيسة ويستشهدا .

شخصيته

يشبه إيليا ببريق نور يضىء فجأة على تاريخ مظلم ليعلن الحق الإلهى
+ ظهر فى التاريخ فجأة ، ولا نعرف أسرته .
+ صعد فى المركبة النارية فجأة
+ وظهر مع السيد المسيح فجأة فى تجليه .
كانت تحركاته جميعا تحمل ذات العنصر : مع الملك لإيقاف المطر ، ولقاؤه مع أرملة صرفة صيدا ، ولقاؤه مع ملاك يطعمه ، ولقاؤه مع الله خلال الصوت المنخفض الخفيف ، ولقاؤه مع إليشع ، ولقاؤه مع أخاب بعد قتله نابوت اليزرعيلى ، ولقاؤه مع رسل أخزيا بن أخاب الذين كانوا ذاهبين إلى بعل زبوب إله عقرون يسألونه شفاء الملك .

نبوته عن الجفاف :

لماذا بدأ إيليا النبى عمله النبوى بنبوته عن الجفاف والقحط الذى يحل لإسرائيل ؟
إذ انحدر الملك وشعبه فى الفساد إلى المنتهى احتاجوا لا إلى تحذير شفوى بل عمل يهز وجودهم وحياتهم ، فالنبوة عن القحط وتحقيقها غايتها مراجعتهم لأنفسهم ليدركوا القحط الداخلى الذى حل بهم بحرمانهم من مياة النعمة الإلهية .
“وقال إيليا التشبى من مستوطنى جلعاد لأخاب :
حى هو الرب إله إسرائيل الذى وقفت أمامه ،
أنه لا يكون طل ولا مطر فى هذه السنين إلا عند قولى ” ( 1 مل 17 : 1 )
تحدث إيليا إلى الملك علنا لأن الشر قد بلغ إلى كل الشعب ، صارت الحاجة إلى صرخة قوية لكى يرجع الكل إلى إلهه ، لذا يقول : ” حى هو الرب إله إسرائيل ” الذى يقاومه الملك ورجاله ، ونسيه الشعب وتجاهله .
إنه ليس إله جماد كالبعل ، وعلى الملك أن يدرك أن الأوثان غير قادرة أن تعطيه المطر
لم يفعل ايليا سوى أمر واحد يعلمه ، وهو ما تلجأ اليه كل النفوس المجربة المثقلة ، كان أمامه أن يصلى ، وهذا ما فعله فانه ” صلى صلاة ” ( يع 5 : 17 ) ، ويظهر أنه فى صلاته مثل أمامه ذلك التهديد الذى نطق به موسى منذ أجيال مضت مهددا شعبه بأنهم أن ابتعدوا عن اللـــه ، وعبدوا آلهة أخرى ، اشتعل غضب الله عليهم ، واغلق السماء عنهم فلا يكون مطرا ولا تعطى الأرض غلتها ( تث 11 : 17 ) .
ويالها من صلاة مرعبة ، ولكن أليس أمرا أشد هولا أن ينسى الشعب إله آبائهم ، ويتجاهلوه ويستسلموا لعبادة البعل وعشتاروت بما فيها من نجاسات وأقذار ؟
تذكر أيضا سلسلة الآراء الخاطئة التى كانت لا بد أن تستخلص فيما لو سكت الرب نهائيا عن حالة كهذه ، فهل هناك أخطر من أن يظن بأن الكتاب المقدس مشحون بشرائع لا يستطيع المشرع أن يتممها أو يتردد فى تنفيذها ؟
إن كنا نرزح تحت أعباء جفاف شديد ،
إن كنا قد حرمنا أياما طويلة من ندى النعمة ، ومطر البركة ،
فانه ليس أمرا وليد الصدفة ،
بل هو تدخل إلهى من يد الذى أحبنا إلى المنتهى فلم يسمح بأن نتركه نهائيا ،
قبل أن يبذل معنا آخر مجهود ، لعلنا نقف عند حدنا ونرجع إليه ،
وإن كان الجفاف قد سمح به الرب فلأجل ترميم المذبح على جبل الكرمل ، وابادة الأنبياء الكذبة فى الوادى .

مصدر قوة إيليا :

لم يكن سر قوة ايليا راجعا الى شخصه أو الى الوسط الذى عاش فيه ، فقد كان من أصل متواضع وقد قيل عنه صراحة أنه ” كان انسانا تحت الآلام مثلنا ” ( يع 5 : 17 ) ، هنا يذكر لنا ايليا ثلاثة أدلة لمصدر قوته :
(1) ” حى هـــــو الر