القدّاس الإلهيّ ومعانيه

القدّاس الإلهيّ – مفاهيم

يسألون متى نقف, متى نجلس. هناك جواب في المبدأ وهناك جواب في الواقع. من حيث المبدأ: لم يكن هناك عند الأرثوذكسيين مقاعد قبل خمسين سنة. كانت هناك بعض الكراسي حول الجدران يتكئ عليها الشيوخ اتكاء ويجلسون عليها أثناء تلاوة الرسائل.
فصورة الأرثوذكسي في صلاته صورة المسيح القائم من الموت والصاعد الى السماء. ولا تزال كنائس روسيا حتى اليوم خالية من المقاعد ويبقى الإنسان على ما تربى عليه.اما وقد ضعفت الهمم وقلدنا الآخرين فصرنا نجلس الا في تلاوة الإنجيل والكلام الجوهري والذي يقال له في التعبير اللاهوتي قانون الشكر ويبدأ من ” نعمة ربنا يسوع المسيح ” حتى آخر الاستحالة فإذا سمع المؤمنون ” وخاصة من اجل الكلية القداسة” جلسوا.
ثم يقفون من جديد عند الصلاة الربية وأثناء المناولة حتى الختام. كذلك يقفون عند التبخير وكلما سمعوا “السلام لجميعكم” وبعامة كلما قيلت عبارات التبريك مع رسم الكاهن إشارة الصليب عليهم.

من الواضح ان الفهم هو المناخ الأساسي حتى لا يتضجر المؤمن. والفهم يأتي من تفسير الخدمة الإلهية وعندنا كتب حولها. والانتباه يزداد بالوعي والأشياء لا تُملى على الإنسان إملاء ولكنه يلتقطها التقاطا. وما يزيد الوعي ان نتابع القداس بنصه المنشور حتى لا تفوتنا كلمة ولا سيما ان أهم الصلوات تتلى سرا فلا يسمعها الناس. ولم يكن هكذا في البدء ولا يعلم العلماء على وجه التأكيد لماذا تُقرأ الافاشين بصوت منخفض. ومن لا يتابعها كما نُصّت لا يستطيع ان يفهم وحدة القداس وترابطه.
نحن لم نبقَ اليوم في حضارة سماعية بل بتنا في حضارة بصرية ونريد ان نقرأ ولا سيما ان اللفظ قد يكون سيئا او تكون الكنيسة خالية من هندسة صوتية. ان مسعى الحصول على كتب اتركه لمجالس الرعايا والمسؤولين الروحيين واصحاب الغيرة لأن كلمة الله إن فاتتنا يفوتنا الخلاص.
هناك مكملات أساسية لأداء صالح: جوق، طراوة في الصيف، دفء في الشتاء، صمت كامل نلتزمه، حشمة نرعاها. كل هذا يساعد على الاستيعاب وتاليا على السمو الروحي والتأهب للمناولة المقدسة.
ولعل سؤال الأسئلة هو لماذا قداسنا طويل؟ الحق انه ليس كذلك لأننا اذا أحسنا الأداء، كاهنا او جوقا، فهو لا يتجاوز الساعة الا اذا طالت العظة او كثر المتناولون. اما العظة عندنا فينبغي ان تكون قصيرة نسبيا لان القداس ليس مجالا للتعليم المفصل لكن لكشف الإنجيل وشد الحياة إليه. اما المناولة فقد كثُرت بسبب من عمق الفهم المتصاعد عند المؤمنين وتجدد إيمانهم وقوة حرارتهم. وهنا ينبغي ان ننتظر بعضنا بعضا.
والحقيقة ان الشعور بالطول يأتي من المعرفة القليلة او المحبة القليلة. والقداس ككل شيء نشترك به من أعماق النفس: انها تتهيأ لاقتبال الرب وتناجيه بالكلمة وتتحد به في القرابين. هذه عملية حب. ليس السر في التقصير او الإطالة. انه في عشقنا للمسيح او عدم عشقنا. وهذا يربى بالإدراك المتصاعد. فإذا الكلمات أُلصقت إلصاقا بالأذن وما استدعيناها نحن استدعاء وما استلذذناها تنشئ الشعور بالضجر. ولكن ان رحبنا بالمسيح تائبين إليه والى إنجيله وجسده ودمه فالقداس مكان للفرح.

قبل القداس

المشاركة الفاهمة المتحسسة في القداس الإلهي تقتضي استعدادًا له . قبل الدخول تهيؤ للدخول لأن القداس توبة كله فإرادة توبة، هذه يقظة “اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة” . من هنا أننا حسب التراث الصحيح نصنع خبزا في بيوتنا ليصير قرابين وذلك على أفضل ما يكون الخبز عليه فنتناول جسد الرب مما أعددناه . ومن هنا أننا في مساء السبوت نعتكف في منازلنا ولا نحيي سهرة طويلة متعبة مهدرة لقوانا وانتباهنا في اللهو واللعب والتبرج ، ومن هنا أننا نعفّ عشيـة الخدمـة الإلهية عن أزواجنا تدعيما لليقظـة الروحيـة وغير مفرطين في الطعام ، ولا نترك صلاتنا ونعكف على قراءة الكلمة الإلهية لنتقبل الله في الإنجيل قبل اقتبالـه في المناولـة .
ثم هناك استعداد طقوسي ؛ فالكنائس تقام فيها في السبوت وعشية الأعياد خدمة الغروب التي تجعلنا في جو القيامة او عيد القديس الذي به نحتفل . وفي الصباح تقام صلاة السحر وهي تحمل معنى القيامة او العيد ما لا نجده في القداس نفسه ، ومن المحزن ان معظم المؤمنين ترك الصلاة السحرية وهي مع الغروب والقداس تؤلف دورة واحدة متكاملة .
حياتنا مع الرب تأتي من ملاطفته ، فالقداس عرس فيه تصبح النفس مقترنـة بالمسيح. انه كمال الاتحاد وليس بعده الا الملكوت الإلهي ومعاينـة الرب وجها لوجه ، ولكن قبل اتحادنا بيسوع بالقرابين الإلهية هناك تآلف بيننا ينتج من كلامه الذي ينزل علينا بالرسالة والإنجيل . غير ان الشوق يدفعنا الى ان نقرأ في منازلنـا نص الرسائل والإنجيل وأن نمعن النظر فيها ولا سيما اننا نجدها في “رعيتي” . غير ان التبحّر يدفعنـا الى كلمات أخرى للرب فنطالع ونمعـن في المطالعة لتجديد المحبـة ، وننشد ونستمع الى الإنشاد فانـه خير طريق الى الفرح ، وهكذا اذا تشددت النفس تصير أكثر إصغـاء اذا حلّ الأحد واعظم مطواعيـة للدخول في العرس الإلهي .
وإذا ما قرأنا وانتقلنا بالشوق الى يسوع نصبح اكثر استعدادا لمعانقتـه بإخلاص وان نسلم لـه مقود النفس فلا ندخل الى الكنيسة الا والنفس ورعة متقبلـة للنعمة التي ترتجيها ، نكون قد عدنا الى المسيح قبل ان ندخل الى بيته، ذلك الذي نحس فيه اننا محضونون .
ولهذا تسلمنا من الأقدمين عندما نصل الى باب الكنيسة ان نقول مع صاحب المزامير: “ادخل الى بيتك واسجد في هيكل قدسك بخوفك يا رب أحيني ككلمتك” . تلك عبارة يرددها الكاهن اذا ترك صحن الكنيسة ليدخل الى الهيكل ، قبل ذلك يستعد امام الأيقونات للدخول وإذا ما قام بالدخول الصغير (الدورة الأولى) ووصل الى الباب الملوكي يتلـو: “مبارك هو دخول قديسيك كل حين الآن وكل أوان والى دهر الداهرين،آمين” . وكان في الطواف يقول:”اجعل دخولنا مقرونا بدخول ملائكتك كل حين …” .
هذا كله يعني ان ولوج باب الكنيسة او باب الهيكل إنما هو دخول الى خدر المسيح أي غرفة الزواج السري الذي يجمعنا بالرب ، ولذلك نرتل في الأسبوع العظيم :” إنني أشاهد خدرك مزينا يا مخلصي ولست امتلك وشاحا للدخول إليه فأبهج أنت حلة نفسي وخلصني” . هناك حلـة للعرس ناصعة نحتاج اليها، حلـة التوبة ، بدونها لا يعترف المسيح ان الشخص الداخل الى الكنيسة هو بالحقيقة طالب الرضاء الإلهي . من اجتاز عتبة الكنيسة حسنا يكون قـد صار من أحبـاء الرب ، هذا بدء الابتهاج وذروته في القبلة التي نتبادلها ويسوع “لا أعطيك قبلة غاشة مثل يهوذا” . القبلة صادقة اذا قلنا في أنفسنا من مساء السبت حتى نهاية القداس الإلهي: “ما احب الرجوع إليه” حتى اذا انتهت الخدمة نكون مشتاقين الى الأحد الآتي .

القداس الإلهي : الجماعة

هناك شيء يبدو بديهيا ان القداس لا يقام بلا ناس ، فانهم اذا اجتمعوا ليقيموا ذكرى القيامة يصيرون كنيسة ، ولهذا يقول بولس: “اذا اجتمعتم من حيث أنكم كنيسة وقعت بينكم انقسامات” (1 كورنثوس 11 : 8) وكأنه يقول كيف تجتمعون للمحبة وتتخاصمون؟ بالاجتماع حول الكلمة والقربان تنشأ الكنيسة، الأمة المقدسة . لذلك ليس هناك قداس “خاص” تطلبه عائلة لنفسها ؛ ما تلتمسه من رحمة ينزل عليها وعلى الجماعة ، وهنا تنفضح انحرافات بعض المؤمنين الذين يريدون قداسا و جنازا لا يذكر فيهما سوى ذويهم لا يعيش اي مسيحي وحده ولا يُذكر أحد بانعزال عن الأخوة ؛ نحن دائما معا . ولهذا لا يجوز ان “توصي” على قداس إحدى العائلات لتكون فيه وحدها ، انها تندمج بالطائفة المصلية في الخدمة المحددة .
كذلك لم تعرف المسيحية الأولى عمادة لعائلة بل كان يؤتى بالأطفال الى قداس الأحد يعمدون فيه وتفرح الرعية كلها بالمسيحي الجديد، هكذا الإكليل ما كان يُقام مع ذوي العروسين وأصدقائهم بل في قلب القداس لأنه فرح الطائفة كلها التي تتقبل العروسين في محبتها . الجماعة كلها تقيم المعمودية والعرس ورسامة الكاهن والأسرار كلها لأن من جسد الرب الذي نكون حوله تأتي النعمة على المؤمنين . ومن الادلة على ذلك انه في كتبنا الطقوسية يُسمى الكاهن متقدمًا اي متقدم الجماعة وكان يرتدي ثيابه في وسطها للدلالة على انها تنتدبه لأنها شريكة أصلية في إقامة الذبيحة . ولهذا كان العلمانيون يسبقون الكاهن الى الكنيسة حتى اذا كانوا مجتمعين يدخل ويسلّم عليهم ، ضد هذا المشهد المحزن عندما يقف الكاهن في الباب الملوكي ويقول: “السلام لجميعكم” وليس أمامه سوى الجدران إذ يتوافد المؤمنون في بدء الصلاة او منتصفها او عند الأواخر . الكاهن عندنا لا يقيم وحده الخدمة ، المعية أساسية ؛ فإذا قالت الجماعة “آمين” (اي ليكن) يأخذ كلام الكاهن مداه . كل أجزاء القداس تقوم على التبادل بين الراعي والرعية حتى اذا قال: “السلام لجميعكم” ترد إليه سلامه بقولها: “ولروحك أيضا” . وإذا رفع الكاهن الصلاة فلا يقول لله: أنا بل يقول: نحن ، ويقدم القرابين التي أتى بها الشعب . وإذا قال: “لنحب بعضنا بعضًا لكي بعزم واحد نعترف مقرّين” كان كل أعضاء الشعب – وليس فقط الاكليروس- يقبّلون بعضهم بعضًا ، نعترف كلنًا معًا بآب وابن وروح قدس . ولا يتناول الكاهن وحده بل في كل ذبيحة يتناولون جميعًا إذ يدعوهم “بخوف الله وإيمان ومحبة تقدموا” . ليس للكهنة امتياز بالمناولة ، انها حصة الجميع . المناولة يقال لها باليونانية شركة ، الجميع يقدم الذبيحة والجميع يشترك فيها .
وصحن الكنيسة الذي يقف فيه المؤمنون متجه الى المذبح ، والمذبح متجه الى الصحن . الهيكل ليس ذلك المكان المفصول بالايقونسطاس عن الصحن ، الأيقونات موضوعة لتجمع لا لتفرّق ، هي إطلالة السماء على الأرض . سر الجماعة ان اسم المسيح يوحدها مهما كان أعضاؤها خاطئين ، فإذا اجتمعوا باسم المسيح يكون هو بينهم بل يكون إياهم . ولذلك في بدء الكنيسة كان بولس يسمي كل المسيحيين قديسين بمعنى انهم مخصصون لله ، فإذا كنا معا في الكنيسة لإقامة سر الشكر نصبح قديسين ، القداسة تؤخذ من الجماعة التي ينشئها المسيح برحمته، بالتوبة التي يوحيها . نحن ليس عندنا هذه الفردية الفتاكة التي تجعل المؤمن يجيء او لا يجيء حسب نزواته ، نحن نجيء لنكون معا وإذا كنا معا يصير كل واحد منا قائما بالمسيح .
اما رأس الجماعة فهو الكاهن ، والمسيح يجعله رأسًا لجسد قائم، مجتمع . قد يكون الكاهن أول الخطاة في الرعية ولكنه يكشف كهنوت المسيح . هو الراعي ليس فيه كهنوت من نفسه ، انه يستمد كهنوته من المسيح ذلك الذي يمنحه الرب للجماعة . المسيح لم يفوض عن ذاته أحدا وليس الراعي “ممثلاً” للمسيح او نائبه على الأرض . الكاهن متحد بالسيد وبالجماعة بآن ، أول ثوب يرتديه في الخدمة هو “الإستيخارة” او القميص وهو قميص المعمودية الذي يلبسه الجميع . وإذا لبس البطرشيل فإنه يلبس قوة المسيح . وإذا لبس الكمّ على معصمه الأيمن فهذه يمين المسيح وإذا لبس المنطقة (الزنار) فهو يشير الى انه يتزنر بالحق ويتأهب للخدمة . وإذا ارتدى الأفلونية (الثوب الخارجي) فهو يحمل بهاء الكنيسة عليه ويشير الى مجد الملكوت .
وبعد هذا يغسل الكاهن يديه ليتطهر للخدمة ويتأهل لها ، وعند هذا يقول: “اغسل يدي بالنقاوة واحيط بمذبحك يا رب … يا رب أحببت جمال بيتك وموضع حلول مجدك” .
فإذا تطهر هو وصممت الجماعة على التطهر نبدأ “ذبيحة التسبيح” .

القداس: مباركة مملكة الآب

كل كنيسة فيها شماس أصلا . هنا أتمنى لو أعطتنا كل رعية شماسًا حتى تتوزع أجزاء الخدمة بينه وبين الكاهن، حتى يكمّل كل منهما دورًا له مختلفًا ؛ فمَن زكيتموه ليقوم بهذه الوظيفة واقتنعتم بمؤهلاته الروحية وقدرته على الأداء نستبقيه في أعمال الدنيا ويساعدنا هو في الآحاد . هذا يقف امام الباب الملوكي ويهتف للكاهن: بارك يا سيد . فالشماس هو الذي يحرك الفعل الطقوسي . عند ذاك يعلن الكاهن وهو امام المائدة: مباركة “مملكة الآب والابن والروح القدس الآن وكل آن وإلى دهر الداهرين” .
يكون الكاهن قد صعد درجات الهيكل ليقوم بخدمة الكلمة باسم المسيح من جهة ومندوبًا من الشعب من جهة أخرى . المائدة هي عرش الملك الإلهي والكاهن منتصب في حضرته ، يبدو على الأرض ولكن عين الرب تراه منتصبًا في السماء ، وإذا كان ماثلاً في حضرة الله يحمل معه الجماعة والعالم لأن القداس هو ارتفاع الكون كله . إذ ذاك، يعلن احتفاليًا ان: مباركة مملكة الآب … وكأنه يقول: ما نحن سجناء هذا العالم . هذا المعنى يتضح عندما يقول بعد الطلبة التي تلي الإنجيل: “ليس أحد من المرتبطين بالشهوات واللذات الجسدانية مستحقًا ان يتقدم إليك او ان يدنو منك او يخدمك يا ملك المجد” .
نحن الآن فوق المشاغل والهموم التي تعرقلنا في مملكة قيصر، نحن لا يتملكنا الجسد ومشاكلنا . نتحرر من هذه الدنيا المحدودة وزمانها الرديء. نخرج من أيام ستة كانت لنا مليئة بالمصاعب ومثقلة بالخطيئة لنقيم يوم الأحد حيث انبعث المسيح من الموت وكشف ان أباه ملك العالم . مملكة الثالوث القدوس أبدية ، الآن تتجدد أبديتها بقراءة الكلمة وتقديم القرابين ، نحن ندخل في ما كان قبل الخليقة، ندخل الى قلب الله ثم نرجو الحياة الأبدية حيث تكتمل مملكة الله .
هنا الخاطئ اذا اخطأ يجعل نفسه سيدًا ، كان لا يعترف بسيادة الله عليه ، فإذا قلنا: مباركة مملكة الآب نكون قد اعترفنا بأننا لا نريد ان تسودنا الخطيئة ، نشتهي ملكوت الله حالاً علينا لأن “ملكوت الله في داخلكم” . وقد تجلت مملكة الله عندما جاء الابن الإلهي في الجسد “وحلّ فينا ورأينا مجده” . هذا عهدنا لله ان نكون له وحده بعدما عاهدنا هو ان يكون لنا إلهًا بدم يسوع .
وإذا أعلنا ذلك ما نعنيه هو اننا اذا أحببنا سيادة الله علينا نحتفظ بهذه السيادة في إيماننا وأعمالنا ، نكون قد نوينا ان تكون الأيام السبعة الباقية لنا هي أيضا مليئة بالحضور الإلهي كما الكنيسة مليئة به . ثم نعود الأحد اللاحق ونستغفر الرب اذا كنا رفضنا امتلاكه لنا ونجدد العهد في بداءة الأسبوع ونكتسب حركية جديدة عالمين اننا “ما دمنا في الجسد فنحن متغربون عن الله” حتى يأتي المسيح ثانية وينقلنا بالقيامة الى ” ملكوت محبته” .
فالملكوت الذي ظهر عند الخليقة بسيادة الله على الكون لم يكن الكون عارفًا به حتى جاء الأنبياء وأعلنوا الله ملكًا على شعبه ، ولكن الملكوت لم ينتشر إلا بمجيء المخلص “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” . غير ان أفعال البشر السيئة هي نكران لسيادة الله ” ليس كل شيء خاضعًا له” . لكن اذا سلم المسيحُ الملك لله الآب في اليوم الأخير تصير البشرية المخلَّصة خاضعة له ، ذلك هو توقنا عندما نهتف: “مباركة هي مملكة الآب…” . وما نتوق إليه أيضا هو اننا نتمنى هذا الخضوع “الآن وفي كل آن” حتى تكتمل الأزمنة فنعلن عن رجائنا: “وإلى دهر الداهرين” اي في الدهر الآتي .
بعد هذا يقول الشعب (او الجوق) آمين اي ليكن . ومعنى هذا ان القداس الإلهي هو اننا نقيم الآن بين ملكوت الله الذي سطع في المسيح وهذا الملكوت إياه الذي يكتمل عندما ينتصر المسيح نهائيًا على الموت . المؤمنون عندما يذوقون الإنجيل وجسد الرب يضعون أنفسهم بين المجيء الأول والمجيء الثاني . قلوبهم مليئة بيسوع الذي جاء ومشتاقة الى كمال ظفره في اليوم الأخير .
وهذا الهتاف: مباركة مصحوب بأن الكاهن يأخذ الإنجيل بيديه ويرسم به إشارة الصليب على المائدة وكأنه يعلمنا ان الارتفاع الى الملكوت يكون بالصليب ، نحن نملك بالكلمة الإلهية وبالصليب ، ويتكرر المعنى نفسه بعد المناولة اذا قال الكاهن باسمنا جميعًا: “أيها المسيح … اعطنا ان نتمتع بك أجلى بيان في نهار ملكك الذي لا يغرب” . الإنجيل والقربان مشاركة بالملكوت في وجهه المعلن ووجهه المكتمل .

القداس : الطلبات

فورًا بعد “مباركة” يبدأ الشماس (او الكاهن إن لم يكن شماس) الطلبة السلامية الكبرى: “بسلام من الرب نطلب” . دُعيت كذلك لتأكيدها على التماس السلام . لماذا الطلبات؟ لأن الكتاب يقول: “أطلب أول كل شيء ان تُقام صلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس” (1 تيموثاوس 2 :1) . والطلب ممكن ومستجاب لكوننا في المسيح والمسيح هو “الوسيط الوحيد بين الله والناس” (1 تيموثاوس 2 :5) . أول ابتهـال : “بسلام من الرب نطلب” يعني اننا إذا أقمنا في سلام المسيح نقدر ان نرجو “السّلام الذي من العلى” حتى نصير معًا كنيسة الله . عند ذاك نطلب “من اجل سلام كل العالم وحسن ثبات كنائس الله المقدسة واتحاد الجميع” . ابتهالنا ان يحل السلام في العالم وفي إطاره تكون الكنائس ثابتة وكل منًا متحدًا بالآخر ، الوحدة الكاملة ممكنة في المسيح فقط .
” من اجل هذا البيت المقدس والذين يدخلون إليه بإيمان وورع” ، لا ينبغي ان ندخل هذا البيت بسبب العادة الرتيبة ولكن بإيمان متجدد. “من اجل المسيحيين الحسني العبادة الأرثوذكسيين” ، في البدء صلينا من اجل العالم كله واهم طلب من اجلـه ان يكون في سلام ، اما الآن فنخصص الأرثوذكسيين وهي كلمة يونانية تعني المستقيمي الرأي ، وأنا آسف ان هذا او ذاك في هذا المقطع او سواه يحذف كلمة “الأرثوذكسيين” كأن الواحد يستحيي بهويته وبانتمائـه الى الكنيسة الحافظـة للتعليم الصحيح .
“من اجل أبينا ورئيس كهنتنا (فلان) والكهنة المكرمين وخدام المسيح (اعني الشمامسة ) وجميع الاكليروس والشعب” . هؤلاء اذا كانوا بعضًا الى بعض هم جسد المسيح . ذكر المطران يدل على اتحاد الجماعـة بالأسقف المتحد بدوره بكل الأساقفة الأرثوذكسيين . الانتماء الى الأسقف الشرعي شرط لقيام الخدمة الإلهية ، لذلك لا يجوز ان نصلي وراء كاهن مجرد من الكهنوت او موقوف عن الخدمـة .
“من اجل حكّّام هذا البلد وموآزرتهم في كل عمل صالح” ، هذه هي الصيغة التي أريد الكل ان يعتمدها عندنا ، لقد حذفنا الطلبة المتعلقة بالملوك الحسني العبادة اي أباطرة القسطنطينيـة لأنهم زالوا من الوجود منذ خمسة قرو