شرح الصلاة الربيّة ” أبانا الذي في السماوات ”

08/03/2008

إعداد مطرانية جبل لبنـــــــــــــان

تعتبر “الصلاة الربّيّة” (أبانا الذي في السماوات ليتقدّس اسمُك…)، كما أسماها، لأوّل مرّة، القدّيس كبريانوس القرطاجيّ (+258)، من أكثر الصلوات التي يتلوها مسيحيّو العالم شهرةً، وذلك أنّها “الصلاة” التي علّمها يسوع للكنيسة، وأرادها نموذجًا لكلّ صلاة .

منذ البدء أبدى آباء الكنيسة اهتمامًا بالغًا بهذه الصلاة، فتركوا تفسيرات كثيرة عنها، وعملوا على إدراجها في الأسرار المقدّسة والصلوات الكنسيّة، وهي موجودة اليوم في جميع صلواتنا الجماعيّة والفرديّة .

أوّل مَنْ شَرَحَ الصلاة الربّيّة وأدخلها في ترتيب سرّ المعموديّة هو العلاّمة ترتليانوس (الذي اعتبرها “مختصر الإنجيل كلّه”). ثمّ تبعه، في مسعاه، القدّيس كبريانوس الذي كان يطلب من الموعوظين (وهم وثنيّون ويهود آمنوا بالربّ يسوع وكانوا يستعدّون لتقبّل سرّ المعموديّة) حفظها غيبًا وتلاوتها علنًا أمام الكنيسة أثناء قبولهم المعموديّة. حذا حذو ترتليانوس وكبريانوس معظمُ آباء القرن الرابع فأدرجوا هذه الصلاة في خدمة القدّاس الإلهيّ . ففي كنيسة أورشليم، مثلاً، كان القدّيس كيرلّس يشرحها أثناء الخدمة الإلهيّة، ويطلب من المؤمنين تلاوتَها قبل أن يتقدّموا من المناولة، وهذا ما يفعله المؤمنون اليوم .

يدّعي بعض علماء التفسير أنّ ثّمّة قرابة بين الصلاة الربّيّة والصلوات اليهوديّة في زمن يسوع من حيث المبنى والمعنى . غير أنّ هذا الإدعاء ليس واقعيًا، لأنّ الصلاة الربّيّة “لا تتمحور حول خبرة إسرائيل ولا حول الشهادة التي عليه أن يؤدّيها لله…” . ولعلّ أبرز ما يميّزها عن كلّ الصلوات التي قبلها هو تلك الحرّيّة التي تدفع المؤمنين إلى أن ينادوا الله الذي لا يدنى منه: “أبانا”. ولا يخفى أنّ ترتيب الطلبات فيها ابتكاريّ وله معانيه الجديدة، وهو يميّز تعليم يسوع عن غيره، ونرى أنّه به يعلو على كلّ تعليم آخر ويتخطّاه .

الصلاة الربّيّة – على الرغم من صغرها – صلاة غنيّة بمعانيها، وقد وصلتنا عن يد الإنجيليّين متّى (6: 9-13) ولوقا (11: 2-4)، في صيغتين تفترق الواحدة عن الأخرى، بأمور عدّة، ولعلّ هذه الفروقات في الصيغتين تعود إلى الاستعمال الليتورجيّ في كنائس مختلفة. سعى العديد من المفسّرين إلى معرفة أيّ من الصيغتين هو الأقدم فتشعّبت آراؤهم واختلفت. لن ندخل، في هذه العجالة، في مقارنة نصّي متّى ولوقا لنعرف أيّا منهما هو الأقدم، يكفي أن نؤكّد أنّ المسيحيّين الأوائل اقتنعوا بأنّ الأمانة لفكر يسوع أهمّ، بما لا يقاس، من ترداد كلماته تردادًا حرفيًّا. ولا ينفعنا، في هذا المجال، أن نتبع القاعدة الأصعب التي يقول بها المفسّرون، فيما يقارنون بين النصوص، لمعرفة الكلمات التي خرجت من فم يسوع حرفيًّا أو الوصول إلى رواية حدث كما أتّمه. فإذا فضّلنا الصيغة الأقصر لهذه الصلاة، وهي صيغة لوقا (التي يرى بعض أنّها الأصل)، نهمل ما عند متّى من ميزات خاصّة (إيقاع متناسق، عبارات ساميّة…)، قد لا تناسب العقليّة اليونانيّة التي خاطبها لوقا، وربّما دفعته إلى تقصيرها وتكييفها.

اعتاد بعض المعلّمين القدماء على تقسيم الصلاة الربّيّة إلى قسمين؛ يقول العلاّمة ترتليانوس: “ما أروع الحكمة الإلهيّة التي رتّبت هذه الصلاة فبعد أمور السماء (وهي الطلبات الثلاث الأولى) تأتي أمور الأرض وحاجاتها” (ويقصد بذلك الطلبات الأخرى). غير أنّ هذا التقسيم – كما هو هنا – يجب أن نفهمه بتوافقه ومجمل فكر يسوع الذي يدعو إلى عيش الآخرة أوّلاً والعمل على تبيانها “الآن وهنا” (يقول الربّ: “اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبّره…”) . وذلك أنّ الذي يُرضي الله ليس أن نقدّس اسمه بإخلاصنا له فقط، ولكن بعملنا على خلاص البشر أيضًا (وهذا عينه من دوافع الإخلاص لله). فلا يجوز أن نفهم، مثلاً، أنّ الطلبة الثانية في الصلاة الربّيّة: “ليأتِ ملكوتُك”، تختصّ فقط برغبة المؤمنين في حلول الملكوت الآتي، لأنّ أولاد الله الحقيقيّين لا يعترفون بمجد الله الأخير فحسب، أو يتـوقون فقـط إلى اليـوم الـذي يملك فيه على كلّ أحبائه “ويُخضع كلّ أعدائه تحت قدميه”، ولكنها أيضًا (تختصّ) بترجمة إيمانهم ورجائهم في هذا الدهر، وذلك لأنّ مُلك الله – بالنسبة إليهم – هو في خلاص البشر الذي يبتدئ هنا في هذا العالم. وهذا يمنعنا منعًا باتًا مـن التمييز بين ما هـو عموديّ (إرضاء الله) وبين ما هو أفقيّ (الاهتمـام بالناس وحاجاتهم)، إذ كيف نهتمّ بالله إن لم نلقَ أبناءه كأخوة (أنظر رسالة الإنجيليّ يـوحنا الأولى)؟ فالله هو أبونا جميعًا، وفي وعينا لبنوّتنا له يجتمع شوقنا الدائم إلى حلول ملكوته ويقوى عملنا على تقديس العالم. وفي السياق عينه يجب أن نفهم أنّ طلبة “الخبز الجوهري” لا يتعلّق معناها بالخبز المادّي الـذي نأكله في هـذا العالم فحسب، ولكن أيضًا الخبز السماويّ الذي يعطيه الربّ للذين سيُجلسهم على مائدته الأخيرة “مع إبراهيم واسحق ويعقوب”، وهي تحثّنا تاليًا على أن نطلب دائمًا جسد الربّ الذي نتناوله في القدّاس الإلهيّ .

الصلاة الربّيّة هي صلاة الكنيسة التي أدركت أنّ المسافة بين الأرض والسماء قد زالت، وهي صلاة الغنج الأكبر الذي يهبه الروح القدس للذين يعملون بمشيئة الآب في كلّ زمان ومكان .

أبـــــــانا

كنّا قد قدّمنا الكلام على الصلاة الربّيّة في مقالة آنفة، وسنعمل، بإذن الله، على شرحها في مقالات عدّة. نبدأها اليوم بالتأمل في هذا النداء الحميم والغنيّ بمعانيه الذي يفتتح الربّ به الصلاة، وأعني به: “أبانا”.
ولا نريد، في هذا المقال، أن نخرج عن الخطّ الذي رسمه التراث الأرثوذكسي، وأعني تأكيده القاطع أنّ الله هو فوق كلّ كلام وأبعد من أن تحبسه تحديدات ومفاهيم. ” فإله يمكن إدراكه ليس هو الله”. وهذا يعني أنّ إلهًا نزعم أنّنا نقدر على فهمه، عقليًا، بصورة كاملة، هو إله من اختراعنا، وليس هو الإله الحقيقيّ. غير أنّ هذا لم يمنع تراثنا من أن يؤكّد أيضًا، وفي السياق عينه، أنّ الله الذي لا يسعه مكان أو زمان ولا يمكن وصفه أو رؤية جوهره، هو إله شخصيّ، ومعرفتنا له تحدّدها كشوفاته في التاريخ، وتاليًا إيماننا به ومحبّتنا إيّاه. وذلك أنّ الإيمان ليس هو، في جوهره، حقيقة منطقيّة، بل علاقة شخصيّة وتسليم كامل لمن تنازل وبذل دمه حبًّا بنا.
سنحاول، إذًا، بنعمة الله، انطلاقًا من تنازل يسوع ابن الله الوحيد الذي سمح لنا بأن ننادي أباه: “أبانا”، أن نكتشف – في زمن شيوع اليتم وزوغان الضمير عن المحجّة – عمق هذا النداء الذي يحمل كلّ حقيقة الله، ويبيّن، تاليًا، أسس علاقة البشر بعضهم ببعض.

والواقع أنّ بعض الآباء القدّيسين، ومنهم: مكسيموس المعترف وديونيسيوس الأريوباجي ويوحنّا الذهبيّ الفم…، أطلقوا لفظة “أبانا” على الثالوث القدّوس. فالنداء، في مداه الأوّل، يدلّ، آبائيًّا، على العلاقة التي تربط الله المثلّث الأقانيم، وهو، تاليًا، يُدخلنا عمق معرفته. وليس هذا فقط، وذلك أنّ نداء “أبانا” لا يضعنا في خطّ عموديّ حصرًا، ولكن أفقيّ أيضًا، أي إنّه لا يدلّنا على هذه العلاقة الثالوثيّة أو يطلب منّا اعترافًا بأنّ الله هو أبو يسوع أزليًّا فحسب، بل أيضًا على كون الله هو أبو جميع البشر، وأنّ ارتباط البشر بعضهم ببعض هو، بيسوع المسيح، ارتباط أخويّ. يقول ثيودورس أسقف مصّيصة في مقدّمة شرحه الصلاة الربّيّة: “لذلك عليكم أن تقدّموا ما يجب لا للآب فقط، بل عليكم أيضًا أن تسالموا بعضكم بعضًا أنتم الأخوة، وجميعكم في قبضة يد أب واحد”. ويؤكّد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، في تعليقه على هذا النداء، هذا الكلام، بقوله: “وعلاوةً على ذلك، يعلّمنا (يسوع في الصلاة الربّيّة) أن نجعل صلاتنا مشتركة، لمصلحة أخوتنا أيضًا. إذ لا يقول (المؤمن): “أبي الذي في السموات”، بل “أبانا” مقدّمًا تضرّعاته من أجل الجسد المشترك، غير ناظر قطّ إلى مصلحته الخاصّة، بل إلى مصلحة قريبه في كلّ مكان”.

يختصر هذان البعدان (العموديّ والأفقيّ) كلّ الحياة المسيحيّة ومتطلّباتها. فالله الذي يطلب “قلب” الإنسان يرفض رفضًا قاطعًا أن يختزل المسيحيّ البشر أخوته بالعِرق أو الطبقة أو الجنس أو الدين أو المذهب أو الثقافة، أو أن يميّز بين البارّ والخاطئ (برأيه طبعًا)، وذلك لأنّ كلّ إنسان، هو “صورة الله”، والله تاليًا أعطى جميع البشر، بابنه يسوع، نعمة البنوّة، أي وهبهم أن يصيروا “أبناء الله”. ولعلّ أعمق ما يذكّرنا به نداء “أبانا”، في سياق هذين البعدين، هو أنّ كلّ صلاة، في عمقها ومداها، هي صلاة جماعيّة، فالذي يصلّي وحده في صومعته أو غرفته… هو يصلّي إلى الإله أبي الجميع، وتاليًا كعضو في عائلته (الكنيسة)، ويريده الربّ أن يعي ارتباطه بأخوته وبكلّ إنسان في العالم، وأن يفعّل التزامه فلا يكون بعيدًا أو متفرّجًا. هذا ما يدلّنا عليه نداء “أبانا”، وبعد.

لا يريدنا يسوع، فيما نخاطب الله، أن نكلّمه بمنطق العهد القديم الذي لم يخلُ من الاعتراف بحنان الله على أولاده (انظر: خروج 4: 22؛ تثنية 32: 6؛ إشعيا 63: 8…، حكمة 3 :9 و 5: 5)، وذلك أنّ العهد الأوّل الذي أعطي في سيناء يلد العبوديّة (غلاطية 4: 24)، وجميع الذين أُخضعوا لشريعة الناموس كانوا عبيدًا (افسس 2 :15)، بل أن نعرف أو أن نقبل أن يقودنا روح الله إلى معرفة كوننا “أبناء الله” المدلّلين، وأن ننادي الله بالطريقة عينها التي كان يلفظها الأطفال الآراميّون فيما كانوا يتدلّلون على آبائهم: “أبّا” (أو كما نقول بلغتنا: “بابا”). لقد نقلنا يسوع الذي يحقّ له وحده أن يخاطب أباه ببساطة كلّيّة وألفة حميمة (متّى 11: 25، 26: 39؛ مرقس 14 :36، 15: 34؛ لوقا 10: 21، 23: 46 وما يوازيها)، بنعمة روحه القدّوس، من حالة الخوف والبعد والجهل، وقرّبنا من الله أبيه، وأعطانا أن نناديه بجرأة الأطفال (بابا) من دون أن تطالنا دينونة (كما تدعونا خدمة القدّاس الإلهيّ). وهذا ما أكّده أحد آباء الكنيسة في القرن الخامس تعليقًا على ما قاله الرسول بولس في رسالته إلى كنيسة رومية، وهو: لأنكم ” لم تتلقّوا روح عبوديّة لتعودوا إلى الخوف، بل روح تبنٍّ به ننادي: أبّا، يا أبت! وهذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأنّنا أبناء الله” (أنظر 8: 14-16)، إذ قال: “حين أضاف الرسول لفظة “أبّا” علّمنا معنى الثقة التي يتّصف بها أولئك الذين اعتادوا أن ينادوا الله هكذا. وفي الواقع، الأولاد وحدهم يتعاملون مع آبائهم بحرّيّة كبيرة…، فيستخدمون غالبًا هذه اللفظة في التحدّث إليهم”.

عندما نصلّي: “أبانا”، يجب أن نفكّر في وحدة الحياة التي لنا مع الله في المسيح يسوع بالروح القدس، وأن نفكّر تاليًا في أنّ هذا النداء لا يكون نداءنا حقًا ما لم نسمح للروح الذي حلّ في قلوبنا بأن يفيض فينا المحبّة الحقّ للبشر جميعًا، ونقبل أن نكون أداة الشهادة التي ينيرها هو (أي الروح) ويقودها في العالم (رومية 5: 5).

أبانا الذي في السموات

لا تعني عبارة “أبانا الذي في السموات” أن الله ليس موجودًا في الأرض، أو كما نقول في طقوسنا ” في كل مكان” (أو انّه بمعنى آخر، محدود في مكان). المسيحيّة الشرقيّة ذهبت إلى أبعد من هذا التصريح، ففي تعليمها، المتعلّق بالتجسّد خصوصًا، أكّدت أن كل مسافة أو فرق بين الأرض والسماء، أو ما هو فوق وما هو تحت، ألغي في المسيح يسوع. ولعلّ الكلام الذي تورده كتبنا المقدّسة، فيما تربط بين التجسّد ونهاية الزمان (غلاطية 4: 4؛ عبرانيّين 1: 2)، خير تعبير عن أنّ كلّ شيء قد “ابتلع” في المسيح يسوع. فيسوع هو، وحده، في هذا الدهر وفي الدهر الآتي، “المكان” (إذا جاز التعبير) الذي يتجلّى فيه الله المثلث الأقانيم ويظهر للذين قبلوا حبّه وسيادته. وهذا يمكن توضيحه بتأكيد آخر، وهو أنّ الله الذي هو، في جوهره، “غير مدنو منه” (قد يكون هذا التعريف هو أحد أهمّ معاني عبارة “أبانا الذي في السموات”) هو إله محبّ (أنظر: إنجيل يوحنّا ورسائله). فالمحبّة هي التي تبسط حقيقة الله الأزلية وكلّ عمله الخلاصيّ في التاريخ. وهذا يعني أنّ قلب الإنسان هو مسكن الله الحقيقي، “إنّ ملكوت الله في داخلكم”، يقول يسوع (لوقا 17: 21). ولعلّ كلامه الوارد في إنجيل يوحنّا يوضح ما نريد قوله هنا، وهو: “إذا أحبّني أحد حفظ كلامي فأحبّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مُقامًا” (14: 23). فالقلب البشريّ هو، في العمق، سماء الله الحقيقيّة، وما سنقوله في ما يلي هو تفصيل لهذه الثوابت .

يعرف العارفون أنّ عبارة “الأب الذي في السموات” كانت، في التقليد العبريّ، في زمن يسوع، تدلّ – رغم ندرة استعمالها – على تسامي الله وتعاليه وبآنٍ على قدرته وسلطانه في الأرض وعلى “كلّ الساكنين فيها” (مزمور 24: 1). ولا يخفى أنّ محرّري العهد القديم أبدوا تحفظًا واضحًا في استخدام لفظة “أب” للدلالة على الله، وذلك خلافًا لديانات الشرق الأدنى القديم التي الآلهة في أساطيرها آباء عن طريق الإنجاب. الله، في العهد القديم، هو “أب”، ولكن عن طريق الاختيار (اختار الله إبراهيم ونسله)، وهذا الاختيار يبيّن محبّته وحمايته شعبَهُ ويفترض، تاليًا، طاعة الشعب وأمانته لله. والعبرانيّون، في كلّ حال، ما كانوا يجترئون على التلفّظ باسم الله أو مناداته بدالّة في صلواتهم الشخصيّة (فهذا عندهم يسيء إلى تسامي الله). أمّا يسوع ابن الله الوحيد الذي أتى ليحرّرنا من العبوديّة وينتشلنا من كلّ بعد وجفاف وخوف، فقد علّم أتباعه أن ينادوا أباه بحرّيّة ودالّة: “أبانا الذي في السموات”، وذلك أنّه أراد أن يكشف أنّ الله هو أب حنون ومترئف لا بإسرائيل فحسب، ولكن بالبشر جميعًا. لقد فتح يسوع باب الملكوت لجميع البشر، وألغى كلّ مسافة وعرق وجنس ولغة، وذلك لأن السماء لا تظلّل أناسًا دون غيرهم، وأكّد، تاليًا، أنّ ما يطلبه الله من البشر جميعًا هو أن يثقوا برحمته وقدرته وأن يحيوا أخوة مع البشر كافة.

هذا ابتكار ابن الله المتجسّد الذي يمكّننا من فهمه وقبوله الروح القدس الذي نلنا مواهبه في المعموديّة. فالروح، في الأخير، هو الذي يعطينا أن نعرف الله أبًا، وأن نكتشف قوّة الخلاص الذي تمّ من أجلنا “ونوجّه حياتنا وجهة تتعالى عن حدود الأرض” فنرتقي بمحبّته إلى السماء.

و”السموات” موطن المؤمنين، ومنها ينتظرون “مجيء المخلّص الربّ يسوع المسيح الذي سيغيّر هيئة جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد…” (فيلبّي 3: 20و21). يقول ثيودورس أسقف مصّيصة في شرحه هذه الصلاة: ” أريدكم (أعضاء كنيسته) أن تقولوا أبانا الذي في السموات “حتّى تتمثّل أمام عيونكم، في الدنيا، الحياة السماويّة حيث أعطي لكم أن تنتقلوا يومًا. فإنكم – قد نلتم التبني – صرتم مواطني السماء. أجل هذا هو المقرّ اللائق بأبناء الله”. وهذا أحد أهمّ أبعاد الإيمان المسيحيّ، وذلك أنّ المسيحيّين الذين يرتبطون ارتباطا صميمًا بمن “يسكن في النور الذي لا يدنى منه” (1 تيموثاوس 6: 16)، هم يعيشون في الأرض بموجب قانون موطنهم الحقيقيّ (السماء) الذي هو في قلوبهم. ولا يعني هذا أنّ المسيحيّين يحتقرون العالم أو ينفصلون عنه، ولكن أنّهم في العالم وليسوا منه، وأنّ خصوصيّتهم تكمن في رسالتهم وفي كونهم، وهم في حيّز هذا الوجود، يعبدون “الأب الذي في السموات” بإخلاص كلّيّ لا يشوبه تقاعس أو غشّ، إخلاص يفسّره إيمانهم وطاعتهم، وتاليًا رفضهم كلّ إغراء يصدر عن إبليس أو عن الذين يتبعونه.

فيا “أبانا الذي في السموات” أعطنا أن نفهم حبّك وتنازلك وتعاليك لئلا نحتجزك في الأرض ونقفل عليك، فنقفل حينئذٍ على حالنا. هبنا روحك القدّوس لنعرف أنّك وحدك في قلبنا مالكًا وأنّنا بابنك الحبيب ارتقينا، وارتقى العالم كلّه، من الأرض إلى السماء.

ليتقدّس اسمك

تبدأ الطلبة الأولى في الصلاة الربيّة بدعوة المؤمنين إلى تقديس اسم الله (والاسم، في التقليد الكتابيّ، هو الشخص ذاته). ويدلّنا سياق هذه الصلاة وبآن الكتب المقدّسة (انظر مثلا: إنجيل يوحنا 17) على أن اسم الله هو الآب نفسه.

في العهد القديم عرّف الله عن نفسه بقوله: “أنا يهوه، هذا هو اسمي” (خروج 3 :14-15، 6: 2-3). واسم “يهوه”، في اللغة العبريّة، ليس، كما يقول أتباع بدعة “شهود يهوه” اليوم، اسمًا علمًا، ولكن صفة، ويعني “الكائن” أو “الذي يكون” (الطبعة اليسوعيّة للكتاب المقدّس ترجمت حرفيًا هذه العبارة، هكذا: “أنا هو مَن هو”). فإذا قال الله: “أنا يهوه”، فهو يدلّ على كيانه الذي لا يُدرك، وبآنٍ على ما يكشفه في تجلّياته وفعله في التاريخ وأمانته لشعبه (يستعمل العبرانيّون عادة، تجنّبًا للتلّفظ بالاسم المقدّس الذي أوحي به الله لموسى، عبارات أخرى، مثل: الأزليّ، السيّد، الكليّ القدرة، السموات، القدّوس والمبارك…). ولا يأتي هذا الاسم (يهوه) في الكتب المقدّسة – وهو غير وارد في العهد الجديد، الا إذا قبلنا، وعن حقّ، أن اسم “يسوع” يعني، في اللغة العبريّة: يهوه يخلّص – من دون ذكر حدث يتبعه ويكون بمثابة صفة له، يقول الله مثلا: أنا يهوه إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر، أو أنا يهوه إله إبراهيم واسحق ويعقوب…

والله، في العهد القديم، يقدّس اسمه عندما يكشف عن ذاته وقدرته: “أظهر لهم قداسته في ما بينهم” (عدد 20: 13؛ انظر حزقيال 28: 22 ،25، 36: 16-38، 38: 18-23). وهذا ما يدفع الإنسان إلى أن يلتفت نحو الله ويعترف بقداسته فيلتزم عبادته ويمدحه ويسجد له (عدد 27: 14؛ تثنية 32: 51؛ اشعيا 8: 13). والله، تاليًا، عن طريق المفارقة، يدلّ على قداسته حين يشرك الإنسان فيها، يقول: “كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس” (أحبار 11: 14)، وهذا من باب كبير أيضًا يكشف قداسة القدّوس الواحد.

أما في العهد الجديد فالله يكشف عن ذاته بصفته أبًا قدّوسًا (وهذا أكمل كشوفاته في التاريخ)، هو أب لابن وحيد أرسله من أجل أن يخلّص الإنسان الذي انفصل عنه بارتكابه الإثم، وأن يهبه التبنّي ويعيده إليه، وذلك أنّ “إرادة الله قداسة البشر” (1 تسالونيكي 4: 3)، وهذا يعني أنّه يريد (ويعمل من أجل) أن يلتفت الناس إليه، بمحبّة كليّة، وأن يعلّوا قداسته بقبولهم عطاياه في كلّ أقوالهم وأعمالهم (أنظر: أفسس 1: 3 و4)، وأنّه يريدهم، تاليًا، أن ينشروا قداسته في الأرض، أو، كما يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ في شرحه هذه الطلبة، أن “يشفعوا من أجل كلّ سكّان الأرض”.

ويسوع هو قدّوس الله، وقد قدّس الكنيسة لمّا مات عنها (يوحنا 17: 19؛ افسس 5: 26 وعبرانيين 9: 13، 10: 10،14 ،29، 13: 12). ولمّا وهبها الروح القدس خصّصها لله إلى الأبد (فعل ” قدّس” يعني، في اللغة العبريّة حرفيًّا: “فصل”، “ميّز”، أو أيضًا “كرّس”)، فالروح نفسه هو الذي يقودها، في التاريخ، لتثمر القداسة ولتكون “أمّة مقدّسة” (1 بطرس 2: 5)، “ومملكة كهنة” (رؤيا 5: 10)، ولتعرف ذاتها واحدة، وتعلن قداسة الله بلا انقطاع (رؤيا 4: 8).

يوازي تقديس اسم الله تمجيده (علمًا أن الفعلين غير مترادفين). وهذا، في زمن يسوع، لم يكن يعني قط “إجلال الله وتسبيحه، بل الشهادة حتّى إراقة الدمّ” كما يؤكّد اللاهوتي الأرثوذكسي أوليفييه كليمان. يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: “جدير بالذي يدعو الله أبًا أن يصلّي لا ليطلب شيئًا قبل مجد أبيه، بل أن يحسب كلّ الأشياء ثانوية بالنسبة إلى عمل تسبيحه”، ويتابع بقوله: إنّ السيّد يأمر من يصلّي “أن يطلب تمجيد الآب أيضًا بحياته”. وهذا عينه ما أوحى به ثيودورس أسقف مصيصة في تعليقه على هذه الطلبة، إذ قال: “قبل كل شيء افعل ما يوفّر المديح لله أبيك”. وهذا الكلام يوسّع آفاق التمجيد، وذلك لأن الصلاة تُظهر صدقَها حياةُ الناس الشاهدين للحقّ (الأمينين حتّى الدمّ) فهي (الصلاة) ليست كلامًا فحسب، ولكنّها أيضًا سلوك وإخلاص. والله يستعمل هذا الإخلاص ليأتي بالعالم البعيد عن الحقّ إلى تمجيده، وفق قول السيّد المبارك في عظة الجبل: “هكذا فليضئ نوركم (أي إخلاصكم لله الذي تعيشونه في شركة الكنيسة) للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجّدوا أباكم الذي في السموات” (متى 5: 16). أمّا إذا أتينا نقيض هذا فإنّنا نسيء إلى الله وقداسته، “أي إنّ كلّ الغرباء عن إيماننا يقولون عنّا، وهم يشاهدوننا منصرفين إلى أعمال سيئة: ليسوا أهلاً لأن يكونوا أبناء الله”، كما يقول أيضًا ثيودوروس أسقف مصيصة.

لقد أوحينا أنّ موقف يسوع الذي قاده إلى الصليب هو أكمل إعلان لقداسة الله، ولعلّ هذا يكشف لنا السبيل الحقّ الذي يجب أن يسلكه المؤمنون ليقدّسوا اسم الله. فالموت عن كلّ إثم هو نوع من أنواع الإخلاص الذي يُظهر، بقوّة، هذه القداسة. فالله، في الأخير، يُعرَف وتظهر قداسته في المؤمنين الذين لا يساومون على محبّته. ويبقى هذا، في سياق تنازل الله، دلالة ساطعة، في التاريخ، على أن الله حيّ ومخلّص كل الذين يمجّدونه ويشكرونه، وانه قدّوس في ذاته وفي الذين يعملون بحبّهم ودمهم “من أجل خلاص العالم”.

ليأتِ ملكوتك

أو ” ليأتِ روحك القدّوس”، كما يقول نصّ قديم لإنجيل لوقا. وملكوت الله هو قوّة الله ونوره وفرحه ونعمته وملكه…. ولقد بدأ حقًّا، حسب شهادات الكتب المقدّسة، في التاريخ الخلاصيّ (ولو أنّ الشرور، في كلّ وجوهها، مازالت موجودة في العالم)، وهو سيُعلَن كاملاً في اليوم الأخير، وفق الوعد الصادق.

في الطلبة الأولى صلّينا ” ليتقدّس اسمك”، وتقديس اسم الله، كما بيّنا معنى العبارة في مقالة آنفة، هو الذي يحضّ المؤمنين على أن يستعجلوا حلول ملكوته كاملاً. غير أنّ هذا لا يعني، حصرًا، أنّ إخلاص المخلصين هو الذي يدفع الله إلى أن ينهي “أزمنة الناس”، فقد يكون العكس هو الصحيح (أنظر: لوقا 8: 18؛ متّى 24: 12)، بل إنّ حياتهم الصادقة هي، في جوهرها، كشف لهذا الملكوت العظيم وامتداد له.

والواقع أنّ يسوع ردّد، في بدء كرازته، ما قاله يوحنّا المعمدان قبله ( والأنبياء عمومًا تناولوا، بوجه خاصّ، موضوع “مُلك الله”…)، وهو: ” توبوا فقد اقترب ملكوت الله” (متّى 3: 2-4: 17 وما يوازيها). وهذا – في نداء يسوع – يعني أنّه حضر. أن نؤمن بحضور الملك يعني أن نقبل ملكوته وننتسب إليه. فليس ملكوت الله أرضًا أو سماء، ولكنّه شخص المسيح الذي “فيه صرنا أبناء”، كما يقول أوريجانس. وليس هو، تاليًا، حدثًا أخرويًّا فحسب، وذلك أنّ “ما لم تره عين أو تسمع به أذن أو يخطر على بال بشر” (1كورنثوس9: 2)، يمكن أن يذوق المؤمنون ومضاته هنا في هذا الدهر، وأن يمتشقوا إلى كماله، وذلك في طاعتهم برَّ الله وفي نشوة الأسرار المقدّسة وحياة الشركة.

لقد ظنّ بعض الناس أنّ يسوع جاء ليؤسّس مملكة أرضيّة. وفي الواقع أراد بعضهم أن يختطفوه ليقيموه ملكًا (يوحنّا 15 :6).