كتاب

مقالات مار إفرآم

ملفان الكنائس السورية

ومعلم الأرثوذكسيين أجمع

وقف على طبعه أحد رهبان دير السيدة العذراء البراموس في برية الأنبا مقاريوس

طبع سنة

1892 http://www.ixoyc.net/fathers1.aspx

@

المقدمة

اني لغني عن مدح ما حوى هذا الكتاب الجليل من الحكم والأدب والنصائح والتعاليم التي تُهذب العقل وتروض الطبع البشري وتقتاده من التوحش إلى الحضارة، ومن قبح السيرة إلى نقاوة السريرة، ومن المعاصي إلى الخلاص الذي بالمسيح يسوع محط رحال المسيحيين وغاية آمالهم.

وذلك نظراً لقداسة صاحبه الذي سما الفرقدين، وفاق نوراً على النيرين وقد مدحه القديسون أجمع الذين منهم غريغوريوس النزينزي الذي لولا ضيق المقام لعلقنا ما قاله في ذيل هذا الكتاب، ومنهم القديس فم الذهب فإنه دعاه مع الكنيسة الجامعة ( بكينار الروح القدس ) فأكون إذا مدحته وبالغت في تقريظه كمن يحصل الحاصل.

ولا اذكر ما كابدت في تنقيحه وتصحيحه بحسب الذوق العربي من الصعوبات والمشاق، فإن لغة هذا القديس كما لا يخفى سريانية وأقواله نظماً أكثر منها نثراً ومترجم هذا الكتاب إلى لغة العرب، راعى في ترجمته إياه الألفاظ أكثر منها المعاني، فلذلك لم أرَ بداً من أن أترك الترجمة بسيطة سوى أني راعيت الألفاظ اللغوية وما ندر من القواعد النحوية التي لابد منها وكثير من الجمل التي لم استطع أن أدرك معناها التزمت أن استغنى عنها خشية من تبعة تغيير النص الأصلي، كما جرى ذلك بمقالتين أو ثلاثة أعظمهن التي سرد فيها نقائص شبوبيته وكيفية سجنه نحو ثمانين يوماً وقد أودع فيها من الأدلة على وجود اللـه ما يجل عن الوصف خصوصاً الاحتجاج الأكبر الذي أتى به توما الاكوياني اللاهوتي الغربي، وقد تركت غير ذلك مقالة تحتوي على مائة بند تتضمن حكايات وأحكام للرهبانية (كتبت هذه المقالة في هذا الكتاب الآن).

قلت ذلك وأنا غير متمالك أن اذكر فضل نباهة وفطنة الشابين النجيبين اللذين أنبتهما منابي مدة غيابي في مباشرة طبع هذا الكتاب إلا وهما زكي أفندي جرجس وغالي أفندي جرجس فقاما بذلك بكل همة ونشاط واستحقا الذكر الحسن ولولاهما لكان القراء يجدون من الأغلاط أكثر مما هو موجود الآن. القمص إفرآم البرموسي

المقالة الأولى

رسالة إلى يوحنا الراهب فى الصبر والحذر أن

لا ينخدع بالأفكار فى طلب السياحة والعفة

قد وعظنا تادرس المتورع كثيراً بعظاتٍ كثيرة ألا يبتعد عن موضعه، وما أمكننا أن نقنعه. بل قال أنا: إن أردت أن تعيننى، وتخلص بعد اللـه نفسى فأرسلنى إلى ديرك.

فأجبته: يا هذا إن اهتمام الدير قد فوضته إلى يوحنا الأخ وبدون رأيه لا يمكننى أن آمر أحداً بسكناه فقد فعلت فعلاً حسناً إذ قبلت الأخ السالف ذكره لأنه حين عاد إلينا أخبرنا عن أى تعطف أوضحته له.

لأن مثل هؤلاء الذين أحبوا الرب ينبغى أن يكونوا عندك مكرمين أكثر من الأب والأم والإخوة والأخوات والمرأة والأولاد والأنسباء والأصدقاء.

فلقد صنعت حسناً لأنك خصصت نفسك للأعمال الحسنة ولا سيما إذ صرت قدوة للإخوة الساكنين معك مثل الأمر الذى اتضح فى المسيح حين صنعه إذ رفع تلاميذه إلى سمو التواضع.

فقال: إنما أعطيتكم نموذجاً لتعملوا أنتم نظيره وذلك لكى الذين لا يقنعهم القول يقنعهم الفعل.

وبولس الرسول يعظ قائلاً: ” صيروا متشبهين بى كما تشبهت أنا بالمسيح “.

فلا تتهاونوا أنتم بالخدمة الروحانية، ولا تكونوا بحجة الأمور الجسدانية متوانين فى صلواتكم لأن أقوال الرب إذا درست ورُتلت دائماً تغذى النفس، وتحفظها وتوقى الجسد وتؤدبهُ، وتطرد الشياطين وترهبهم، وتجعل فى النفس سكوناً عظيماً.

أما عن الذين ابتدءوا بأفعال تفوق طاقتهم فقد سقطوا فى تجارب لانَهاية لها فحسب أقوال بولس الرسول: ” لا يرتأى الإنسان فوق ما لا ينبغى أن يرتأى بل يرتأى إلى التعقل “.

واسمع من الحكيم الذى قال: ” لا تصير صديقاً كبيراً ولا تحاكم حكماً زائداً لئلا تُدهش.

لأنه أتفق فى هذه الأيام أن قوماً من الإخوة تركوا قلاليهم ومضوا إلى الأرض القفرة التى لا ماء فيها، ولا تمر لها فزجوا ذواتِهم فيها بعد أن وُعِظوا عظات كثيرة من الآباء والإخوة ولم يذعنوا لرأيهم قائلين:

” نحنُ نمضى لنكون سواحاً “.

فلما وصلوا إلى البرية القاحلة جداً وعاينوا أن الأرض التى لا تُسلك قد اكتنفت ذواتِهم صاروا يستصعبون الأمر جداً ثم حاولوا أن يعودوا إلى الأرض المسكونة فلم يقدروا أن يُخرجوا ذواتِهم من البرية الصعبة لأنَهم لم يوصلوا إليها بسهولة.

فأشتد عليهم الجوع والعطش والحر، وجلسوا مكتئبين وظامئ النفس.

ثم بتدبير من العناية الإلهية صادفهم قوم وهم قد قاربت أنفسهم أن تنتزع منهم فوضعوهم على دوابِهم وحملوهم إلى المواضع المسكونة.

ومجموعة منهم ماتوا وأكل أجسادهم الطير والوحوش والذين نجوا لبثوا مرضى مدة طويلة فعند ذلك عرفوا بالخبرة ألا يعملوا شيئاً بغير مشورة.

وكثيرين إذ كان فيهم فكر العظمة وذهبوا إلى أرض لا ثمر فيها ولا ماء فسببوا لأنفسهم موتاً محققاً ؛ وآخرون إذ لم يريدوا أن يطيعوا ولم يحتملوا أن يخدموا إخوتِهم سقطوا فى هذا الأمر نفسه، وآخرون إذ لم يرتضوا أن يعملوا بأيديهم فسدوا.

وكذلك آخرون هُزئ بِهم من فكر الاعتداد بالذات والتشامخ بالسبح الباطل، فتصيدوا المديح من السامعين: ” أنَهم قد صاروا سواحاً ” ؛ وإذ لم يفكروا فى الأتعاب التى تصادفهم ألقوا أنفسهم فى هذه المعاطب نفسها.

فلا ينبغى الآن أيها الحبيب أن ننقاد لأفكارنا بلا تمييز، لأننا نحتاج كثيراً أن كل واحد منا يعرف مقداره ويتواضع لقريبه بمحبة اللـه.

وإن شعر أحد أنه قد قوَّم الفضيلة ومسك الآلام وتملك على الشهوات فلا يثق هكذا برأيه، لئلا يقال عنه الفصل المكتوب: ” أن الملك الجسور يسقط فى المساوئ وملاك الرب ينجيه “.

لكن ربما يغتر أحد فيقول: وكيف نجد قوماً من الآباء قد قوموا هذه الفضيلة ؟

فقد احتجنا أن نظهر لكم هذه الشهادة من أخبار سير الآباء القديسين، ونوضح أن الآباء القديسين ما عملوا شيئاً عبثاً ولا جزافاً.

لأنه قد حكي عن مقاريوس الراهب أنه قال: بينما أنا كنت جالساً فى قلايتى بالاسقيط آذتنى الأفكار قائلة:

امضى إلى داخل البرية وافهم ماذا تعاين هناك.

فلبثَ محارباً للفكر خمسة سنوات خائفاً أن يكون هذا الفكر من الشيطان.

فأبصِر فهم الرجل أنه لم ينقاد للفكر ولا عمل به بل لبث يميزه صائماً ساهراً مصلياً ليعرف إن كان من الشيطان أم لا.

” فنحنُ إذا جاء إلينا الفكر ونحن ثابتون فننفرد وننعزل ولسنا نميزه مصلين بتوجع قلب، بل ولا إذا وعِظنا من آخرين نقتنع ونخضع لرأيهم فلذلك يسبينا المعاند بسهولة “.

ثم لما ثبت الفكر ودام خرج إلى البرية فصادف هناك بحيرة مياه وجزيرة فى وسطها فإذ بأنعام البرية قد جاءت تشرب منها ورأى فى وسطهم رجلين مجردين.

فبعد أن سلما على بعضهما بعضاً. قال لهما مقاريوس: كيف يمكننى أن أصير راهباً.

فقال له: إن لم يزهد أحد فى الأشياء التى للعالم كلها مبتعداً عنها فلا يستطيع أن يكون راهباً.

فقال لهما: أنا ضعيف ولا أستطيع أن أكون مثلكما.

فقال له: إن لم يمكنك أن تصير مثلنا فأجلس فى قلايتك وأبكِ على خطاياك.

يا لجسامة تواضع الإنسان الإلهى ويا لسمو فهم النفس المتورعة ؛ من قد أوضح مقدار تلك النصرات الممدوحة ومثل عِظم جسامتها ؛ فلم يوضح من ذاته أنه مستحق للأمر لكن قال لهما:

” أنا ضعيف ولا أستطيع أن أكون مثلكما “.

فنحن لا اضطهاد قام علينا ولا اضطهدنا أحد ومع ذلك نسلك بسيرتنا بالتهجم والاعتداد بالذات ؛ ونبتدئ بأفعال تفوق حدودنا كمجربين الرب الإله. الأمر الذى هو مُرهَب جداً.

الويل للإنسان المتوكل على قوته ونسكه أو على ذكائه، ولا يكون اتكاله على اللـه لأن منه وحده العزة والقوة.

وإن أطلعنا على سيرة أنطونيوس الراهب نجده صانعاً كل أفعاله من استعلان إلهى.

ألم يجلس فى دير ؟ أو ما احتاج ملابس ؟ أو ما أكل خبزاً ؟ أو ما عمل بيديه ؟ أو ما أقتنى تلاميذ ؟ أما كفنوه مائتاً ودفنوه ؟ أو هل استعمل المغبوط أنطونيوس وحده هذه السيرة ؟

بل وباقى الآباء الذين أكمل اللـه بِهم آيات واشفيه لأنَهم كانوا كالمصابيح البهية مشهورين بالفضائل.

فلنسر نحن يا أحبائي سيرتَهم ومذهبهم ونسلك فى الطريقة الملوكية غير جانحين إلى يمينها ولا إلى يـسارها.

فلنثابر على السكوت، الصوم، السهر، الصلاة، الدموع، الصلوات الجامعة، عمل اليد، مخاطبة الآباء القديسين، إطاعة الحق، استماع الكتب الإلهية لكى لا يصير فكرنا بوراً عاشباً بالآلام.

ولنوقف ذاتنا مخصوصاً لنستحق التقرب من الأسرار المقدسة الطاهرة، لكى تتنظف أنفسنا من الأفكار النجسة المتولدة، ويسكن الرب فينا فينفذنا من الشيطان.

وقبل هذه كلها فلنحفظ المحبة الصافية بعضنا لبعض وللكل، لأنه من جهة محبتنا للقريب يقتنى الإنسان المكافئة أو العقاب. لأن القائل صادق:

” إنه إذا صنعتم بأحد إخوتى هؤلاء المحتقرين شيئاً فبى قد صنعتم.

وقال للآخرين: ” إذا لم تعملوا بأحد إخوتى هؤلاء المحتقرين شيئاً فبى لم تفعلوا، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الخالد ويمضى الصديقون إلى الحياة الأبدية.

إن القدماء كانوا يذبحون عجولاً، وكباشاً، وخرافاً كلها نقية لا عيب فيها ويقدمونَها تقدمة، فلنقدم نحن جسمنا للرب بالروح القدس ولا ننجسه بالأفعال المحذورة ولا ندنسه بفكر ما لئلا تصير ذبيحتنا غير مقبولة.

وبأية حاله يجب أن نقتنى القداسة فيثاب الذين لهم عقل العين المستفيقة، وذكر اللـه الذى شعاعاته تضىء لكل قلب.

فأما الذين هم ضعفاء فى مثل هذا الفكر فهم محتاجون إلى نماذج ومقاييس ليقتنوا مثل هذه الفضيلة ويقومونَها، فلتكن مقاييسنا مثل هذه.

إن الذين يتناظرون فى الحروب العالمية، تنصب لهم صور على الحيطان وفى الألواح ينقش فيها رواية الحرب، كيف بعض يمدون قسياً وبعض مجروحون، وقوم قد هربوا، وقوم يقاتلون بأيديهم وسيوفهم مجردة، ويحصدون مصارعيهم كحصاد السنبل.

وهذه المقاييس يصنعونَها ليعرفوا الذين يصيرون إليها فيما بعد، ولذكر المفضلين على من بارزهم فى الحرب، وكثيرون صوروا جهاد القديسين فى هياكل الصلوات لكى يغيروا منها التى قلوبِهم قاسية ولتفريح الناظرين إليها

فإذاً سيرتنا سوف تكتب وتصور وتنصب فى علوٍ شاهق ليعاينها الكل فاحرصوا، بل فلنحرص أن نقوم الفضيلة لئلا تكون فى أيقونتنا شيء مذموم وغير ملائم، لأنه قبيح بالحقيقة أن يُبصَر فى أيقونة رجل يعانق امرأة وأقبح منه إن كان من المظنونين أنه لابس زى التدبير الحسن.

فإن كان ذلك فهو على رأى القائل: ذكور يعملون الفحشاء بذكور، فمن هو يا ترى يجترئ أن يعاين تلك الأيقونة، لأنه منظر يجب أن يُهرب منه.

فإذ نعلم يقيناً أن عذاباً لا يُحتمل يحل بمن يُوجد فى مثل هذا الهوان فلنهتم أن تصير وضع الرواية الواصفة أخبارنا وإتقانِها حسنة وممدوحة ناهضة إلى فعل الصالحات لمن يصادف جمالها، ولا نصور فيها شيئاً رديئاً لا يختص بالفضيلة.

لأن الرواية المسندة من أهل سدوم منتصبة انتصاباً لا يضمحل مخبرة كيف أطاف أولئك الفجار النهمة شهوتِهم بمنزل الصديق إلى أن ضُربوا بضربة فقد النظر واحترقوا بالمطر النارى وترمدوا هم وأرضهم التى عملوا فوقها المجامعات النفاقية.

فهذه الرواية كأيقونة ما مملوءة خوفاً وضعها الإله خالقنا فى ضمير كل واحد منا حتى إذا نظرنا مثل تلك الأمثال الرادعة نبعد عن الأفعال الرديئة.

فأما الذين يغمضون أعينهم من معاينة تلك الرواية التى نُصبت لنا وعظاً فأولئك يتهورون بسهولة فى هوة اللذات.

أنت إذاً فليكن ناظر ذهنك مقترناً بمثل هذه المعاينة لكى تصدم بالخوف الآلام النجسة وتطمر بانتظار السخط الآلام المضطرمة لأن من يتصور ذلك الرجز المسير من اللـه فلا يجزع ولا ينقبض ذهنه إن لم يستعمل هذه المعاينة استعمالاً زائداً.

أما أنا الوانى لما نصبت فى عقلى هذه الرواية تنهدت ووضعت وجهى بين ركبتى وبكيت لما رأيت تصور جريان تلك النار المتداركة هولها والأرض نفسها مضطرمة وكلها مملوءة قتاماً ودخاناً.

وقاتنيها قد ذابوا كالشمع، أترى لا تستطيع النموذجات والأحداث السالف حدوثها أن تعزل النفس الصخرية وتلينها.

فمنذ الآن فلنتفرس فى هذه الرواية بمداومة، بل فلنتأملها بلا فتور لكي ما بالحرص فى الأشياء المفضلة نَهرب ونفلت من حيرة النقم السابق ذكرها لأن التوانى ينشئ عدم الخشية ومنها جميعاً تنشأ العادة، والذين يصيرون فى عادة السير يصعب انتشالهم منها وهم جانحون كل حين إلى فساد الثمر الروحانى.

وينبغى أيضاً أن نتذكر يوسف كأنه فى أيقونة ونتفطن فى أمره كيف اجتذبته المصرية استخرجته إليها، أما هو المحب للـه فترك ثوبه وهرب من افتعال الدنس.

بل ونعاين الشيخين اللذين كان فى بابل فى ذهننا كأيقونة، كيف استدعيا سوسنة المغبوطة إلى الفعل النجس فاستعملت هى فكراً مؤمناً شجاعاً فحطمتهما.

هكذا فلنجاهد نحن بثبات ولا سيما إذ نتأكد أنه ليس مكتوماً إلا ويظهر، لكى يثنى علينا بتثنية الفضيلة والمدح كى نوجد مع الممدوحين لا مع المذمومين.

فأما عن الذين يلتمسون استعلام كيف يتصرفون مع الإخوة ويسترضون الإله الحقيقى.

فإذا صليتم عنا سنرسم لكم أخيراً بمؤزرة النعمة إيانا مهما أمكن أن يقال فى هذا المعنى ؛ وليكن بيننا وبينكم الرب عين الحياة الممطر سروراً وقداسه وسلامة ورجاء صالحاً على الذين يبتغونه بالحقيقة.

قبل عنى الإخوة الذين معك، تقبلك الإخوة الذين هنا.

@

المقالة الثانية

توبيخ لذاته واعتراف

يا إخوتي تأملوا معى وليكن لكم تحنن ورأفات، فإنه ما قال الكتاب الإلهي باطلاً: ” أن الأخ الذي يعينه أخوه يكون كمدينة حصينة شاهقة لأنه يقدر كاقتدار المملكة المتوطدة “.

ويقول أيضاً: ” ليعترف بعضكم لبعض بالخطايا، وليصلى بعضكم لبعض لتشفوا “.

اقبلوا أيها المختارون من اللـه وسيلة ممن عاهد أن يرضى اللـه فكذب على خالقه، لكى ما بطلبتكم أنجوا من الخطايا المطيفة بى فأصير معافى وأنْهض من سرير الخطية المفسدة فإنى منذ طفولتى صرت إناءً طالحاً ومرفوضاً والآن إذ أسمع بالدينونة أتَهاون.

بما أن لى خطايا وجرائم تفوق العظم وأعظ آخرين أن يبتعدوا من الأشياء التى لا تنفع وتلك الأشياء تكمل منى مضاعفة.

ويلى فى أى يأس قد وقعت، ويلى فى أى خزى قد حصلت، ويلى لأن باطنى ليس كظاهرى.

فلهذا إن لم تشرق علىَّ رأفات اللـه سريعاً فليس لى من أعمالى ولا رجاء واحد للخلاص.

لأننى أتكلم على الطهارة وأتفكر فى الفجور، أنشئ أقوالاً على عدم التألم وفىَّ موجود الهذيذ فى الآلام النجسة ليلاً ونَهاراً فأى اعتذار لى.

ويلى أى فحص قد أستعد لى بالحقيقة أن زي الديانة الحسنة موضوع علىَّ وليس فىَّ قوتِها.

بأى وجه أتقدم إلى الرب الإله العارف مكتومات قلبى وأنا مديون بمثل هذه المساوئ ؛ وأجزع أن أقوم فى الصلاة لئلا تنحدر علىَّ من السماء نار فتبيدنى، لأنه إن كان الذين قَدموا فى البرية ناراً غريبة خرجت من الرب ناراً فأحرقتهم فماذا انتظر أنا، ومثل مقدار هذه الذنوب موضوع علىَّ ؟

فماذا هل أقطع رجائى من خلاصى ؟ حاشا. لأن هذا هو الذى يحرص عليه المضاد.

انه إذا أنحضر أحد إلى اليأس حينئذ يقبض عليه هو، فأنا لا أيأس من نفسى لأننى أثق برأفات اللـه وبتوسلاتكم، فلا تفتروا إذا من التضرع إلى المتعطف لكى يعتق قلبى من عبودية الآلام المحتقرة.

فقد عمىَّ قلبى واستحال فكرى المتدين حسناً وأظلم ذهنى فرجعت وصرت مثل الكلب العائد إلى قيئه فليس ذهنى نقياً، ولا دموع لى فى صلاتى، إن تنهدت نشف ماء وجهى، من الخزي أقرع صدرى فهو خزانة الآلام.

لك المجد أيها المحتمل، لك المجد أيها المتمهل، لك المجد أيها المتأنى على البشر، لك المجد أيها المتعطف على الناس، لك المجد أيها الصالح، لك السبح أيها الحكيم وحدك، لك المجد أيها المحسن على النفوس والأبدان.

لك المجد أيها المشرق شمسه على الأشرار والأبرار، والممطر على الصديقين والظُلام، لك المجد أيها المغذى كافة الأمم وكل الطبيعة البشرية مثل إنسان، لك المجد أيها المغذى طيور السماء والوحوش والدواب والبرايا المائية مثل عصفورٍ حقير.

لأن كافة البرايا تنتظر لتعطيها قوتَها فى أوانه لأن عظيمة قدرتك ورأفاتك مسبوغة على سائر أعمالك.

فلهذا يارب أطلب ألا تطرحنى مع القائلين يارب يارب ولا يعملون مشيئتك، بشفاعة كافة الذين أرضوك لأنك أنت تعرف الآلام المكتومة فىَّ وأنت خبير عالم بجراحات نفسى أشفينى يارب فأبرأ.

جاهدوا يا إخوة معى بالصلوات طالبين رأفات خيرية اللـه ؛ ونفسى التى تمررت من الخطايا حلوها من الكرمة المحقة التى غصونِها هى لكم، اعطوا العطشان من ينبوع الحياة الذى قد أُهلتم لخدمته.

أنيروا قلبى يا من صرتم أبناء النور ؛ أرشدونى أنا الضال إلى طريق الحياة يا من ثبتم فيها، أدخلونى فى الباب الملكى كما يُدخل السيد عبده، يا من قد صرتم للملك وارثين فإن قلبى قد أنسكب.

فلتدركنى بتوسلاتكم رأفات اللـه قبل أن أُجتذب مع عاملى الإثم فهناك تنكشف سائر الأفعال فى الظلمة وفى الجهر فأى شيء يدركني إذا رآنى مديوناً، أين الذين يقولون الآن أننى بلا عيب قد خليت الصناعة الروحانية وخضعت للآلام.

لا أريد أن أتعلم وأشاء أن أُعلم، لا أريد أن أُطِيع وأشاء أن أُطَاع، لا أختار أن أتعب وأريد أن أُتعِب، لا أشاء أن اعمل وأشاء أن أشجع على العمل، لا أشاء أن أُكرِم وأشاء أن أُكرَم.

لستُ أشاء أن أُعيَّر وأشاء أن أعيِّر، لا أريد أن أُحتقَر وأشاء أن أحتَقِر، لا أريد أن يتكبر علىَّ أحد وأشاء أن أتكبر، لا أختار أن أُوَبَخ وأشاء أن أُوَبِخ، لا أريد أن أَرحَم وأشاء أن أُرحَم، لا أشاء أن أُنتَهر وأريد أن أَنتَهِر، لا أريـد أن أُظلَم وأشاء أن أَظلِم.

لا أختار أن أُضَر وأشاء أن أُضِر، لا أريد أن أُغتاب وأشاء أن أَغتاب، لا أشاء أن أَسمع وأريد أن أُسمع، لا أشاء أن أُمَجِّد وأريد أن أُمَجَد، لا أشاء أن أُمسَك وأريد أن أمسِّك، حكيماً فى الوعظ لكنى لستُ فى العمل حكيماً، أقول ما يجب أن يُعمل وأعمل ما لا ينبغى أن يقال.

من ذا لا يبكى علىَّ، أبكوا علىَّ أيها الأبرار والصديقون أنا المضبوط بالآلام، أبكوا أيها المحبون النور والباغضون الظلمة على المحب لأعمال الظلمة لا لأفعال النور، أيها المختبرون أبكوا على المنفى غير المختبِر.

أيها الرحومون أبكوا على المرحوم والمفرط، أيها الصائرون فوق كل مذمة أبكوا على الغريق فى الآثام، أيها المحبون الخير والمبغضون للشر أبكوا على المحب للأفعال الخبيثة والمبغض للأعمال الصالحة، أيها المتمسكون بالسيرة ذات الفضيلة أبكوا على الذى ترك العالم بالذي فقط.

أيها المرضون للـه أبكوا على المرضي للناس، أيها المقتنون المحبة التامة أبكوا على أنا الذى أحب قريبى بالأقوال وابغضه بالأفعال أيها المهتمون بأنفسكم أبكوا على المهتم بالأشياء الغريبة، أيها المقتنون للصبر والمثمرون للـه أبكوا على الغير صبور والعادم الثمر.

أيها المشتاقون إلى الأدب والتعليم أبكوا على الفاقد الأدب والمرفوض، أيها المتقدمون إلى اللـه بلا خجل أبكوا علىَّ أنا الغير مستحق أن أتفرس وابصر علو السماء، أيها المقتنون وداعة موسى أبكوا علىَّ أنا الذى أضعتها باختيارى، أيها المقتنون عفة يوسف أبكوا علىَّ أنا الذى دفعتها وطرحتها، أيها المحبون مسك دانيال أبكوا علىَّ أنا الذى عدمتها باختيارى.

يا من اقتنوا صبر أيوب أبكوا علىَّ أنا الذى صار غريباً منه،يا من اقتنيتم مثل الرسل فى عدم اقتنائهم عدم القنية أبكوا علىَّ أنا المبتعد منها بعيداً.

أيها المؤمنون والراسخ قلبهم فى الرب أبكوا على الضعيف النفس والجبان، أيها المحبون للنوح والرافضون للضحك أبكوا على المحب للضحك والمبغض للنوح، يا من حفظتم هيكل اللـه بلا دنس أبكوا علىَّ أنا الذى قد دنسته ووخسته.

يا من يتذكرون الفراق والطريق التى لا عفو منها أبكوا على الغير ذاكر ولا مستعد لهذا السفر، يا من تصورت فى عقولهم الدينونة التى بعد الموت أبكوا على المعترف بذكرها والفاعل ضدها، يا وارثى ملكوت السموات أبكوا على وارث جهنم النار.

ويلى أنا الذى لم تترك فىَّ الخطية عضواً صحيحاً أو حاسة لم تفسدها وأنا لا هم لى والموت على الأبواب قد وقف وأنا لا هم لى.

يا إخوتى هاأنذا قد كشفت لكم كلوم نفسى فلا تتوانوا فىَّ أنا المتألم لكن اطلبوا من الطبيب فى أمر السقيم، إلى الراعى من أجل الخروف، إلى الملك من أجل الأسير إلى الحياة من أجل المائت لأنال الخلاص الذى بيسوع المسيح ربنا من الخطايا المطيفة بى.

ويرسل نعمته ويؤيد نفسى التى تزلق بسرعة، فإنى مستعد لمقاومة الآلام وحين ملاحمتى إياها تحل رداءة حيلة الثعبان باللذة نفسى وتقيدنى مأسوراً وانشط أن أجذب المحترق فتطرأ علىَّ حرارة النار فتجذبنى إلى وسط لهيبها، اطفر إلى استخلاص الغريق ومن عدم التدريب أغرق معه.

اشتهى أن أصير طبيباً للآلام وأنا نفسى مضبوط بِها وعوض المداواة أجرح من المريض، أنا لم أزل أعمى وأروم أن أرشد العميان.

فلذلك أنا محتاج إلى صلوات كثيرة حتى اعرف قدري ولكى تظللنى نعمة المسيح وتضئ قلبى المظلم.

وتسكن فىَّ عوض الجهالة معرفة إلهية ؛ لأنه لا يصعب على اللـه كل كلمة، هو منح شعبه فى البحر الذى لا يُسلك مسلكاً، هو أمطر لهم المن ومن البحر أرسل لهم سلوى كرمل البحر.

هو منح العطاش ماء من صخرة صلبة، وهو وحده خلص بصلاحه الواقع بين اللصوص؛ وبتحنن صلاحه يخلصنى أنا الواقع فى الخطايا المغلوب مثل مكبل بسوء الرأى ؛ فليست لى دالة لدى فاحص القلوب والكلى ولا يستطيع أحد أن يشفى وجع نفسى إلا هو العالم أعماق القلب.

كم من مرة وضعت فى ذاتى حدوداً وابتنيت حيطاناً بينى وبين الخطية المخالفة للشريعة ؛ وبين المعاندين الذين يخطرون من النتائج المضادة الخواطر للحرب فعبر ذهنى التخوم وهدم الحيطان لأن التخوم لم تكن لها قوة صائنة بخشية ممن هو أفضل من الكل والحيطان لم تأسس على التوبة الخالصة.

فلذلك اقرع الآن ليفتح لى؛ وألبس طالباً لأنال المطلوب كمن لا خجل له اطلب أن اُرحم يارب ؛ أنت أيها المخلص قد وهبت لى خيريتك وأنا كافأتَها بالمساوئ ؛ تمهل على أنا الجافى فلست أسأل عفواً عن كلمات باطلة بل إنما اطلب من خيريتك صفحاً عن أعمالى التى لا بر فيها.

يارب جددنى من كل فعل خبيث قبل أن يدركنى الموت حتى أجد فى ساعة الوفاة نعمة أمامك لأن ليس فى الهاوية من يشكرك.

يارب خلص نفسى من المخافة المنتظرة وبيض حلتى المتسخة من أجل رأفاتك وصلاحك لكى إذا سربلتنى بالبياض أنا الغير مستحق أؤهل لملكوت سماواتك وإذا حصلت فى السرور الذى لا ينقرض أقول: المجد لمن أستخلص نفساً مغمومة من فم السبع وجعلها فى جنة النعيم.

لأن لك المجد أيها الإله الكلى القداسة. آمين

@

المقالة الثالثة

فى هدم الكبرياء

كل نسك؛ كل حمية ؛ كل طاعة ؛ كل هجر قنية ؛ كل غزارة التعليم؛ باطلة إذا كانت عادمة تواضع الرأي، كما أن ابتداء الصالحات وكمالها هو التواضع ؛ هكذا ابتداء الشرور ومنتهاها هو شموخ الرأي.

وهذا الروح النجس هو كثير الأنواع وكثير الصور، فلهذا يجتهد أن يتسلط على الكل، وأية صناعة تصرف فيها كل أحد ينصب له فيها فخه.

فالحكيم يتكبر بحكمته، والقوى بالقوة، والغنى بثروته، والحسن الوجه بجماله، والدرب المنطق بالكلام الطيب، والنغمة بحسن صوته، الحاذق الصنعة بحذاقة صنعته، الجميل التصرف بحسن تصرفه.

وكذلك لا يفتر من تجربة الروحانيين، فالطائع يمتحنه بالطاعة أى يتعظم بطاعته، والماسك بالمسك، والصامت بالصمت، والعادم القنية بِهجر القنية، والجزيل العلم بسرعة تعلمه، والمتورع بحسن الورع، والعَالم بالعلم.

فالمعرفة الحقيقية إنما هى مقترنة بالتواضع، ولهذا يحرص أن يزرع فى الكل الزوان الذى له.

فلذلك لما عرف الرب هذا الألم أنه أينما تأصل يطوح ذلك الإنسان مع العمل الذى له أعطانا ضده التواضع سلاحاً قائلاً: ” إذا عملتم سائر الأوامر التى أُمرتم بِها فقولوا أننا عبيد بطالون “.

فَلِمَ نجذب إلى أنفسنا الخفة ومضرة العقل والرسول يقول: ” إن ظن أحد أنه شيئاً فإنما يخدع عقله ؛ وكل أحد فليختبر عمله ؛ وحينئذ فليكن افتخاره فى ذاته لا على أحد آخر “.

فلما نخادع ذواتنا ويترفع بعضنا على بعض ؛ فإن كنا شرفاء فى العالم ونستحقر الأدنياء فأننا نجد الرب يعلم: ” أن الحظوظ السامية عند الناس مرفوضة عند اللـه “.

وإن كنا ممسكين فنتعالى على الضعفاء لكن الرسول يوبخنا قائلاً: “ليس من يثبت أمر نفسه ذلك هو المدرب المهذب بل الذى ثبت أمره الرب “.

وإن كنا نتعب فى الخدمة أكثر فنستعظم برأينا على الصامتين فأننا نجد الرب يمدح مريم أكثر لأنَها اختارت الحظ الصالـح.

وإن كنا صامتين فنترفع على المتغلبين بالخدمة فأننا نصادف الرب يُعلم قائلاً: ” ما جئت لأُخدَم بل لأَخدُم وابذل نفسى فدية عن كثيرين “.

كى فى كل أمر ينبغى أن نقصى استعلان الرأى، وأن كنا جلوساً فى مكان هادئ ومبيض مسقول نتشامخ، لكن ماذا ينفعنا عمل المكان إن لم نعمل بتواضع إذ الرسول يقول: ” لا نراقب الأشياء الأرضية المرئية بل التى لا ترى لأن الأمور التى ترى وقتية والتى لا ترى أبدية “.

وإن كنا نسكن فى جب أو فى مغارة ننتفخ فهذه سمات الوفاة. وعدم الهم بالأمور العالمية فالأمر الذى اخترته لذاتك لتقويم الفضيلة لا يصيرنَّ لك سقطة الكبرياء فتضاهى طنجير لا فهم له؛ ولا يعرف العمل الذى له.

وعوض قطعة حديد تروم أن تحمى عوداً فتحتاج أن تتخذ التواضع بقوة وإن كنت موسراً وحاوياً حدود العدل فأنك لم تبلغ إلى حدود إبراهيم الذى جعل ذاته تراباً ورماداً.

وإن كان فوض إليك الاهتمام بالشعب فموسى قد تقلد الاهتمام لا برئاسته شعب عدده ألف فقط لكن كثرة شعوب.

لأنه بعد أن ضرب اللـه مصر بيد موسى وهرون ونشف أرض البحر الأحمر، وسير إسرائيل بلا بلل وعبرهم تلك البرية المرهبة اقبلوا إلى تخوم أهل موآب فابصر أهل موآب كثرة الشعب كما كتب أن موآب قال لمشيخة مدين أن هذا الجمع يلتحس كافة الأشياء التى حولنا كما يلتحس العجل النبات الأخضر من البقعة.

لأنه كان أحصى الشعب سوى النساء والصبيان وقبيلة اللاويين من ابن عشرون سنة وما فوقها كل من ينتصب فى مصاف الحرب من إسرائيل فكان عددهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلاً.

وكل هؤلاء كان هو رئيساً عليهم ؛ وصار مناجياً للـه ومعايناً مجد الرب ؛ فلم يترفع قلبه ولا توانى فى التواضع.

فقد شهد عنه الكتاب المقدس قائلاً: ” والإنسان موسى كان وديعاً جداً أكثر من كافة الناس الموجودين على الأرض “.

وإن كنت بَهى الوجه وقوى البأس وعليك التاج موضوعاً فإنك لم تبلغ إلى حدود داود الملك الذى واضع ذاته قائلاً: أنا دودة ولست إنساناً.

وإن كانت لك معرفة وحكمة ومسك فإنك لم تبلغ إلى حدود الثلاثة فتية ودانيال النبى الذين أحدهم قال: يارب أنت هو العدل ونحن فلنا خجل وجهنا إلى هذا اليوم ؛ وأما الثلاثة فتية فابتهلوا بنفسٍ مسحوقة وروح متواضع.

فإن كان الصديقون أوضحوا مثل هذا التواضع فكم يجب أن نكون نحن الخطاة أكثر تواضعاً لأن من يترفع ويعظم رأيه فذاك هو عقل البشر.

كما يقول الرسول: ” إن كنتم تعيشون للجسد فستموتون وإن كنتم تميتون بالروح أفعال الجسد فستعيشون “.

وغير ممكن أن يمسك الآلام من لم يقوم الفضيلة أولاً، أو ما قد سمعتم كم من مصاعب احتملها الرسول بولس عن الأمانة البهية لأنه كتب إلى أهل كورنثوس يقول:

” فى الأتعاب أزيد جداً فى العقوبات أكثر كثيراً جُلدت من اليهود خمسة مرات أربعين جلدة إلا واحدة ضربتُ بالعصا ثلاثة دفعات، رجمت دفعة، غرقت ثلاثة دفعات، أقمت فى العمق يوم بليلة، وفى الأسفار مراراً كثيرة، احتملت معاطب الأنْهار ومخاوف اللصوص، معاطب من جنسى، مصاعب من الأمم، معاطب فى المدن، ومخاوف فى البرية، معاطب فى البحر، مصاعب من الإخوة الكذبة ؛ بالتعب وبالحرص فى الأسهار مراراً كثيرة، بالبرد والجوع والعطش، وبالأصوام دفعات كثيرة، بالبرد والعري وما يتبع ذلك “.

أترانا نستطيع نفتح فمنا ؛ وابصر فضله بعد مثل عظم هذه المعاطب وبعد مثل جسامة هذه التقويمات، كيف واضع ذاته وقال: ” أيها الإخوة أنا ما احتسب ذاتى أننى قد أخذت شيئاً “. فقال هذه الألفاظ لينفى التشامخ عالماً أى رجز يحل بمن يعشقه.

من يتشامخ يشبه من يعير اللـه بتقويماته كما فى الأمور البشرية، من أعطى قريبه عطية وتشامخ عليه فقد سلب صلاته ونقض صداقة قريبه، ولهذا من هو هكذا فهو مرذول.

فلأجل هذا أراد الرب المهتم بحياتنا أن يجعلنا غرباء عن هذا الألم المفسد فعلمَ قائلاً: ” إذا صنعتم كل البر فقولوا أننا عبيد بطالون “.

فإن لم نصنع ذلك لا نكون أكفاء ولا نسمى عبيد بطالين لأن ربنا عظيم ومواهبه عظيمة جسيمة وقوية.

ولنعلم أن الرب ما علمنا أن نتواضع قولاً فقط بل أدبنا أن نتواضع برأينا بالفعل: ” ائتزر بمئزر وغسل أرجل رسله “.

فذلك قال: ” تعلموا منى فإنى وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لأنفسكم “.

فإذا وافتك المحزنات بخلاف نيتك وصبرت عليها كان ورودها كأنه فى نيتك فتعرف حينئذ ذاتك أنك قد بلغت إلى حدود إنسان ذى فضيلة ومتواضع وتنذهل إذا عرفت كيف احتملت الفكر الخادع الذى أخطر لك الرؤيات الظالمة وكان يقول لك أنك عتيد أن تؤخذ بِها.

بل الأولى بك كما نزعت رؤيتك من مثل هذا الأمر أن تقول لذاتك: أنت من أنت إلى أى حدود قد وصلت ؛ هل أنت إيليا ؟ أتراك صنعت عجائب مثل ذاك ؟

فإنه بصلاته أغلق السماء فلم تمطر ثلاثة سنين وستة أشهر، ثم بصلاته أيضاً أعطت السماء مطراً، وبصلاته أيضاً أحضر من السماء ثلاثة مرات ناراً.

وان كنت اقتنيت الأمانة كلها فأعطينا خبره بذلك ؛ أرنا عجائب وآيات، أقم بصلاتك موتى، أفتح أعين العميان، أطرد جناً، نقى برصاً، أقم مشلولاً، أمشى على البحر كمشيك على الأرض الياببسة، حول الماء خمراً، أشبع بصلواتك من الخمسة خبزات والسمكتين جموعاً كثيرة.

لأنه صادق هو القائل: ” الحق أقول لكم إن من يؤمن بى يعمل الأعمال التى صنعتها أنا وأعظم منها يعمل”.

لكن لعل أحد يعير فيقول: فإن لم يعمل أحد تلك الأعمال والأمور اللائقة باللـه لا رجاء خلاص له. بل لنا رجاء خلاص إن اعترفنا بضعفنا وقلة إيماننا وإن لم تُعمَل هذه بنا لأن الضعيف إنما يلتمس رحمة لا تعظماً.

فإن كنا محتاجين إلى الرحمة وإياها نطلب فنحتاج إلى التواضع لنجذب بالتواضع الرأفات إلينا من اللـه لأنه قد كتب: ” أنه بتواضعنا ذكرنا الرب وأنقذنا من أعدائنا “. وأيضاً: ” تواضعت فخلصنى “.

وإن كنا نستند على الرياح ونعظم رأينا فلسنا صانعين شيئاً آخر إلا أن نكردس ذاتنا ونزجها فى اللجة فلا تقبلن مرض الكبرياء لئلا يسرق العدو رؤيتك بغتة.

إذاً فق من فكر الاعتداد بالذات لا تلف شبكته على رجليك، أغسل بالتواضع ذهنك ونظفه من هذا السم القاتل ليؤدبك منظر الذى يكنس بيته كيف ينحنى إلى الأرض وينظفه فكم يحتاج بالأكثر أن تنحنى باهتمام كبير وتتضع من أجل تنظيف النفس ولا تترك فيها الأشياء التى يمقتها اللـه لأنه فى النفس المتواضعة يسكن الآب والابن والروح القدس.

فإنه مكتوب أية شركة للبر مع الإثم أو أية مساهمة للنور مع الظلمة، وأى اتفاق للمسيح مع المارق، وأى حظ للمؤمن مع الكافر، وأى موافقة لهيكل اللـه مع هيكل الأوثان.

نحن هيكل اللـه كما قال اللـه: ” أننى سأسكن فيهم وأمشى بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً لهذا أخرجوا من بينهم وتميزوا منهم قال الرب ولا تمسوا دنساً وأنا أقبلكم وأكون لكم أباً وتكنون أنتم لى بنيناً وبنات يقول اللـه الممسك الكل “.

فإذ لنا مثل هذه المواعيد يا أحبائى فلنطهر أنفسنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة بخشية اللـه فإذا اجتهدت إذاً أن تخرج من الأمور العالمية وتنتقل من مصاعب العالم الشرير جاهد جهاداً متكاثراً حذراً حينئذ من أن تشارك روح الكبرياء النجس ليقبلك الرب لأن نجس بالحقيقة عند اللـه كل متعالى القلب.

أما تخطر ببالك النار التى مزمع أن تعبر فيها. إذا عبرنا فى تلك النار وكنا أنقياء بلا عيب حينئذ نعرف ذاتنا من نحن لأن ذلك اليوم يوضح عمل كل أحد كما كتب أنه بالنار يختبر.

فلنتضرع للرب بتواضع كثير أن ينقذنا من الخوف المنتظر ويؤهلنا لذلك الاختطاف حين يختطف الصديقين فى السحب إلى الهواء لاستقبال ملك المجد وأن يورثنا مع الودعاء المتواضعين ملكوت السموات.

لأنه كما قال: ” مغبوطون المساكين بالروح فإن لهم ملكوت السموات”.

وكذلك ” ويل للمستكبرين والمستعلين برأيهم فإن لهم أتون النار “.

لأنه فى الكبرياء يسكن القائل: ” اصنع بقوتى وبحكمة فمى أنتزع تخوم الأمم وأرتقى قوتِهم وأزلزل مدناً مسكونة وأتناول المسكونة كلها بيدى مثل عش وأحملها كبيض مهمل ولا يفلت أحد منى أو يقاوم قولى لكن الرب الإله رب الأجناد يرسل إلى كرامتك هواناً وإلى شرفك نار متوقدة تحرق.

وأيضاً أنت قلت فى ذهنك لأصعدن إلى السماء ولأضعن كرسى فوق نجوم السماء ولأجلس فى الجبل الشامخ على الجبال الشاهقة نحو الشرق وأرتقى فوق الغيوم، أكون نظير العلى. فالآن إلى الهاوية تنزل وإلى أساس الأرض.

فلنهرب منذ الآن من الكبرياء التى يبغضها الرب ولنحب تواضع العقل الذى به أرضى الرب جميع الصديقين، لأن تواضع العقل قربان جسيم قدره وشرف عظيم ونجاح نفيس وكرامة جزيلة للذين قد اقتنوه لأن فيه سعى لا يمسك وحكمة كاملة لأنه باستعلاء الرأى ذل قدر ذلك الفريسي، وبتواضع العقل أرتفع شأن العشار الذى معه.

يؤهلنا الرب للحظ الذى لا يبلى مع كافة الصديقين

فإن به يليق المجد

إلى الأبد

آمين

المقالة الرابعة

فى الحض على التوبة

تعالوا يا أحبائى هلموا يا آبائى وإخوتى يا رعية الآب المنتخبة يا جند المسيح الموسومين تعالوا فاسمعوا قولاً يخص نفوسكم، هلموا فلنتجر ما دام الموسم واقفاً، تعالوا فلنجد حياة أبدية هلموا فلنتبع خلاص نفوسنا.

املئوا أعينكم دموعاً ففى الحين تنفتح أعين ذهنكم ؛ تعالوا كلنا أجمع الأغنياء والفقراء ؛ الرؤساء والمرؤوسين ؛ الشيوخ مع الشبان ؛ الأبناء والبنات ؛ وكل البنين المريدين أن ينجوا من العذاب الخالد ويصيروا لملكوت السموات وارثين.

فلنتضرع مع داود النبى إلى الرب الرحوم المتعطف على الناس قائلين:

” اكشف حجاب عينى فأتأمل من ناموسك عجائب ؛ أنر عينى لئلا أتضجع للوفاة “.

ولنهتف كما هتف الأعمى: ” يا ابن الإله ارحمنى “.

فإن منعنا قوم وانتهرونا لنصمت ؛ فلنصرخ نحوه أكثر ولا نضجر من الصراخ إلى أن يفتح يسوع المعطى النور أعين قلوبنا، تقدموا إلى المسيح اقتربوا منه واستضيئوا فلا تخزى وجوهكم واتخذوا فكراً سديداً وشوقاً إلى الملك والفردوس.

تَهاونوا بأمور هذا الدهر ؛ اجتهدوا فى هذه الساعة الحادية عشر ؛ حاضروا لئلا يغلق الباب دونكم ؛ فقد قرب المساء الذى يأتى فيه المعطى الأجر بمجد جزيل ليعطى كل أحد نظير أعماله.

ولنتبن يا إخوتى ما دام لنا وقت ؛ فقد سمعتم ماذا يقول المسيح: ” إن فرحاً يصير فى السماء بخاطئ واحد يتوب “.

أيها الخاطئ لم تتوانى لم تيئس ؟ إن كان يصير فى السماء فرح إذا تبت فممن تخاف ؟ إن الملائكة يفرحون وأنت تتوانى، رئيس الملائكة هو الكارز بالتوبة وأنت تَهرب، الثالوث الطاهر والذى لا يوسع والمسجود له يستدعيك وأنت تتنهد.

لا يحل لنا اهتمام العالم لئلا تمررنا النار الخالدة والدود الذى لا يرقد، فلنبكى ههنا قليلاً لئلا نبكى هناك إذا عُذِبنا بكاءً أبدياً، احذروا آلا يتوانى أحدكم فإن ورود المسيح يصير بغتة كبرق خلب ؛ أما ترهبون ؟

إن فى تلك الساعة ينال كل أحد نظير أعماله، كل أحد يحمل وسقه، كل أحد يحصد ما زرع، كلنا نقف عراة أمام عرش المسيح ، وكل واحد منا يعطى القاضى جواباً.

فى تلك الساعة لا يقدر أحداً أن يغيث أحداً، لا الأخ أخاه، ولا الوالدين أبنائهم، ولا الأولاد آبائهم، ولا الأصدقاء خلانِهم، ولا رجل قرينته، لكن كل واحد يقف بخوف ورعب منتظراً أن يسمع القضية من اللـه.

فلِمَ نضجع فيما بعد ولا نستعد ؟ لماذا لا نَهتم بحجج الاعتذار ما دام لنا وقت ؟ ولِمَ نتهاون بالكتب المقدسة وبكلمات المسيح ؟ هل تظنون أن أقواله وأقوال القديسين لا تديننا فى ذلك اليوم بحضرة المقام المرهب إن لم نعمل ونحفظ كل ما أوصتنا.

قد سمعتم ماذا يقول الرب للتلاميذ: ” من يسمع منكم يسمع منى ومن يخالفكم إياى يخالف ولأبى “.

وفى فصل آخر يقول أيضاً: ” من يخالفنى ولا يسمع أقوالى أنا لا أدينه لكن له من يدينه القول الذى قلته ذاك يدينه فى اليوم الأخير “.

ترى أى قول مزمع أن يديننا فى ذلك اليوم الأخير ! هو إنجيله المقدس وباقى كتب الأنبياء والرسل المقدسة.

فلهذا اطلب إليكم يا إخوتى ألا تتهاونوا بالمكتوبات، إن السماء والأرض تزولان وأما أقوال المسيح فلا تتغير.

هلموا يا إخوتى قبل مجىء ذلك اليوم الرهيب، فلنلقى أنفسنا فى لجة رأفات اللـه فهو الإله ؛ فيتقدم ويأمر ويستدعينا كلنا قائلاً: ” تعالوا إلىَّ يا كافة المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم “.

فالمحب للناس، والمحتمل البشر يستدعى فى كل وقت الجميع. المتحنن والمتمهل الذى يريد أن جميع الناس يخلصون لم يأمر باستدعاء المختصين به فقط بل يستدعى ٍالكل. ” تعالوا إلىَّ كلكم “.

وإن كنت موسراً أو مقفراً فإن المقبل إلىَّ لا أخرجه خارجاً. من هو المقبل إلىَّ ؟ الذى عنده وصاياى ويقبلها ويحفظها، الذى يسمع قولى ويؤمن بمن أرسلنى.

مغبوط من يسمع قوله ويحفظه، وشقى من يخالفه، فإن ذلك القول يدينه فى اليوم الأخير، كما كتب مرهوب هو الوقوع فى يد اللـه الحى.

تب أيها الأخ ولا تجبن، تب أيها الخاطئ واثقاً وناظراً إلى تعطف المسيح الذى لا يحصى القائل: “ما جئت لأدعو صديقين فقط بل خطاة إلى التوبة “.

تب لئلا تخجل أمام المقام المرهب حيث تقف بخوف حيث ألوف وربوات ملائكة ورؤساء ملائكة حين تصير الأشياء المكتومة ظاهرة.

حين تفتح الكتب، حين يفرز البعض من بعض كما يفرز الغنم عن الجداء، بالحقيقة أنَها ساعة مرهبة ومجزعة، لأن الحاكم عادل مرهوب مذهل.

من ذا لا يخلف ! من لا يجزع من تلك الساعة ! لأن القاضى قوى الاقتدار، ومجلس القضاء غير مستشفع، وأعمالنا تكون منتصبة أمام أعيننا، ونَهر النار قبالة الموقف، وتسبيح الملائكة مع الصديقين بلا صمت، ونحيب الخطاة غير محتمل، والدموع غير نافعة، حينئذ تنفتح الكنوز والصديقون يتمتعون.

مغبوطون الذين عطشوا وجاعوا فإنَهم هناك سيشبعون، وويل للشباعى فإنَهم هناك يجوعون ويعطشون، والطوبى للذين افتقروا وبكوا فإنَهم هناك يضحكون ويُعَزون.

وويل للذين يضحكون الآن فإنَهم هناك ينوحون ويبكون بلا فتور، والطوبى للذين رحموا فإنَهم هناك سيرحمون، والويل للذين لا رحمه لهم.

لقد سمعتم كيف يطوب المجاهدين ؛ وكيف يعطى الويل للمتوانيين ؛ فإذ لنا مثل هذه كلها فلنحرص أن نخلص، ولا نبصر إلى المتوانيين والمتنعمين فإنَهم كالحشيش يجفون سريعاً.

لا نحب هذا الدهر فأنه يعرقل الذين يحبونه، يطرب مقدار ساعة ويرسل الإنسان إلى ذات العذاب عارياً.

اسمع وأصغ إلى الكتب الإلهية، فلا تتعرقل ولا تنخدع من هذا العالم الخبيث، اسمع هذا يقول يوحنا المتكلم فى اللاهوت ” لا تحبوا العالم ولا شيئاً مما فيه فإن سائر الأشياء التى فى العالم هى شهوة الجسد وشهوة العيون والعالم يعبر ومن يعمل مشيئة اللـه يبقى إلى الأبد “.

اسمع الرب يقول: “ماذا ينفع الإنسان إن ربح العالم كله وخسر نفسه”.

أصغَ باهتمام إلى كلامه فإن القول الذى قال وعلم به ذاك يديننا فى اليوم الأخير، أترى الرب كاذباً حاشا لأنه هو الحق فإن كنت تعرف بمبالغه أنه هو الحق وأن أقواله غير كاذبة فلِمَ تتوانى يا شقى ؟ ماذا تتوقع ؟ ماذا تفتكر ؟ من يعتذر عنك ؟

أما عرفت أن كل أحد يعطى عن نفسه للـه جواباً ؟ أما عرفت أن كل أحد يحصد ما زرع ؟ وكل أحد يحمل أثقاله ؟.

فإذ لك وقت فبدد ثقل خطاياك فإن الإله العطوف على الناس يستدعيك قائلاً: ” تعالوا يا معشر الموقرين “. فإذ يأمر الكل بِهذا فلا ييئس أحد، ولا يجترئ أحد أن يقول: ” أننى ما أخطأت “.

فإن من يقول أننى ما أخطأت فذلك أعمى ومكفوف وأشقى كافة الناس لأن يوحنا الإنجيلى يقول: “إن قلنا أن لا خطيئة لنا نكذب ولا نعمل الحق ونخادع أنفسنا ونجعل اللـه كاذباً “. لأن ليس أحد نقياً من خطية.

فماذا إذاً، إن الحاجة ماسة إلى الدموع لنغسل خطايانا قائلين مرتلين مع داود النبى ” اغسلني فأبيض أكثر من الثلج “. وأيضاً ” أحم فى كل ليلة سريرى وأبل فراشى بعبراتى “.

وذلك إنما أخطأ ليلة واحدة فبكى كل ليلة، فلذلك أستوضح مغبوطاً لأن النبى سبق فأبصر بمبالغة القائل: الطوبى للذين ينوحون.

لا تشتهى شيئاً من أشياء هذا العالم الزائل، أبغض الثياب الناعمة والزينات والوشاءَ أمقت تلوينات الأصباغ، التصفف، التزين، التبختر، الأغانى الشيطانية، والمعازف، والصفارات، وتصفيقات الأيدى، والأصوات الغير مرتبة الوحشية.

أولاً تعلم يا شقى أن هذه كلها بذور الشيطان هذه كلها يعملها أمم العالم الذين لا رجاء خلاص لهم، فلا نماثلن الأمم لئلا ندان معهم.

قد سمعتم الرسول يقول: هذا أقوله واستشهد بالرب ألا تسلكوا أيضاً كما تسلك الأمم باغترار عقلهم المظلم ذهنهم.

فإذ قد تركنا أعمال الأمم فلا نعود إلى الأشياء التى وراء أى التى قد سلفت ونعملها أيضاً ؛ قد جحدت دفعة الشيطان وملائكته ووافقت المسيح بحضرة شهود كثيرين.

فانظر لمن قد وافقت وعاهدت ولا تستهون به ؛ واعرف هذا أن فى تلك الساعة كتب ملائكة أقوالك ومعاهداتك وخضوعك وخباؤها فى السموات إلى يوم الدينونة الرهيب.

فمن أجل هذا لا تخشىَ ولا تفرق إذ فى يوم الدينونة يُحضِر الملائكة كتاب الوثيقة التى عليك وكلمات فمك أمام المقام المرهب حيث يقف الملائكة مرتعدين، وحينئذ تسمع الصوت المويِّل: ” أيها العبد الخبيث من فمك أدينك بالحقيقة “.

أنك تتنهد حينئذ تنهداً مراً، وتبكى فى تلك الساعة ولن ينفعك شىءٌ ارحم نفسك ولا تبغض مهجتك.

افتح عينيك وابصر كيف أن قوماً كثيرين يجاهدون ؛ كيف يحرصون أن يخلصوا ؛ كيف يكلفون ذواتِهم فى كل عمل صالح.

كيف يحفظون ذاتَهم من الحسد، من القرف، من البغض، من الضحك، من الزنا، من التنعم، من الخصومة ؛ كيف قد احبوا الطريق الضيق صائمين ساهرين ملازمين الشقاء وباكين، كيف قد أعدوا مصابيحهم بَهية.

كيف يسبح فمهم كل حين ويمجد الختن الذى لا يموت وعيونَهم متأملة جماله ونفوسهم مبتهجة.

تأمل وانظر أنه قد قرب ولا يبطئ ؛ لأنه يجىء ليفرح الذين يُحبونه، يأتى ليعزى الذين ناحوا وبكوا لا على المائت ولا على خسران المال الوقتى بل من أجل الخطية السهل افتعالها ؛ ومن أجل الملكوت الذى لا نَهاية له.

ومن أجل نعيم الفردوس المطرب الذى أُخرجنا منه لما خالفنا وصية اللـه حيث يعود إليه أيضاً النائحون والباكون.

يجىء ليكلل الذين جاهدوا بمفترض الجهاد الذين احبوا الطريقة الضيقة الضاغطة، يأتى ليرحم الرحومين.

يجىء ليطوب الذين تمسكنوا من أجله، يأتى ليشبع الذين جاعوا من أجله وعطشوا من الخيرات، يجىء لينير مكتومات الظلمة ويظهر آراء القلوب.

ولِمَ لا أقول قولاً وجيزاً يجىء ليعطى كل أحد نظير أعماله، يجىء لا من الأرض كما جاء فى المرة الأولى لكن من السموات بقوة ومجد كثير.

حينئذ تُضرب الأبواق فتتزعزع قوات السماء، وترتعد الأرض كلها كالبحر من قِبَل مجده، ويجرى أمامه نَهر نار ينظف الأرض من المآثم.

حينئذ يصير بغتة صوت ها الختن يجئ ؛ ها السرور المنتظر يوافى، وها فخر الصديقين، شمس العدل مقبل هل ملك المتملكين وارد الذى لا انقضاء لملكه، ها القاضى العادل آتى الآن اخرجوا لاستقباله سريعاً.

وحينئذٍ يوافى الذين لهم مصابيح مضيئة وحلتهم منيرة فيسمعون صوت الختن قائلاً: ” تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم “.

فلما يصير هذا الصراخ مسموعاً من الكل يخرج إلى استقباله الذين لهم مصابيح مضيئة بَهية بدالة جزيلة مبتهجين واثقين أن مصابيحهم لا تنطفئ.

حينئذ إذا رأيت ذاتك فى غم عظيم، فى خيبة رديئة وشدة غير محتملة، وإذا عاينت مصباحك انطفأ تقول بخزى وخجل: ” يا إخوتى أقرضونى زيتاً قليلاً فقد انطفأ مصباحى “.

فيجيبونك قائلين: ” لعله لا يكفينا وإياك لكن أذهب إلى الذين يبيعون وأشترى لك “.

فتمضى بخزى وتوجع وتنهد مر باكياً فلا تجد ألبته زيتاً تشتريه لأنه قد أنحل موسم الحياة وكل حياتَهم ترتعد كالبحر.

قد انصرف الفقراء الجالسون حول أبواب الكنائس الذين يبيعون الزيت هناك، فتضيق بك الأمور من كل جهة وتتحير باكياً منتحباً قائلاً: أمضى أقرع باب المسيح لكن من يعرف إن كان يفتح لى.

فإذا جئت تقرع يجاوبك الختن من داخل: ” حقاً أقول لك لستُ أعرفك أنصرف عنى يا عامل الإثم ما رَحمت فلا تُرحم، ما سمعت صوت الفقراء ولا أنا اسمع صوتك.

كنت تسمع كتبى المقدسة وتضحك ؛ فلهذا لا اسمح لك أن تدخل، نبذت أوامر أنبيائى ورسلى ؛ فلهذا القول الذى قلته ذاك يدينك فى هذا اليوم الأخير انصرف عنى.

لم تقبل الباب الضيق ؛ خضبت بشرتك وقتلت نفسك ؛ وكيف تريد أن تدخل ههنا وتدنس مملكتى ؛ دنست بشرتك وأوعبت فمك قرفاً وسلباً وعملت مشيئات الشيطان وطرحت مشيئتى ؛ وأبغضت قريبك والآن تتضرع أن تدخل إلى حيث لم تُرسِل شيئاً حيث ليس لك شيئاً موضوع.

لا دموع، ولا بكاء، ولا صوم، ولا سهر، ولا تسبيح، ولا بتولية، ولا صبر، ولا صدقة، ولا شيئاً من هذه تقدمت وأرسلتها إلى هنا، فماذا تطلب ؟

هذا مسكن إنما يسكنه الذين تمسكنوا من أجلى، هذه المملكة للرحومين، هذا الفرح للنائحين، هذا السرور للنادمين والتائبين، هذه النياحة للصائمين والساهرين، هذه الحياة لليتامى والأرامل.

ههنا يفرح الذين جاعوا وعطشوا فرحاً مؤبداً، فأنت قد أخذت خيراتك فى حياتك أنصرف عنى إلى النار الأبدية “.

هذه تسمعها واقفاً خازياً ؛ ومطرقاً إلى أسفل ؛ وفى حين وقوفك يأتى إلى أذنك صوت الفرح والابتهاج وتعرف صوت كل واحد من رفقائك، فحينئذٍ تتنهد تنهداً مراً قائلاً:

” ويلى أنا الشقى كيف عدمت هذا المجد وتميزت عن رفقتى ؛ كنتُ معهم طول أيام حياتى والآن انفصلت عنهم، بالحقيقة أصابنى هذا عن استحقاق.

كان أولئك يمسكون عن الأغذية وغيرها وأنا كنت أبادر إلى الأغذية والأعشية، كان أولئك يرتلون وأنا صامت، كان أولئك يصلون وأنا أتنزه، كان أولئك يضعون ذاتَهم وأنا أتكبر، كان أولئك يستهونون بذاتِهم وأنا أتزين، كانوا يبكون وأنا أضحك.

فلهذا الآن أولئك يبتهجون وأنا أنتحب أولئك يسرون وأنا أبكى، يتملك أولئك مع المسيح إلى الدهور التى لا تنتهى وأنا أُرْسَّل مع معاند المسيح إلى النار الخالدة، الويل لى أنا الشقى. ما هو الذى أنا أدخل به ؟ كم خيرات قد عدمتها لكى ما أعمل مشيئة الشيطان زمناً يسيراً.

الآن علمت أن كل أحد يأخذ نظير أعماله، الآن علمت أن العالم غرر بى واعتقلنى، وها كم من خيرات عدمتها نفسى وكم شرور جلبتها على ذاتى “.

هذه ونظائرها تقولها منتحباً لكنك لا تنتفع بِها لأن هناك لا منفعة من التوبة والندامة.

فمن أجل هذا تُناشدنا وتُوصينا الكتب المقدسة كتب الرسل والأنبياء والقديسين أن الحظوظ الصالحة التى أعدها اللـه للذين أحبوه ما رأتْها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على بال إنسان.

فقد سمعت أيضاً الرب يقول: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد. وفى فصل آخر يقول أيضاً: الطوبى للمطرودين من أجلى.

ولهذا يقول الرسول: لا تنخدعوا فإن اللـه لا ينخدع، الشىء الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد فمن يزرع فى الجسد يحصد بلاءً ومن يزرع فى الروح يحصد من الروح حياة خالدة، لأن الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج.

أصغوا يا إخوتى وتذكروا المكتوب فقد قال:خرج الزارع ليزرع زرعه.

فمن هو الذى خرج وزرع ؟ هو ربنا يسوع المسيح سيد المنزل الخطير. ماذا زرع ؟ قول البشارة، وصاياه المقدسة. أين زرعها ؟ وفى أية أرض ؟ فى قلوب الناس، فى كافة أقاصى الأرض. لكن الكل لم يسمعوا الإنجيل، ولا كلهم يعملون فلاحات لكي ما وقع زرع الرب يعمل ثمراً ؛ لكنهم فى أرض بور، وذات شوك وخديعة.

يقبلون قول الإنجيل، وإذ هم متصرفون فى أمور العالم وثروته ولذاته يختنقون ولا يعطون ثمراً.

فأنتم يا أحبائى قوموا قلوبكم ومهدوها لقبول بشارة الإنجيل، ولا يخنق قلوبكم اهتمام العالم الكثير، فلنسعى من أجل الحاجة لا من أجل التنعم، ولنرضى بالقوت الكافى.

إن لازمتم التنعم والاستكثار فسيكون تعبكم كثيراً وجريكم لا يقف أصلاً وغمكم لا ينتهى وعيشكم كثير الاهتمام.

يا إخوتى إن الحاجة إلى شيء واحد كما قال الرب، وهذه الأشياء يجب أن نصنعها فى جزء من همنا من أجل اضطرار الجسد، وتلك الفضائل يجب أن نصنعها بلا فتور من أجل خلاص النفس لأن ليس شيء أعلى قدراً من النفس.

فمن أجلها يا إخوتى فلنحاضر ونَهتم ونستعد كل يوم ولا نفنِ كل زماننا فى الاهتمام بالجسد، لكن إذا جاع الجسم وطلب طعاماً فتذكر أنت أن النفس أيضاً لها حاجتها.

وكما أن الجسد إن لم يستعمل خبزاً لا يستطيع أن يعيش كذلك النفس إن لم تتغذى بالحكمة الروحانية فهى مائتة ؛ لأن الإنسان مركب من نفس وجسد.

فلذلك قال المخلص: أنه ليس بالخبز يعيش الإنسان فقط.

فأنت إذاً كقهرمان نجيب أعطِ النفس أغذية النفس وأمنح الجسد أغذية الجسد ؛ ولا تطعم جسدك وحده وتترك نفسك مقفرة مائتة بالجوع، ولا تدع نفسك تموت لكن غذيها بالأقوال، بالمزامير، بالتسابيح، بالترانيم الروحانية، بقراءَة الكتب الإلهية، بالأصوام، بالأسهار، بالعبرات، بالرجاء، والدراسة فى الخيرات المستأنفة. هذه ونظائرها هى طعام النفس وحياتَها.

أحذروا يا إخوتى أن يوجد أحدكم غير مثمر، من يزرع للجسد تمتع العالم، تنعماً ؛ الأعشية والأغذية ؛ من جسده يحصد بكاءً.

ومن يزرع للروح صلاة، وسهراً، وصوماً من الروح يحصد حياةً أبديةً.

تأملوا وأبصروا إن المتنعمين لا يمدحهم أحداً أصلاً، ولا المتنزهين، ولا الضاحكين لأن هذه تصنعها الأمم.

أما الشريعة التى لنا فهى هذه: ” مغبوطون المساكين بالروح، الطوبى للنائحين، الطوبى للرحومين، الطوبى للمطرودين، الطوبى للمعيرين، الطوبى للأنقياء القلب، الطوبى للمتمسكين بالحِمية.

الطوبى للذين حفظوا المعمودية طاهرة، الطوبى للذين يزهدون فى هذا العالم من أجل المسيح، مغبوطة أجسام البتوليين، الطوبى للذين لهم نساء وكأن ليس لهم، الطوبى للمتيقظين والمصلين.

الطوبى للذين يقدمون نظرهم للوارد ليدين الأحياء والأموات، الطوبى للذين يبكون فى صلواتَهم “.

هذه الفرائض المستقيمة هى أمانتهم الإلهية، أى كتاب يطوب الذين يصفرون، ويعزفون، أو الذين يضحكون، أو الذين يتنعمون، أو السكيرين، والمعربدين، أو الذين يرقصون، والمحبين للعالم.

هذه الأشياء التى فى العالم لم تأمرنا بِها شريعتنا، ولم تُشِر إليها ؛ هذه لم يُعَلم بِها ربنا.

لكن يويل من يستعملها قائلاً:

الويل للضاحكين الآن لأنَهم سيبكون وينوحون، الويل للشباعى لأنَهم سيجوعون، الويل لكم أيها الأغنياء.

ويقول أيضاً النبى: الويل للذين يقولون إن الردىء جيد والجيد ردىء، والجاعلين النور ظلمة والظلمة نوراً، الجاعلين الحلو مراً والمر حلواً، الويل للذين يذكون المنافق من أجل الهدايا وينتزعون حق الصديق.

الويل للذين يقومون بالغداة ويطلبون المسكر ويلبسون فيه إلى المساء فإن الخمر تحرقهم، لأنَهم بالمعازف والدفوف والصفارات يشربون النبيذ، ولا يشاهدون أعمال اللـه، ولا يتأملون صنائع يديه وهذه ونظائرها للمحبين العالم ؛ والناس الوادين للجسد لا المحبين للمسيح.

أتشاء أن تسمع أوصاف يسيرة من التى المحبين للمسيح، والسالكين فى الطريق الضيق، اسمع الرسول قائلاً: ” فى كل شيء نُظهر ذواتنا كما يليق بخدام المسيح بصبر كثير، بغموم، بشدائد، بضيقات، بجراحات، بحبوس، باضطرابات، بأتعاب، بأسهار ؛ بأصوام، وتوابعها “.

والرب يقول أيضاً: قوموا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة.

ماذا يجب أن نعمل يا إخوتى ؟ ها قد سمعتم كيف يطوب السالكين فى الطريق الضيق، وكيف يوَّيل للسائرين فى الطريق العريض الواسع المؤدي إلى الهلاك.

فلنتعب زماناً يسيراً لنملك إلى الأبد وليكن بإزاء أعيننا كل حين الوارد ليدين الأحياء والأموات ونتذكر دائماً الحياة الخالدة، والملكوت الذى لا موت فيه، والتصرف مع الملائكة، والعيشة مع المسيح.

فلنتذكر أن ليس فى العالم شىء سوى دموع، وتعييراً، ومثالب، وتوانِ، وأتعاب، وأمراض، وشيخوخة، وخطايا، وموت.

فلا تحب العالم، أحذر لئلا يطربك العالم، ويعرقلك، ويرسلك عارياً إلى ذلك الدهر، تذكر القائل: صلوا بلا فتور.

لا تسر بزهزهة العالم، ليكن المزمور كل وقت فى فمك فإن الرب نفسه يعظ به، ويعزى نفوسنا، ومهما أجترمناه وهفونا به ما دام لنا أوان التوبة فلنداوه بالعبرات.

وقت التوبة قليل وملكوت السموات لا نَهاية له، ونحن نطوب القديسين ونتوق إلى إكليلهم، ولا نشاء أن نشابه جهادهم.

هل تظنون أنَهم كُللوا بغير أتعاب وأحزان كما نشاء نحن ! أتشاء أن تسمع أى نياحة كانت للقديسين فى هذا العالم، بعضهم ضُربت أعناقهم، آخرون ذاقوا تجربة استهزاء، وسياط، وقيود، وحبوس.

رجموا، ونشروا، وماتوا بقتل السيف، طافوا بجلود غنم، وبجلود المعزى، معوزين، مغمومين، مذلين، قوم لم يستحقهم العالم، تائهين فى البرارى، والجبال، والمغائر، ومثاقب الأرض.

ها قد سمعتم جزءاً من كثير من نعم القديسين ونياحهم فى هذا العالم وكأنَهم فى سرور احتملوا جميع هذه ونظائرها إذ كانوا يقدمون نظرهم إلى الخيرات المحفوظة فى السموات التى لم تراها عين ولم تسمع بِها أذن ولم تختر على قلب إنسان التى أعدها اللـه للذين يحبونه.

إن أخذت اسم اللـه تطرد الشياطين، تحرك يدك للعمل ليرتل لسانك، ويصلى عقلك إن شئت أن تنجو من العذاب، لا تقرف أحداً قط، الويل لمن لا شريعة له لأنه إذا استضاء الكل يُظلم هو، الويل للمفترى فإن لسانه سيعقد، فكيف يعتذر لدى الحاكم لا يستطيع ذلك.

الويل للمتكبر فإن ثروته تَهرب والنار تقبله، الويل للوانى فإنه سيطلب الزمان الذى أضاعه بؤساً وإذا طلبه لا يجده، الويل لمحب الزنا فإنه قد وسخ الحلة العروسية، وسيخرج بخزى من العرس الملكى.

الويل للثلاب ومعه المستكبر فإنَهما سيرتبان مع القتلة ويعذبان مع الزناة، الويل لمن يتنعم زماناً قليلاً فإنه سَيُطلب كالخروف للذبح، الويل للمرائى فإن الراعى يجحده والذئب يخطفه.

الطوبى لمن سلك الطريقة الضيقة ؛ فإنه سيدخل إلى السماء لابس الإكليل، الطوبى لمن سيرته عالية وعقله متضع فإنه تشبه بالمسيح فسيجلس معه، مغبوط من قد صنع بالفقراء إحساناً كبيراً فإنه إذا حُوكِمَ سيجد كثيرين ينتصرون له، الطوبى لمن يكلف ذاته فى كل شىء فإن المقتسرين يخطفون ملكوت السموات.

فلنكلف ذاتنا يا أحبائى فى كل عمل صالح ؛ ولنعز ذاتنا ولنعظها ؛ لينير الواحد نفس الآخر كما أنكم تعملون ذلك فى كل وقت.

ولكن حديثنا عن الدينونة وعن اعتذارنا إن كنتم تعملون عملاً، أو كنتم تسلكون، أو على الغذاء، أو على مضاجعكم، أو فى عمل آخر اهتموا فى كل وقت من أجل الدينونة وبإتيان الحاكم العادل.

وتذكروا فى قلوبكم هذا، وليقل بعضكم لبعض. ترى كيف تلك الظلمة البرانية ؟ ترى كيف هى النار التى لا تطفأ، والدود الذى لا يرقد ؟ ترى كيف هو صرير الأسنان ؟.

” هذه فليخاطب بِها بعضكم بعضاً كل حين ليلاً ونَهاراً “.

وأين يجرى النهر النارى، وينظف الأرض من آثامها ؟ كيف تدرج السماء كالدرج ؟ وكيف تنشر النجوم كورق التينة ؟ كيف تفنى الشمس والقمر ؟ كيف تنشق السموات بأمر السيد ؟ كيف يبرز القاضى من السماء وينحدر ؟ كيف تضطرب قوات السموات وتحاضر ؟ كيف يستعد العرس الرهيب ؟ كيف يتزلزل القرار منتظراً وطئ القاضى عليه ؟

كيف تتكاثر أصوات الأبواق ؟ كيف تنفتح القبور ؟ كيف تنقض الأجداث ؟ كيف ينهض الراقدون منذ الدهر كمن يقوم من نوم ؟

كيف تتحاضر النفوس إلى الأبدان ؟ كيف يتبادر القديسون إلى الاستقبال؟ كيف يؤهل المستعدون إلى الدخول؟كيف تغلق دون المتوانيين.

هذه إذا دُرِست تفيد عادة حسنة، هذه إذا أهتم بِها ليلاً ونَهاراً تقنى أمراً نفيساً لأن من يتذكر الموت دائماً لا يخطئ كثيراً.

لا نحاضر طول حياتنا من أجل البطن، ومن أجل الملابس فهذه إنما يصنعها الأمم الذين ليس لهم أمل فى الحياة الأبدية. فلا نماثلهم بل نسمع الرب يقول: اطلبوا أولاً ملكوت السموات وبره وهذه كلها تزاد لكم.

فلنطلب يا إخوتى ذلك الملكوت الذى لا نَهاية له، ولا انقضاء ؛ فلنطلب ذلك الفرح المؤدى إلى الدهور التى لا تنتهى، لنبتهل يا أحبائى بوجع قلب، وبدموع، وتنهد، ألا نخيب من سماع ذلك الصوت المغبوط ولنمتنع من التنعم هنا لنستفيد هناك فرح الفردوس ونعيمه،

ولنبكِ هنا قليلاً لنضحك هناك، ولنجع لنشبع هناك، ولندخل من الباب الضيق والطريق الصعب لنتخطر هناك فى الطريق العريض الواسع.

وأقول أيضاً: احذروا أن يعرقلكم العالم ويلعب بكم ويرسلكم إلى ذلك الدهر عراه أشقياء فإنه قد عرقل كثيرين ولعب بكثيرين، وكثيرون أعمتهم خديعة هذا العالم فنحن يا إخوتى فلنصغ إلى ذاتنا ولنسمع الرب قائلاً: ” تعالوا ورائى “. فلنترك كل شيء ونتبعه وحده ولننبذ كل فرح هذا العالم فإنه سيخزى كل من يحبه فلنسرع نحن أن نتخذ الحياة الأبدية ومجاورة الملائكة والتصرف مع المسيح. فإن له المجد والاقتدار مع الآب والابن والروح القدس إلى أبد الدهور. آمين.

@

المقالة الخامسة

فى النسك والتعزية الكثيرة والخشوع

للمريدين أن يخلصوا

يضرنى الوجع أن أتكلم وعدم الاستحقاق ينهرنى كى أصمت والأوجاع تكلفنى أن أتكلم وخطاياى تحضنى على السكوت.

فإذ قد اكتنفت من الأمرين جميعاً فالأوفق لى أن أتكلم لكي ما أنال الراحة من أوجاع قلبى لأن نفسى توجعنى وعيناى تشتهيان الدموع فمن يعطى لرأسى ماءً ولعينى عين دموع فأبكى نَهاراً وليلاً على كلوم نفسى وعلى رخاوة الموعظة الصائرة فى أيامنا.

لأن نفسى مملوءة جراحات ولا تعلم لأن تعظمها لا يسمح لها أن تتأمل كلومها لتشفى لأن ذلك كان وحده عظة فى أيام آبائنا.

لأنَهم أشرقوا كالشمس وكالنجوم فى كافة الأرض سائرين بِها فى وسط القرطب والأشواك أى بين الهراطقة والناس المنافقين مثل جواهر كريمة ولؤلؤ جزيل ثمنه.

الذين من أجل مسكهم الجزيل وسيرتِهم الصعبة صار الأعداء أنفسهم متشبهين بِهم، لأن من كان يشاهد تواضع رأيهم ولا يتخشع، أو وداعتهم وصمتهم فلا يتحير.

أى محب للمال كان يعاين عدمهم للقنية ولا يصير مبغضاً للعالم، أى متغطرس ومستكبر كان يرى سيرتِهم الحسنة ولا ينتقل إلى التواضع.

وأى خبيث ودنس كان يبصرهم فى الصلاة واقفين ولا يظهر فى الحين عفيفاً وطاهراً، وأى سخوط أو غضوب إذا كان يخاطبهم فلا ينتقل إلى الوداعة.

ههنا جاهدوا وهناك ابتهجوا لأن اللـه يُمَجَد بِهم، والناس ابتنوا وانتفعوا، فأما العظة التى لنا فقد جعلتنا نترك الطريق المستقيم ونعشق الهوى لأن ليس أحد يترك الأموال من أجل اللـه، ولا أحد يزهد من أجل الحياة الأبدية، وليس أحداً وديعاً ومتواضعاً، ولا ساكن الأخلاق ومبتعداً من السب أو صبوراً على القذف.

بل الجماعة سخوطون ومجاوبون، والكل عاجزون وغضوبون، ومتزينون بالثياب، الكافة معجبون وللشرف محبون، والجماعة محبون ذاتَهم.

لأن الذى قد جاء ليُوعَظ فقبل أن يُعَظ يَعظ، أو قبل أن يُعَظ يُعَلِّم، وقبل أن يَتَعَلَّم يشترع فرائض، وقبل أن يتهجى في الكتب يصنع كتباً، وقبل أن يُطِيع يُرام أن يُطَاع، وقبل أن يُؤمَر يأمر، وقبل أن يُعاتَب يشترع العتاب.

إن كان شيخاً يأمر بتأمر وتعظم، وإن كان شاباً يُجَاوِب، وإن كان موسِراً للخير يطلب إكراماً، وإن كان مسكيناً يسأل عن الراحة، وإن كان صانعاً ينظف أصابعه ويصون تنضيدها.

من لا يبكى يا أحبائى على التعليم الذى لنا لأننا قد زهدنا فى العالم ونعقل المعقولات الأرضية، الفلاحون قد زهدوا فى الأرض والمظنون أنَهم روحانيون قد ارتبطوا بِها، لا نعرف يا إخوتى إلى أين قد دعينا، وإلى أى أمر جئنا.

دعينا إلى المسك والحمية ونشتهى الأطعمة الطيبة، وجئنا إلى العرى ونخاصم من أجل ثياب ناعمة، دعينا إلى الطاعة والوداعة ونجاوب متنمرين، نقرأ ولا نعرف، ونسمع ولا نعقل القول الذى فى ذاتنا.

إن صادف إنسان فى الطريق بغتة قتيلاً تستحيل نضارة وجهه، ويجزع قلبه، ونحن نقرأ أخبار الرسل المقتولين والأنبياء المرجومين ونظنها قيلت عبثاً.

ولم أقول عن الأنبياء والرسل فقط بل نسمع عن الإله الكلمة نفسه عُلِقَ على خشبة من أجل خطايانا وقُتِلَ ونحن نضحك ونتنزه، الشمس لم تحتمل شتيمة السيد فنقلت بَهاءها إلى الظلمة، ونحن لا نشاء أن ننتقل من ظلمة رذيلتنا.

فلنطهر ذاتنا يا أحبائى ليسكن الإله فينا وننال مواعيده، ولا نشتم اسمه القدوس الذى دعى علينا، ولا يجَدف من أجلنا على اسم إلهنا، فلنشفق على ذاتنا متفهمين أن اسمنا قد أتفق مع اسم المسيح، لأنه هو المسيح ونحن ندعى مسيحيين.

الروح هو الإله ونحن صرنا روحانيين، لأنه حيث روح الرب فهناك الحرية، فلنحرص أن ننال هذه الحرية، ولنخطر بذهننا لأية سيرة قد أُهلنا عالمين أنه إلى عرشه دعانا فلنحب ذاتنا ولو مثل ما أحبنا هو، ولنشتاق إليه ليشرفنا.

اصغوا إلى ذاتكم لئلا نطالب بطائلة مضاعفة يوم الدينونة. قد انفصلنا من العالم ونعقل معقولات العالم، استحقرنا الأموال ونَهتم من أجلها، هربنا من الأشياء البشرية ونحن نطلبها، ونخشى من أن يدهمنا بغتة ذلك اليوم ونوجد عراه وأشقياء وغير مستعدين فتندم أنفسنا.

لأن هذا الأمر نفسه أصاب الذين كانوا على عهد نوح، وفى أيامه كانوا يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون، يبيعون ويبتاعون إلى أن جاء الطوفان فأهلك الكل.

إن الأمر يا إخوتى عجيبٌ جداً أنَهم كانوا يعاينون الحيوانات البرية ملتئمة كانت تتقاطر جمعاً واحداً، الفيلة كانت تتقاطر من بلاد الهند وفارس ؛ والأسد والنمور تجتمع مع الغنم والمعزى ولا تآزى.

والدواب والطيور تتوافى من غير أحد يسيرها وتحل حول السفينة بحرص وهذه كانت فى أيام طويلة ونوح نفسه كان يعمل السفينة بحرص، ويهتف إليهم توبوا فلم يرتدعوا.

وكانوا يشاهدون متعجبين من اجتماع البهائم والحيوانات البرية، فلم يتخشعوا ليخلصوا.

فلنرهبن يا أحبائى لئلا يصيبنا نظير هذه لأن المكتومات قد كملت والعلامات المقولة لها انقضت، وما تبقى شيء آخر سوى أمور عدونا معاند المسيح لأنه كما في مملكة الروم يجب أن تكمل الأشياء كلها.

فمن يشاء أن يخلص فليحرص أن يريد أن يدخل إلى الملك، فلا يتوانى من يشاء أن ينجى من نار جهنم فليجاهد فرط الجهاد، ومن يريد ألا يطرح فى الدود الذى لا يرقد فليتيقظ مستفيقاً، ومن يريد أن يستعلى فليتواضع، ومن يشاء أن يتعزى فلينح.

ومن يحب أن يدخل الخدر ويبتهج فليأخذ مصباحاً بَهياً وزيتاً فى وعائه، ومن ينتظر أن يتكئ فى ذلك العرس فليقتنِ حلة منيرة. فإن مدينة الملك هى مملوءة سروراً وابتهاجاً، موعبة نوراً وحلاوة نابعة لذة وحياة أبدية للساكنين فيها.

فمن يحب أن يساكن الملك، ويستوطن مدينته فليسرع لأن النهار قد مال ولا يعلم أحد ماذا يلتقى فى الطريق، لأنه مثل مسافر يعرف بُعد مسافة الطريق فأضجع ونام إلى قرب المساء ثم أنتبه وأبصر النهار قد مال.

فلما أبتدأ بالمشى تدارجته بغتة الغيوم والبرد والرعود والبرق محتفة بالهواء فاشتمله الغيوم من كل جهة، وتضايقت حياته لأنه لا يستطيع الوصول إلى المنزل ولا يستطيع أن يعود إلى موضعه.

هكذا يصيبنا نحن إن توانينا واضطجعنا فى أوان التوبة لأننا نحن سكان وراحلون، فلنحرص أن ندخل إلى مدينتنا وموطننا بعزاء.

نحن يا إخوتي تجار روحانيون طالبوا الجوهرة الجزيلة قيمتها التى هي المسيح مخلصنا، الفخر والكنز الذي لا يُسلب فلهذا فلنقتنه بحرص كثير فمغبوط ومثلث السعادة من قد حرص أن يقتنيه، شقي من توانى أن يقتنى صانع الكل.

أو لا تعلمون يا إخوتي أننا أغصان الكرمة الحقيقية التي هي المسيح. فأحذروا إذاً أن يوجد أحد غير مثمر، فإن أب الحق هو الفلاح الذى يعمل هذه الكرمة، والذين يعطون ثمراً يطهرهم ليأتوا بثمر ؛ والذين لا يأتون بثمر يقطعهم ويرميهم خارج الكرم ليحرقوا بالنار.

فتأملوا ذاتكم حذرين أن توجدوا غير مثمرين فتقطعوا، وتلقون فى النار ؛ فكذلك نحن بذار جيد زرعه المسيح سيد المنزل صانع السماء والأرض، وأوان الحصاد قد حان والحصادون بأيديهم المناجل منتظرين إشارة السيد، فاحظروا أن يوجد أحدكم زواناً فيُشد حزمناً ويحرق بالنار الدهرية.

ألا تتفهمون يا إخوتى أننا مزمعون أن نعبر لجة مرهبة.

فالذين هم تجار حاذقون وحكماء مستعدون، وتجارتِهم بأيديهم منتظرون هبوب الرياح ليسيروا ويبلغوا إلى ميناء الحياة، وأنا ومن يشابِهنى نتنزه بلا كسب ولا فائدة.

ليس لنا شيء موضوع فى ذهننا لنعبر به هذا البحر ونخشى أن تَهب الرياح بغتة، ونوجد غير مستعدين فيقيدونا ويرمونا من المركب، وسنبكى هناك على ونيتنا ناظرين إلى آخرين مبتهجين مسرورين ونحن فى وجع وحزن لأنه فى تلك الميناء يفتخر كل أحد بتجارته وثروته.

فأخشى يا أحبائى أن تخرجنا آلام الجسد خارج الحذر إذ نحن من خارج لابسين زياً لأن الذى من خارج يعرف أين هو قلبنا وعقلنا.

التزين وتنظيف الثياب يوضحان أننا مجردون من ذلك المجد مفتكرون فى الأشياء الأرضية، وأثرة التشرف تدل أننا معجبون، والتلذذ بالأطعمة يدل أننا شرهون البطن، والونية توضح أننا عاجزون.

ومحبة الاقتناء توضح أننا لا نشتاق إلى المسيح، والحسد يخبر أننا ليس لنا محبة فى ذاتنا، وغسل أرجلنا ووجوهنا يدل على أننا عبيد الآلام، لأن القلب يشتاق إلى شيء والأشياء التى يودها القلب يتلوها اللسان، وشفاهنا تستوضح مكتومات قلبنا.

متى أنفتح الفم ولا باب له ولا حراسة يخرج كلامنا بلا تحفظ، وبأقوالنا نسلب متاع قلبنا لأن فماً لا يحفظ أسرار القلب يسترق أفكاره والرؤيات التى يظن أنَها باطنة تشتهر بالفم، والنتائج التى يظن أنَها لا ترى تبصر، التلذذ بالمثالب يوضح أننا موعوبون بغضاً.

فلا ينخدعن أحد بالورع الظاهر فإنه يخدع ذاته وأخاه، من يظن أنه يخدع بالورع الظاهر فتصرفه يظهر كذب ورعه.

إن شئت أن تعرف أفكار القلب فتقدم إلى الفم ؛ ومنه تعرف بأى شيء تَهتم ؟ وعلى ماذا تحرص ؟ أعلى الأشياء الأرضية أو على المناقب السماوية. على الأمور الروحية أو على الأشياء البشرية.

من أجل اللذة اهتمامك أو من أجل الحمية، بِهجر القنية تَهتم أو باستكثارها، بالتواضع أو باستعلاء الرأى، بالمحبة أو بالبغضة، لأن من كنز القلب يخرج الفم اهتماماته، وهذيذ اللسان يوضح إلى ماذا يشتاق إلى المسيح أو إلى أمور العالم الحاضر.

والنفس التى لا ترى تبصر بأفعال الجسد ما هى إن كانت صالحة أو خبيثة لأنَها صالحة بطبيعتها وتنتقل إلى الشر بالنية المتسلطة على ذاتِها لكن لعل أحداً يقول إن الآلام الطبيعية والذين يعملونَها لا جناح عليهم.

أصغ إلى ذاتك ولا تنسب حسن اختراع الإله الصالح إلى زلة الجنوح فإنه قد صنع البرايا كلها حسنة جداً وزين الطبيعة بسائر الصالحات، فمن يجع إذاً لا يذنب إن أكل بمقدار لأن الجوع طبيعي، وإذا عطش إنسان كذلك وشرب قدر كفافه فلا يخطئ لأن العطش طبيعي.

إذا نام أحد فلا يخطئ إن لم ينم بلا مقدار ويرخي ذاته ويدفعها إلى النوم ؛ حقاً أن النوم الذي لا مقدار له عادته تغلب الطبيعة لأن العادة والطبيعة هما كارزان بحظوظ كل واحد منهما بل فالطبيعة توضح العبودية، والعادة تشهر النية لأن منهما كلهما تتضح كيفية الإنسان.

فالنية هي مسلطة على ذاتِها فهي مثل فلاح تطعَّم في ذاتِها عادات رديئة وصالحة كما تشاء.

أما العادات الرديئة فتطعمها هكذا تطّعم في الجوع نَهم البطن، وفي العطش كثرة الشرب وفى النوم الرخاوة وفى النظر الرؤية الرديئة وفى الحق الكذب.

وكذلك تطعم الفضائل الصالحة هكذا فى الإغتذاء المسك، وفى العطش الصبر، وفي النوم السهر، وفى الكذب الحق، وفي النظر التعفف، وفى التأمل لحظة عين، فهي مثل فلاح تقتلع العادات الرديئة وتطعم الفضائل الصالحة فتغلب الطبيعة.

فأرض عملنا هي الطبيعة، والفلاح هي النية ؛ والكتب الإلهية هم المشيرون، والمعلمون يعلِّمون فلاحنا أية عادات تقلع وأية فضائل صالحة تُنصب ؛ فما دام فلاحنا مستفيقاً وحريصاً من قبل تعليم الكتب الإلهية فهو قوي لأنَها تعطيه ” الكتب الإلهية ” من غصونِها فهماً وقوة فضائل صالحة ليطَّعم في شجرة الطبيعة.

الأمانة فى عدم الأمانة، ورجاء فى عدم الرجاء،ومحبة في البغض، ومعرفة فى عدم المعرفة، وحرصاً فى التواني ومجداً ومديحاً في عدم الشرف، وعدم موت في الأمانة، ولاهوتاً فى الناسوت.

فإن شاء وقتاً ما فلاحنا بتعظمه أن يترك المعلم والمشير عليه أعني الكتب الإلهية، يوجد تائهاً ويصادف نتائج خبيثة جامعاً عادات لا نفع فيها ويطعم فى الطبيعة التطعيمات التى خارج الطبيعة.

أعني عدم الأمانة، وجهالة ؛ وبغضاً ؛ وحسداً ؛ وكبرياء، وسبح باطل ؛ وأثرة الشرف ؛ ونَهم البطن ؛ وخصومة ؛ ومجاوبة ؛ وأشياء أخرى أكثر من هذا لأنه لما تَرك المشرع تُرك منه.

فإن تندم وعرف ذاته وسجد للمشترع الشريعة قائلاً: قد أخطأت إذ تركتك. يقبله المشترع السنة فى الحين بتعطفه على الناس ويمنحه فقهاً واقتداراً صالحاً ليعمل أيضاً أرض فلاحته وطبيعته، ويقتلع منها العادات الرديئة وينصب عوضها الفضائل الصالحة.

بل ويمنحه أكلَّة ويعطيه جوائز ومدائح هكذا كما قلت ؛ أنه يجوع بالغريزة فيحتمي ويصبر ؛ ويعطش لكنه يصبر ؛ يشتهي لكنه يغيف ؛ يثقل بالنوم أو يشتمله عجز فى تمجيد السيد، لكنه إذا سهر يكلف نفسه في تسبيح اللـه. وكذلك يكلل إذا غلب الطبيعة وأقتني الفضائل.

فالمجد إذاً لتعطفه والشكر لصلاحه، والسجود لتحننه، أي رب رؤوف هكذا، أي أب رحوم هكذا، أي أب هكذا يحب مثل سيدنا الذي أحبنا نحن عبيده، ويهب لنا كل شيء ويدبر أمورنا، ويشفي جراحات نفوسنا بكثرة صنوف الأدوية ؛ ويتمهل علينا إذا خالفناه.

ويشاء أن يخلصنا كلنا، ويشاء أن يصيرنا وارثين ملكه، ويريد أن تُمدح خيريته إذا شفت الأمراض السهلة الشفاء والحقيرة، لأن الأسقام الثقيلة والصعب شفائها هو يشفيها !

فيشفى جراحات العاجز بنفخة فمه لدراسته بتمجيده، ويصفح عن خطايا الخاطئ باستنهاضه إياه إلى النشاط، ويسمع من السقيم سريعاً لئلا تصغر نفسه، ويمنح الطويلة أناتَهم والقارعين أبوابه دائماً الموهبتين كلتيهما أي الشفاء والثواب.

لأنه يقدر أن يشفي جراحات نفوسنا كلها وينقلها غصباً إلى الحرية لكنه لا يشاء لئلا تعدم نيتنا المدائح التي منه، ونتوانى أن نستغيث به لمعونتنا ونصرتنا، فلمحبته إيانا ورأفته بنا قد اقتادنا وأنار أعين ذهننا منحنا المعرفة وأذاقنا محبته لنطلبه بلا تقصير.

الطوبى لمن ذاق محبته وأعد ذاته أن يمتلئ منها دائماً فإنه إذا امتلأ من مثل هذه المحبة لا يقبل فى ذاته محبة أخري، يا أحبائي من لا يحب مثل هذا السيد من لا يسجد ويشكر لصلاحه.

أي اعتذار لنا في يوم الدينونة إن توانينا ؟ أم ماذا نقول له ؟ أنقول ما سمعنا وما عرفنا ! أو ما عملنا ! ماذا ينبغي أن يعمله ولم يعمله بنا ؟

ألم ينحدر إلينا من العلو الذى لا يُقَدَر ! وألم ينزل من حضن الآب المبارك ! أما شوهد الغير المرئي منا، وإذ هو غير مائت ألم يتجسد من أجلنا أو ما لطم ليعتقنا.

يا للعجب الموعب خوفاً ورعباً أن يداً طبيعية خُلقت من طين الأرض لطمت خالق السماء والأرض، ونحن الأشقياء والأدنياء ترابيون ومائتون ورماد ولم نحتمل كلمة بعضنا من بعض.

هو غير مائت ؛ ألم يمت من أجلنا ليحينا، أو لم يُدفن لينهضنا معه، فكَنا من رباطات العدو وربطه، وأعطانا سلطاناً أن ندوسه، متى استغثنا به ولم يجيبنا، أو قرعنا بابه ولم يفتح لنا وإن تباطأ وقتاً ما أليس ذلك ليُكثر ثوابنا.

أيها الحبيب لِمَ زهدت فى العالم ؛ ألكي تطلب نياحة جسدانية، وبدل العرى أتبتغى حلة، وعوض العطش أتبتغى شرب الخمر.

دعيت إلى المحاربة ؛ وتروم أن تتقابل مع أعدائك بدون أسلحة، عوض السهر تنحدر إلى النوم، وعوض البكاء والنحيب تبذل ذاتك للضحك، وبدل المحبة تحوي بغضاً لصاحبك.

جئت إلى الطاعة وأنت تجاوب، جئت لترث مُلكاً وأنت تعقل المعقولات الأرضية، وعوض التواضع والوداعة تشتمل بالتعظم والتكبر.

ماذا تقول له فى ذلك اليوم ؟ أتقول أننى تواضعت من أجلك ! وتمسكنت وتعريت، وجعت وعطشت من أجل محبتك من كل نفسي، وأحببت قريبي كنفسي.

لا تستهجل أن أقوالك وأفكارك ليست غير مكتومة، وضميرك هو الناظر إياك، إن كذبت لا تجهل أنه لا يوبخك، أو لا تعلم أن البرية كلها تقف أمام مجلسه بخوف ورعب شديد وتحوط به ألوف ألوف وربوات ملائكة رؤساء ملائكة ؟

وإن كنت تفتكر أن تكذب وتقول قد احتملت من أجلك مثل جسامة هذه الأشياء، أحذر أن تبدى طائلة كبيرة عن أعمالك الخبيثة وعن كذبك فق من نومك وعد إلى ذاتك، أجمع أفكارك وأنظر أن النهار قد مال.

أفهم هذا المعنى أيها الأخ، إن إخوتنا الذين كانوا معنا بالأمس يكلمونا ليسوا معنا اليوم لأنَهم دعوا إلى ربِهم وربنا ليريه كل واحد منهم تجارته.

ها أنتم قد عرفتم أمور أمس الماضي وأمور اليوم، كيف مضي أمس كزهرة صباحية واليوم هو كفى مسائي، فتأمل أمتعة تجارتك إن كانت قد نَمت فائدتِها من أجل اللـه، لأن أيامنا تجوز مثل مشي ساعي.

الطوبى لمن يتجر وينمي بضاعته يوماً فيوماً، ويجمع فوائد الحياة الدائمة. لِمَ تتوانى أيها الحبيب، لِمَ تضجع وقد سكرت بالضجر كسكرك من النبيذ، ماذا تميز فى ذاتك إنك تجعل لك منزلاً فى هذا الدهر.

لأنه مثل أثنين مسافرين أتفق أحدهما مع الآخر فى الطريق، وكل واحد منهما ذاهب إلى منزله فلما أدركهما كلهما المساء نزلا فى الفندق الذى بلغا إليه، ولما صارت الغداة فارق أحدهما الآخر، وكل واحد منهما يعرف ما له في منزله إما غنى وإما فقيراً، إما نياحة إما حزناً.

هكذا نحن فى هذا العالم فإن هذا العمر يضاهي مسكناً ومنه نفترق ذاهبين إلى موضعنا عالمين ما لنا أمامنا لأن كل واحد منا لا يجهل ما تقدم فأنفذ إلى السماء.

كما أقول إن كان أرسل صلاة بدموع، أو سهراً نقياً، أو ترتيلاً، أو تخشعاً، أو مَسْكَاً بتواضع الرأي، أو زهداً فى الأمور الأرضية أو محبة بلا رياء تتوقان إلى المسيح.

إن كنت سبقت فأرسلت هذه فثق إنك ستمضي إلى نياحة وراحة، وإن كنت ما أرسلت ولا واحدة من هذه فَلِمَ تغيظ قريبك في مسكن الاغتراب لأنك غداً تفارقه، لِمَ تتكبر، لِمَ تتعظم، لِمَ تحزن.

أتريد أن تحمل المسكن معك، لِمَ تَهتم من أجل ثياب وملابس وطعام فالمعطي البهائم غذائها ألا يغذيك أنت الذي تمجده.

يا من ترجوا أن تصير وارثاً أتَهتم بثياب وملابس، يا من قد أمت ذاتك من العالم أتعقل المعقولات الأرضية، لِمَ تغيظ الطبيب بأنك تريد أن تبرأ وفي زمان مداواتك تخفي جراحاتك ؛ وتدعى على الطبيب أنه ما أبرئك.

قد أُعطيت وقتاً للتوبة، وأنت تتواني فى التوبة. فماذا تدعى على المشترع السنة أإنه أجتلب الموت لما تَهاونت ؛ أتراك تقول للموت دعني أتوب.

فق أيها الحبيب متيقظاً فإن تلك الساعة كالفخ تأتي إليك وحينئذ يشتمل ذهنك ذهول، وتقول: كيف جازت أوقاتي ؟ وكيف عبرت أيامي فى حال تنزهى فى الأفكار الغير واجبة ؟

وما المنفعة أن تفتكر بِهذه وقت الموت، ولا يسمح لك أن تعود إلى هذا الدهر منذ الآن ضع عقلك فى المقولات وليدخل فى مسامعك أقوال الرب، إن كنت تصدقه لأنه هو قال إنك تعطي فى ذلك اليوم جواباً عن كل كلمة بطالة.

يخزينا هذا الفصل إن كان ذهننا مستفيقاً ؛ فالذي يتفهم المكتومات ولا يسمع المقولات فهو يضاهي كوز مياه يقبل الماء ولا يحس إنه يجوز فيه.

ترى من لا يبكى، ومن لا يرى، ومن لا يحزن، ومن لا ينذهل، إن سيد الدنيا كلها يهتف بذاته، وبعبيده الرسل والأنبياء، ويكرز صارخاً وليس من يسمع.

وما هي الأشياء التي أشار إليها ؟ العرس معد قال والمسمنات قد ذبحت والختن جالس بعظم جلاله ومجده فى الحجلة يستقبل المقبلين إليه بفرح.

الباب قد فتح، الخدام متسارعون، فأعدوا قبل أن يُغلق الباب لئلا تبقوا خارجاً ولن يوجد من يدخلكم، ومع ذلك لا يحترس أحد بل يضجع ويهتم بِهذا الدهر، فالكتب الإلهية نكتبها خطاً مستوياً إلا أننا لا نشاء أن نكمل الأوامر التى فيها.

ترى من هو الذى يسافر بلا زاد في طريق بعيده كما نشاء نحن أن نترك زادنا ههنا ولا نأخذ معنا شيئاً للسفر، فمغبوط من يسافر للرب بدالة حاملاً زاده بلا احتياج إلى غيره.

فها العشر عواتق نائمات والعبيد يتجرون وينتظرون سيدهم عالمين أنه قد أخذ الملك وهو آتي باقتدار ومجد جزيل فيكلل عبيده الذين تاجروا حسناً بالفضة التي قبضوها منه، ويقتل أعدائه الذين لم يريدوا أن يملك عليهم.

أنه في النوم الذي يشتمل طبيعة الناس في نصف الليل يصير من السماء بغتة دوي عظيم ورعود مرهبة، وبروق مفزعه مع زلزلة.

يذهل بغتة الراقدون، ويتذكر كل أحد أعماله التي عملها إن كانت صالحة أو طالحة.

ويقرعون صدورهم صائحين على مضاجعهم لأنَهم ليس لهم موضع يهربون إليه أو يختفون فيه، أو يندمون على ما عملوا، لأن الأرض تتزلزل، والرعود ترعب والبروق تُذهل، وظلمة عميقة تطوف بِهم.

هكذا تكون تلك الساعة تزعج الأرض كلها كبرق حاد مدلهم لأن الصور يبوق بخوف من السماء وينهض الراقدون وينتبه الهاجعون منذ الدهر لأن هذه السماوات مع كافة قوتِها تضطرب والأرض تتموج كلها كالبحر مرتعدة من اتجاه مجده.

لأن ناراً مرهبة تتقدم سعيرها أمامه تنظف الأرض من الآثام التي دنستها ويفتح الجحيم أبوابه الدهرية، ويبطل الموت وتراب الطبيعة البشرية المتماسي إذا سمع صوت البوق يعيش ويحيا لأنه بالحقيقة يكون ذلك عجباً.

يرى مستعجباً كيف بطرفة عين،كما أن السمك الكثير الذى يذهب ويجىء ويتقلب فى البحر، هكذا كثرة عظام الطبيعة البشرية التي لا تحصى ينزع كل واحد منها طالباً مفصله، وإذا نهضت تحاضر كلها وتقول:

المجد لمن جمعنا واستنهضنا بتعطفه على الناس. وحينئذ يبتهج الصديقون ويُسر الأبرار، والنساك الكاملون يتعزون من تعب نسكهم، والشهداء والرسل والأنبياء يكللون.

الطوبى لمن أستحق أن يرى تلك الساعة كيف بمجد يخطف فى السحب لاستقبال الختن الذى لا يموت ؛ وكافة الذين أحبوه وحرصوا أن يتمموا مشيئته،كما قد عظم كل واحد جناحه ههنا هكذا يطير إلى شواهق الأعالي، بمقدار ما نظف كل واحد ذهنه وصفاه هكذا يبصر مجد اللـه.

وبقدر ما أشتاق الإنسان إليه هكذا يتملى شبعاً من محبته، ويتعجب في تلك الساعة آدم الأول إذا أبصر العظائم والمرهوبات.

كيف قد حضر منه ومن قرينته ما لا يحصى من كثرة الأجناس، وإذا تكاثر تعجبه لكونه من طبيعة واحدة وخليقة واحدة صاروا فى الفردوس وفي الجحيم متواترين بمجد الإله الخالق، والمجد للحكيم وحدة.

يا أحبائي لقد تذكرت تلك الساعة وارتعدت، وتأملت تلك الدينونة المفزعة فانذهلت، وذلك السرور الذي في الفردوس فتنهدت وبكيت حتى لم يبقى فيَّ قوة لأبكي أيضاً، لأن أيامي عبرت في التواني والتنزه. وفي الأفكار النجسة أكملت سنين حياتي.

كيف سرقت ولم أعلم ؟ وكيف عَبَرت ولم أحس ؟ فأيامي فنيت وآثامي تكاثرت، ويلي ويلي يا أحبائي ماذا اصنع بخزي تلك الساعة إذا طاف حولي الذين يعرفوني، والذين لما أبصروني فى هذا الزي طوبوني وأنا من داخل مملوء إثماً ونجاسة، متناسي الرب فاحص القلوب والكلى.

بالحقيقة أن هناك الخزي والافتضاح، والشقي هو الذي يخزى هناك. أيها الصالح العطوف أستحلفك برأفتك آلا توقفني على اليسار مع الجداء التي أغاظتك، ولا تقل لي لستُ أعرفك، بل أعطيني بحنانك بكاءً دائماً وتخشعاً، وأعطي قلبي تواضعاً وطهره ليصير هيكلاً لنعمتك المقدسة لأننى وإن كنت خاطئاً ومنافقاً لكنني قارعاً بابك بمداومة، وإن كنت عاجزاً ووانياً لكنني في طرقك سالكاً .

يا إخوتي الأحباء أتضرع إلى ألفتكم أن تجزموا على أن ترضوا اللـه ما دام موجوداً، أبكوا قدامه نَهاراً وليلاً في صلواتكم وترنيمكم لينقذكم من ذلك البكاء الذي لا ينقضي، ومن تقعقع الأسنان، ومن نار جهنم، ومن الدود الذي لا يرقد، ويفرحكم في مملكته في الحياة الخالدة حيث يهرب الوجع والحزن والتنهد.

حيث لا يحتاج أحد دموعاً ولا توبة حيث لا مخافة ولا رعدة، حيث لا فرق ولا تفاضل، حيث لا يوجد المحارب والمعاند، حيث لا خصومة ولا سخط، حيث لا بغض ومعاداة.

ولكن ذلك كله مملوء فرحاً وسروراً وابتهاجاً ومائدة مملوءة أطعمة روحانية أعدها اللـه للذين يحبونه، فمغبوط من يؤهل لها، وشقي من يعدمها.

فأطلب إليكم يا أحبائي أن تسكبوا علىَّ تحننكم، وتشفعوا عني ساجدين لابن اللـه الوحيد الصالح العطوف ليصنع معي رحمة وينجيني من غزارة مآثمي ويسكنني حول مساكنكم في ساحات الفردوس المبارك الوارثين إياه حتى أصير جاركم.

لأنكم أنتم الأولاد المحبوبون وأنا كالكلب المرفوض، انفضوا لي فتات موائدكم فيتم علىَّ الفصل المكتوب: ” والكلاب تشبع من فتات المائدة المتساقط “.

نعم يا أحبائي اسكبوا علىَّ صلواتكم، وهلموا أن نحرص من أجل حياتنا فإن الأشياء كلها تعبر كعبور الظل، ولنبغض العالم والأشياء التى فى العالم والاهتمام البشري، ولا نتخذ هماً آخر سوى الاهتمام بخلاصنا كما قال ربنا:

” ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟ أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه “.

أيها الإخوة نحن تجار روحانيون فلنتشبه بالتجار العالميين، فالتاجر يحسب كل يوم ربحه وخسارته، فإن خسر يحرص ويهتم كيف تُرد خسارته.

كذلك أنت أيها الحبيب في كل صباح ومساء وغدوه تأمل بمبالغة كيف تتجر تجارتك، وفي كل عشية أدخل إلى قلبك، وتفكر وقل في ذاتك أتراني أغضبت اللـه في شيء ؛ أو تكلمت كلمة بطالة أو جدفت.

أتراني أغضبت أخي، أو اغتبت أحداً ؛ أتراني تخيل ذهني الأمور التي في العالم، أم ترى جاءت إلىَّ شهوة بشرية فقبلتها بتلذذ وانغلبت للهموم الأرضية أم خسرت في هذه الدنيا.

فأحرص أن تترك هذه التأملات تَهذأ بك لئلا تخسر فى هذه، وإذا صار الصباح أدرس في هذا وقل ترى كيف عبرت هذه الليلة أربحت فيها تجارتي أترى سهر عقلي مع جسمي، أدمعت عيناي دموعاً في إحناء ركبتي، أو جاءت إليَّ أفكار خبيثة ودرستها بتلذذ.

فإن إنغلبت في هذه فأحرص أن تشفيها، وأقم حافظاً في قلبك لئلا تصاب بِهذه نفسها.

إن اهتممت هكذا فستسلم تجارتك وتصير مرضياً للـه، ولنفسك نافعاً. اصغ إلى ذاتك وأحذر أن تدفع ذاتك إلى الونية والرقاد فإن ابتداء الهلاك تمرد النية.

تأمل النحلة وابصر سرها العجيب كيف تجمع صناعتها من أزهار الأرض المشتتة أنواعها وتأمل ذميم قدرها فإنه لو اجتمع كافة حكماء الأرض وفلاسفة المسكونة لما قدروا أن يلخصوا ويصفوا حكمتها.

إن كيف تبني من الأزهار القبور وتدفن فيها أولادها وإذا أحيتها تأمرها بعد ذلك مثل أمر رئيس القواد وتسمع كلها صوتِها وتتطاير فإذا تطايرت تعمل وتملأ تلك القبور أطعمة حلاوتِها حتى أن كل فقيه يشاهد أتعابَها يمجد الإله الباري منذهلاً قائلاً: يا لحكمة وهبت لطائر ذميم.

كذلك أنت يا حبيبي صر مثل تلك وأجمع من الكتب الإلهية غنى وكنزاً لا يسلب إلى السماوات ؛ لأن رؤساء الأرض إذا أراد أحدهم أن يسافر إلى بلدة بعيدة يرسل قدامه غلمانه مع ثروته لكي يوافي إلى راحة معدة فيرتاح.

كذلك أنت أيها الحبيب أرسل غناءك إلى السماء لتُقبل في مساكن القديسين، ولا تتوانى في هذا الزمان القصير لئلا تندم إلى الدهور التي لا انقضاء لها.

ألم تسمع الرب يقول: سيكون لكم في العالم حزن.

وقال أيضاً: بصبركم تملكون أنفسكم.

فإن كنت أنت برخاوتك وونيتك تشتاق أن تَهرب من حزن هذا الدهر ومن الصبر وتحب اللذة البشرية فَلِمَ تسلب نير المسيح الصالح النفيس من أجل رخاوتك وتَهجوا بأنه صعبٌ وثقيلٌ، ولا يمكن أن يُحمل، وتعطي ذاتك للهلاك.

من ذا يرحمك وأنت تقتل نفسك، ومن يترأف عليك، لأنك قد أخذت أسلحة المسيح التي تحتاج أن تحارب بِها العدو فأنفذت السيف في قلبك، فإن كنت تتباهى بِهذه الحياة فرجاؤك باطل، وانتظارك فارغ.

ماذا يصلي فمك إلى اللـه ؟ وما هي الوسيلة التي تطلبها منه ؟ أَنياحة هذا الدهر، أو الحياة التي لا تفنى ولا تشيخ.

إن طلبت هذه الأشياء الوقتية والغير ثابتة فإن السارق والزاني أفضل منك ؛ لأنَهما يصليان ليخلصا ويطوباك لأنك سائر بِهذه السيرة بكذب، وأنت قلت أحببت النور وأبغضت الظلمة وتركت ملكوت السماوات وتَهتم بالأمور الأرضية.

أحسبت يا شقي أن الإله الصالح المتعطف ينكر تعبك، وهو الذى منحك قوة ونعمة وخشوع قلبك وهو يعطيك ثوابك، والأشياء كلها منه وأنت تتعظم، وهو يطالب بأجرة الأجير من الذين ينكرونَها عليه.

أفينكر أجرة دموعك، وخشوعك ! حاشا لأن الذي قال: اطلبوا تجدوا ؛ اقرعوا يفتح لكم. أيصير كاذباً حاشا، أذهب يا شقي مَنْ الذي حسدك، مَنْ الذي مكر عليك. أليس هو المعاند المبغض الخبيث الذي يحرص ألا يجعل أحداً يبلغ إلى السماوات.

فمنذ الآن عد إلى ذاتك، ولا تمقت نفسك، أفتح عيني ذهنك وأبصر الذين معك كيف يجاهدون، كيف يحرصون وهم ماسكون مصابيحهم، وفمهم يسبح ويمجد الختن الذي لا يموت، وأعينهم تتأمل جماله، وأنفسهم نضرة بَهجة.

تأمل أنه قد قرب ولا يبطئ، لأنه سيجىء ويفرح الذين ينتظرونه، سيصير بغتة صوت ها هو الختن آتٍ فيجئ الذين معك بفرح ومصابيحهم معهم مضيئة، وحللهم منيرة فإذا سمعوا صوته القائل:

” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم “.

فبعد أن يصير الصوت تقول لهم: يا إخوتي هبوا لي زيتاً قليلاً لأن مصباحي ها هو ينطفئ.

فتسمع منهم لعله لا يكفي لنا ولك، أمضي إلى الباعة وأشتري، فتمضي متندماً ومغموماً ولا تجد ألبته زيتاً لتبتاعه، لأن الأرض كلها ترتعد كما يتموج ماء البحر من تجاه مجده.

فتقول حينئذ منتحباً أمضي وأقرع ومن يعلم إن كان يفتح لي، فإذا مضيت لتقرع لا تجد أحداً يجاوبك.

فتلبث تقرع أيضاً، فيجاوبك من داخل قائلاً: حقاً أقول لك أنني لست أعرفك من أنت أنصرف عني يا عامل الإثم.

وفي حال وقوفك هناك يأتي إلى أذنك صوت السرور والابتهاج، وتعرف صوت كل واحد من رفقائك، فتتنهد وتقول: ويلي ويلي أنا الشقي كيف عدمت هذا المجد الذي لإخوتي واُنتزعت من رفقتي الذين كنت طول زمان حياتي معهم والآن ميزت منهم.

أصابني هذا بواجب لأن أولئك كانوا يمسكون ويحتمون، وأنا كنت أجدف ؛ أولئك كانوا يرتلون، وأنا كنت أتفرج صامتاً ؛ أولئك كانوا يحرصون في إحناء الركب، وأنا نائم، أولئك كانوا يصلون، وأنا أتنزه. أولئك كانوا يواضعون ذواتِهم، وأنا أتكبر أولئك كانوا يحتقرون ذواتِهم، وأنا أتزين.

لهذا الآن أولئك يسرون، وأنا أنتحب ؛ أولئك يبتهجون، وأنا أبكي. فق إذاً أيها الشقي قليلاً متأملاً محبة اللـه للناس التي لا تتجاوز نَهايتها، ولا تضجع في خلاصك، أطلبه فيصبح لك سريعاً خلاصاً، وأستغث به فينصرك، أعطيه لتأخذ مائة ضعف.

وإذا كان الصك الذي لا نفس له يهتف بما مكتوب فيه بتأدية الديون فكم أولى بالإله الصالح أكثر أن يعطي للذين يطلبونه نعمه المعهودة بالكتائب التي يتمنى أن تزداد رباءً على رباءٍ ؛ ونعمة اللـه الكثيرة تكثر أجرة صلواتنا وطلباتنا.

فلا تضجع ولا يطرأ عليك الاهتمام بالأمور الأرضية ؛ ولا تدفع ذاتك إلى اليأس ؛ فإن اللـه من أجل تحننه يقبلك وينصرك أنت وكافة الذين يبتغونه بكل قلوبِهم.

فتقدم إليه بلا خجل، وأسجد له بتنهد، أبكي وقل: ” يا ربي ومخلصي لِمَ تركتني ترأف عليَّ فانك أنت العطوف وحدك، خلصني أنا الخاطئ فإنك أنت الغير خاطئ وحدك لتنشلني من حماة مآثمى لئلا أنغمس فيها إلى أبد الدهور.

أنقذني من فم العدو فإنه مثل سبع يزأر مريداً أن يبتلعني، أنْهض قوتك وهلمَ لتخلصني، أبرق ببرقك وشتت اقتداره لينذهل ويهرب من أمام وجهك لأنه ضعيف عن الوقوف أمامك، وأمام وجه الذين يحبونك، لأنه إذا رأى علامة نعمتك فيجزع منك ويتنحى عنهم خازياً فالآن أيها السيد أعني فإني إليك لجأت “.

إن ابتهلت إليه هكذا واستغثت به من كل قلبك للحين يرسل مثل أب صالح ومتحنن نعمته إلى معونتك، ويكمل كافة مشيئتك.

يا حبيبي نعم تقدم ولا تضجع، ولا تنظر إليَّ أنا الواني المضجع لأنه يخزيني خزي وجهي إذ أقول ولا أعمل، وأعظ ولا أفهم.

لكن صر مشابِهاً للأباء الكاملين الروحانيين وأتبع رسمهم، ولا تبتدئ بالأمور العالية جداً التي تفوق قدرتك ولا يمكنك أن تتممها، ولا تبتدأ بالأفعال الحقيرة جداً ليكثر توانيك.

ولا تسمن جسدك لئلا يحاربك، ولا تعوده على اللذات البشرية لئلا يصير ثقلاً لنفسك ويحدرها إلى أسفل أعماق الأرض ؛ لأنك إن بذلت ذاتك لإكمال مشيئته فإنه سيترك الطريق المستوية ويمشي في الهوة، ويقبل بسهولة كل فكر نجس، ولا يتعفف.

وإن ضيقت عليه فوق المقدار وآلمته يصير ثقلاً لنفسك ويسودها ويشملها الكآبة والضجر.

وتصير سخوطة وعاجزة في دراسة التسبيح والصلاة والطاعة الشريفة، فدبر ذاتك بمقدار جيد معتدل.

قل لي أما رأيت قط موقف السباق ؟ أو ما رأيت قط مركباً في البحر ؟ لأن الخيل إذا لهدها أحد بلا مقدار تخور من الجري، وإن رخا لها بلا مقدار تمد الركب وتطرحه.

وكذلك المركب في اللجة إن أُوسق فوق حد وسقه يمتلئ من الأمواج، ويغرق وإن سبح مخففاً بلا وسق تقلبه الرياح سريعاً. نظير هذا المقياس النفس والجسد، إن ثُقلاَ بلا مقدار بالأشياء المقدم ذكرها يسقطان، فلهذا جيداً أن تبتدئ، وتتمم وترضي اللـه، وتنفع ذاتك وقريبك.

أنتم يا رعية المسيح المباركة، ونجوم المسكونة، وملح الأرض، أيها النساك الكاملون والمحبون على الأرض السيرة الملائكية، إن تعبكم وقتي والمجازاة والمدائح أبدية، وتعبكم يسير والنياحة والكمال بلا هرم.

وبمقدار ما تجاهدون بنشاط في تقويم الفضيلة بقدر ذلك يشتغل عدوكم غيظاً ويخبئ لكم فخاخاً متلونة.

فأصغوا إذاً لذاتكم حذرين من مكامنه، لأنه خلواً من جهاد لا يكلل أحد، بل ونعمة اللـه لا تتخلى عمن يحارب ويجاهد بنشاط.

فإن أرخى أحد ذاته، وعجز أن يفتح فمه ويستدعى النعمة لنصرته ليجعل العلة ذاته لا النعمة كأنه لم يعاين منها، لأنه يكون مثل واحد يديه صحيحتين وأمامه كثرة أطعمة موضوعة فيعجز أن يمدها ويملأ ذاته من الخيرات المنصوبة لديه، فمن ذاته تكون خيبته وخسارته.

هكذا العابد الذى له تجربة النعمة والخبرة بِها فإذا توانى في الاستغاثة بِها والتملي من حلاوة أطعمتها فهو يضر ذاته ولا يحس.

يشبه العابد جندياً برز إلى الحرب وقد دجج جسده من كل جهة بجملة أسلحة وهو متيقظ إلى الغلبة ومجاهد لئلا يكسبه محاربه بغتة فإن وجد غير متحفظ فيأخذه، كذلك العابد إن أضجع وتوانى يقتنصه عدوه بسهولة.

لأنه يخطر له أفكاراً نجسة فيقبلها بتلذذ ؛ أعني أفكار استعلاء الرأي والسبح الباطل والحسد والوقيعة ونَهم البطن، والنوم الذي لا يشبع منه، ومن هذه يقوده إلى اليأس وأثرة المساوي.

وإن كان مستفيقاً كل حين متيقظاً يجذب نعمة اللـه لمعونته ويتخذها ويعلم كيف يرضيه، فيصير في ذاته ممدوحاً ومادحاً ويكون مثل إنسان ينظر في مرآة فيرى ويُرى.

كذلك النعمة أينما تجد راحة وتسكن في إنسان فتختبره وتختبر منه لأنه خلواً من معونتها لا يقدر القلب أن يكتفي بذاته، ولا أن يمتلئ تخشعاً، ولا أن يعترف للسيد كما ينبغي لكنه يبقى مسكيناً ومحتاجاً وفقيراً من الحسنات ؛ وتسكن فيه الأفكار النجسة والممقوتة كما يسكن البوم في الأماكن الخربة.

فإذا استدعاها ” النعمة ” إنسان لتجئ فتضئ ذهنه وتضطره ليقتنيها ساكنة معه، ومعينة لذاته، فبها يقوم كل فضيلة، ويستضئ منها، فيستطيع أن يتأمل تكوُن الدهر المستأنف وجمال صورته، لأنَها تصير له سوراً حصيناً، وتحفظه من هذا الدهر لحياة الدهر الآتي.

أصغ إذاً مسامعك فأكن لك أيها الحبيب مشيراً صالحاً إن اشتهيت الحياة الخالدة، وتطويب ربك، قل لي لِمَ تغسل وجهك بماء لترضي قريبك إنك ما نبذت آلام بشرتك بل أنت مستعبد لها، إن أردت أن تغسل وجهك فأغسله بالدموع والبكاء ليشرق بمجد اللـه والملائكة القديسين.

لأن الوجه المغسول بالدموع هو جمال لا يضمر لكن لعلك تقول لي: إن وسخ وجهك يخجلك.

فأعلم إذاً أن وسخ رجليك ووجهك مع نقاوة قلبك يلمع أكثر من الشمس بين يدي اللـه والقديسين.

ولِمَ تضحك بلا تحفظ ويسود عليك الضحك وقد أُمرت أن تنوح، من أين هذا ؟ لأنك لا تشتاق إلى تطويب الرب، ولا تخيفك تعاذيبه، فالمجرب يستطيع أن يعظ غير المجربين، والتاجر الذي سقط بين اللصوص يأمر المسافرين بالتحفظ والتحرز.

فإذ قد جربت أنا بجزء من التجربة أقول لفهمك لأنني تحرزت قليلاً، ومن أجل رخاوتي أوقعتني الونية في الأمر نفسه، فلهذا أشير عليكم يا رعية المسيح المأثورة أن لا تعدموا من أجل آلام الجسد ولذة العالم مجد اللـه، وتتغربوا من سرور الخدر الذي لا تبلى بَهجته، عالماً أن تعب النسك هو مثل نوم وارد، ونياحة المكافأة هي لا تنقضي، ولا تنعت.

فأصغِ إلى ذاتك لئلا توجد واقعاً من الحظين كلاهما وتؤدي طائلة عنهما جميعاً، لكن أحرص أن تقتني الفضيلة التامة الموشاة بكافة المناقب التي يحبها اللـه ؛ فإنك إن اقتنيتها فلا تغيظ اللـه قط، ولا تعمل بقريبك سوءاً.

فهذه تدعى الفضيلة ذات النوع الواحد، وهي حاوية في ذاتِها جمالاً، وتكون كافة الفضائل مثل تاج الملك، وهذه قد تكون غير تامة، وغير مختبرة إن كانت تنقص واحدة من المقومات المحصورة في الفضيلة.

وتضاهي نسراً عظيماً طائراً في الأعالي فلما أبصر في الشرك طعاماً انحدر وأنقض عليه بسرعة فإذ رامَ أن يختطف الصيد تعلق بطرف مخلبه.

وبذلك العضو الصغير رُبطت كافة قوته، وفيما هو يظن أن كافة جسمه معتوق وخارج من الشرك فيجد بالحقيقة أن قوته كلها قد قيدها الشرك.

والفضيلة مثل هذا القياس إن رُبطت بأحد الأمور الأرضية تموت وتنقسم وتَهلك ولا يمكنها أن ترتقي إلى العلو إذ قد سمرت بأمر أرضي وتقيدت به.

فمن له دموع فليجئ وليبكِ، ومن لا يمكنه التخشع إذا عبر فليتنهد على هذه الفضيلة أنَها بعد أن ارتقت إلى السماء وبلغت إلى أبواب الملك أنفسها لم تقدر أن تدخل.

كما قلت أيها الحبيب أن قوماً قوموا هذه الفضيلة بربوات أتعاب ووشوها مثل تاج الملك ؛ فلما ارتبطوا بأمر أرضي هلكوا ووقفوا خارج المُلك السماوي.

فصن ذاتك إذاً وأحذر أن تشتبك في شيء مثل هذا وتدفع ذاتك إلى العدو، وتحل الفضيلة العجيبة التي اقتنيتها هكذا أو تنقضها بأتعاب مثل هذه جزيلة فتمنعها من الارتقاء إلى السماء، وتقيمها أمام الخدر خازية، لكن أعطيها دالة أن تدخل بصوت عالٍ مبتهجةً نائلةً ثوابِها.

يا للعجب إن سبع يُربط بشعره ويجول إلى هنا وهناك، هكذا هذه الفضيلة إذا رُبِطت باهتمام أرضي تتهرى إلى الأرض ويذل شرفها لأن هذه الفضيلة تُشَبه بالسبع.

فق إذاً أيها الحبيب ؛ وحرك ذاتك ؛ وأقطع الشعرة الحقيرة كي لا يضحك عليك مثل ذلك القوي الذي قتلَ بالفك في لحظة عين ألوفاً وحرر ذاته وقتل أعدائه ورد الظفر إلى اللـه ونقلت طلبته ذلك الفك عيناً نابعاً.

فذلك الذي قوم مثل هذه المناقب قدر جسامتها سلم نفسه بانتزاع شعره بسفاهته إلى الأعداء، وقيد قوته المرهوبة والعجيبة جداً.

فأنت الآن أصغ إلى ذاتك، ولا تربط مثل هذه الفضيلة بعمل ردىء ما أرضي بل حررها من كافة الأشياء الضارة وجهزها إلى السماء.

ومثل غواص يغوص في العمق ليجد الدرة الجزيل ثمنها والشائع ذكرها إذا وجدها يصعدها إلى أعلى المياه، ويثبت على الأرض عارياً ومعه ثروة جزيلة.

كذلك جرد ذاتك من كل أدناس العالم، وألبس هذه الفضيلة وتزين بِها وتيقظ نَهاراً وليلاً لئلا تتعرى منها، فإن النفس التي اقتنتها لا يمكن أن يحيلها شيء ولا واحد من الأسواء يغيرها، لا من جوع تتغير أو من عري أو ضجر أو مرض أو مسكنة أو اضطهاد ما أو محبة أخرى كاذبة إذا كانت متيقظة.

فبمثل هذه المقدم ذكرها تنمو أكثر وتكلل، وتنجح لدى اللـه دائماً ويتباهى جمالها فالموت نفسه لا يستطيع أن يشينها، وإذا خرجت من الجسم تقبلها مبتهجة الملائكة من السماوات ويدخلونَها إلى أبي الأنوار. المجد والجلالة للإله المتعطف وحده.

صلاة

أتضرع إلى خيريتك أن تشفي كلوم نفسي وتضئ عيني ذهني لأتأمل تدبيرك فيَّ ؛ وإذ قد تسفه ذهني فليطيبه ملح نعمتك، ماذا أقول لك يا ذا العلم السابق، والفاحص القلوب والكلى ؟

أنت وحدك تعلم أن نفسي كالأرض الفاقدة الماء، قد عطشت إليك وتاق إليك قلبي لأن الذي يحبك حباً دائماً تشبعه نعمتك.

فكما سمعتني دائماً لا تعرض الآن عن وسيلتي فإن ذهني هو مثل أسير لك، وإياك يطلب.

أيها المخلص الحق أرسل إذاً نعمتك لكي إذا جاءت تشبع جوعي، وتروى عطشي إليك أشتاق وأعطش يا نور الحق، وآتي بالخلاص أعطيني طلباتي وأقطر في قلبي نقطة واحدة من محبتك لتتقد كاللـهيب في قلبي وتحرق أشواكه وقرطبه، أي الأفكار الخبيثة التي فيه.

بما انك إله أعن الإنسان الحقير بسماحة ودعة وكثرة إحسان، لأنك أنت الصالح ابن الإله الصالح.

وإن كنت أنا خالفت وأخالف لأنني ترابي وابن ترابي لكن يا من ملأت الجرار من بركتك أرو عطشي، يا من أشبعت الخمسة آلاف من خمسة خبزات أشبع جوعي.

أيها العطوف الصالح، يا من قبلت فلسي الأرملة ومدحتها أقبل طلبة عبدك، وامنحني وسيلتي لأصير هيكلاً لنعمتك، وتسكن فيَّ وتكبح ذهني كبحاً كأنه بلجام لكي لا أضل فأخطئ إليك وأخرج من نورك ؛ بل أهلني أن أدعى وارثاً لملكك وأقدم غماراً موعبة خشوعاً واعترافا بشفاعة كافة قديسيك، اسمع ابتهالي يا من لم تزل مباركاً من الكل. آمين.

أطلب إليكم أن تستيقظوا في هذا الزمان القصير وتجاهدوا في هذه الساعة الحادية عشرة ؛ فإن المساء قد حان ومعطي الأجرة سيوافي بمجد ليقضي كل واحد نظير أعماله.

فأحذروا أن يتوانى أحدكم في تقويم الفضائل فيضيع منحة أجرة المخلص التي لا تحصى ؛ فإن العابد يضاهي حقلاً مزروع لفلاح وهو ينمو بالأمطار وبتخالف النداء، وحامل ثمر السرور.

فإذا بلغ إلى أوان الثمر جعل الفلاح في اهتمام أكثر لئلا يفسده برد أو وحوش برية إلى أن يصل إلى حصاد الغلة فينقل الفلاح إلى المخزن ثمر أراضيه فرحاً مسروراً شاكراً للرب.

كذلك العابد ما دام في هذا الجسد ينبغي له أن يهتم من أجل الحياة الأبدية، ويتعب في النسك إلى يومه الأخير لئلا يتوانى فيحاضر بلا فهم إلى أمر لا منفعة له فيه بل لكي إذا أكمل سعيه يحمل إلى السماء مثل الفلاح ثمرات أتعابه جاعلاً بذلك للملائكة فرحاً وسروراً.

فلا يضجعنَّ أحدكم أو يدهش من التجارب ؛ بل فليعضد القوي الضعيف وليعز النشيط الصغير النفس، ولينهض المستفيق المضبوط بالنوم، وليعظ الثابت في ترتيبه من لا ترتيب له، ولينتهر الممسك من لا تحفظ له ولا ترتيب.

وهكذا بالمسيح المخلص يؤازر كلنا بعضنا بعضاً ؛ ونخزي العدو مصارعنا، ونمجد إلهنا، ونسر الملائكة القديسين، وينتفع منفعة عظيمة الذين يبصروننا ويسمعون الأوصاف عنا.

لأن عسكر الملائكة القديسين مثل جماعة العباد الذين ذهنهم شاخص إلى اللـه كل حين على حالة واحدة.

ومجاوبة الأخ قريبه بمحبة مثل العسل والشهد في الفم.

وكمحل الماء البارد للعطشان في وقت الحر محل كلام التعزية عند الأخ في أوان حزنه.

وكما أن إعطاء أحد يده للواقع لينهضه ؛ هكذا ينهض لفظ الوعظ وكلام الحق النفس والوانية والسائمة. الزرع الجيد وحسن النمو في أرض سمينة كالأفكار الصالحة في نفس العابد.

سد وثيق في بناءٍ كطول الروح في قلبه أوان الترتيل، غرارة ملح على رجل ضعيف كالنوم وهم العالم على العابد.

الأشواك وكثرة القرطب في زرع جيد كالأفكار الدنسة في نفسه، من به داء السرطان ويداوى ولا ينال البرء كالحقد في نفس العابد، الدودة التي تنخر الخشبة وتفنيها كالعداوة التي تبتلي قلبه.

السوس يقرض الثوب ويفسده والوقيعة تدنس نفسه، المتكبر والمتعظم كشجرة مرتفعة وبَهية ولا ثمر فيها، الحسود المتنافس كثمر بَهي من ظاهره ومتهرئ باطنه، مجاوبته بغضب تزعج ذهن قريبه كما يكدر عيناً صافية من يطرح حجراً فيها.

من يقلع وينقل شجرة مثمرة يفسد ثمرها ويزيل ورقها كذلك من يترك موضعه وينتقل إلى مكان آخر، بناء لا أساس له على صخرة كمن لا صبر له على الأحزان.

من يتكلم في أوان الترتيل مثل إنسان واقف أمام الملك وهو يخاطبه فيناديه نظيره في العبودية فيترك مخاطبة الملك العجيبة والشريفة ويفاوض نظيره في العبودية.

فلنفهم يا إخوتي أننا بين يدي من نحن ماثلون لأنه كما أن الملائكة واقفون برعب كثير يقضون التسبيح للباري ؛ هكذا يجب علينا نحن أن نقف بجهاد في أوان الترتيل، وأن لا تكون أجسامنا واقفه وذهننا يتخيل ويتصور أمور العالم، فلنجمع أفكارنا ليكون لنا فخر عند إلهنا ونصطبر على تجارب عدونا لنشرف.

فخر العابد الصبر في الأحزان، فخر العابد طول الأناة مع المحبة، فخر العابد عدم القنية وتواضع الرأي، والبساطة تشرف قدام اللـه والملائكة.

فخر العابد السكوت والسهر بتخشع ودموع، فخر العابد أن يحب اللـه من كل قلبه وقريبه كما يحب نفسه، فخر العابد مسك الأطعمة واللسان، وإذا وافقت أقواله أفعاله يقيم في موضعه ولا ينتقل مثل صخرة تصدمها الرياح، ومثل مسمار في أمواج البحر.

ويلي يا أحبائي فإني قد صرت مثل منفاخ كور الحداد الذي يمتلئ ويتفرغ ولا يستفيد من الرياح شيئاً لأنني سردت فضائل رعية المسيح ولا أعرف في ذاتي شيئاً منها المجد لعظمته وصلاحه.

يا إخوتي إن أقتنص أحدكم بالأفكار النجسة فلا يتوانى ويبذل ذاته لليأس بل فليكن قلبه أمام اللـه وليتنهد بعبرات وليقل: يارب أنْهض وأصغ إلى حكمي يا إلهي وربي انظر إلى طائلتي يارب دني كعدلك لأنني أنا صنعة يديك ؛ فلِمَ أهملتني وأعرضت عني ؛ لِمَ تصد بوجهك عني وتنسى مذلتي لأن العدو قد أضطهد نفسي وأذل في الأرض حياتي وانغمست في حمأة العمق وليس لي قيام فلتدركني نعمتك لئلا أهلك.

إن داومت هكذا تستغيث به ؛ للحين يرسل المحب الناس نعمته إلى قلبك ويعزيك من الحزن المؤلم والمتعب.

فلا نتوانى إذاً ولا نضجع إذ لنا سيد مثل هذا متحنن يترأف علينا ما دمنا هنا، ويخلصنا ويغفر آثامنا، من لا يتعجب أنه بدموع ساعة قصيرة يخلص وأنه في هذه الساعة الحادية عشرة نفسها يغفر هفوات عددها ربوات، وكذلك يشفي ربوات جراحاتنا.

وإذا شفى يعطي أيضاً أجرة الدموع لأن هذا هو المألوف من نعمته أنَها بعد أن تشفي تضاعف الأجرة، فلنحرص أن نبرأ يا إخوتي هنا بترأف وترحم نعمته وهناك ليس كذلك.

هناك عدل وانتصار ومجازاة لكل المفعولات، هناك إبراهيم المتحنن ظهر غير متحنن على الغني ولا رحوم ؛ والذي تضرع من أجل أهل سدوم لم يتضرع من أجل خاطئ واحد ليرحم.

فلا نربطن ذهننا بالأمور الأرضية لكن فلنحرص أن نصير نظير الآباء القديسين، ولا نخل منا سيرتَهم لئلا نعدم شرفهم ؛ فلنحرص أن نكلل مع التامين فإن لم نبلغ أن يكون حظنا مع التامين فعلى الأقل أن نمدح مع الآخرين.

الطوبى لمن يجاهد أن يكلل مع التامين وشقي من لا يمدح مع الآخرين، مغبوط من يؤهل للإكليل ولميراث القديسين وللصوت القائل:

” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم “.

يا إخوتي أي اعتذار لنا إن توانينا الرجل العالمي ربما له عذر بأنه مرتبط بالعالم، فنحن ماذا نقول ؟

فأخشى أن يكون الذين يمدحوننا هنا يستهزئون بنا هناك. لا يحل لنا الرقاد واهتمام العالم لئلا تمرمرنا النار الخالدة والدود الذي لا يرقد.

فلنفيقن قليلاً ونبكي لننجوا من النار الأبدية، آلا تصدقوا قول المخلص أن وروده يكون كالبرق بغتة ؛ فلنرهب من أن يدركنا بغتة ونحن غير مستعدين فتندم نفوسنا على ونيتنا ولا ينفعنا ذلك شيئاً.

صدقوني يا إخوتي إن الساعة الأخيرة هي ؛ احذروا أن يتم فينا قول النبي: ويل للذين يشتاقون إلى يوم الرب. وأصغوا إلى ذواتكم حذرين أن نوجد مثل ذلك العبد الذي جاء مولاه فوجده متنعماً فجعل حظه مع الكافرين وشطره نصفين، بل فلنطلب بوقاحة ولجاجة لينقظنا من الظلمة وصرير الأسنان ويؤهلنا لملكه.

صلاة:

إليك أتضرع أيها المسيح مخلص العالم أنظر إليَّ وارحمني، ونجيني من كثرة مآثمي فإنني قد أنكرت سائر الصالحات التي صنعتها معي منذ حداثتي لأنني كنت أمياً وللفهم عادماً فجعلتني مملوءاً علماً وحكمة.

وتكاثرت عليَّ نعمتك فأشبعت جوعي وبردت عطشي وأضأت ذهني المظلم وجمعت من الضلال أفكاري. فالآن أسجد وأتضرع إلى تعطفك الذي لا يوصف معترفاً بضعفي.

سكن عني أمواج نعمتك وأحفظها لي في ذلك اليوم ولا تسخط عليَّ أيها الكلي الصلاح لأني لا أحتمل فيضانَها، قد اجترأت على التهجم بِهداية صورة الآب وشعاع المجد الذي لا يوصف ارحمني منها فإنِها كالنار تلهب كليتي وقلبي ؛ أعطيني إياها هناك وحصلني في ملكك.

إذا صنعة عندي منزلاً بظهورك مع أب صلاحك المبارك نعم أيها السيد الآتي بالحياة وحدك أعطيني طلبتي وأحجب مآثمي عن معارفي ذاكراً عبراتي التي ذرفتها قدام شُهدائك القديسين لتترأف عليَّ في تلك الساعة الرهيبة واسترني تحت أجنحة نعمتك.

نعم أيها السيد أوضح فيَّ أنا الخاطئ تعطفك الذي لا ينطق به واجعلني لذلك اللص مشاركاً ؛ الذي صار بكلمة واحدة وارثاً للفردوس ؛ وأدخلني إلى هناك حتى أبصر أين اختفى آدم وأقرب لتعطفك مجداً لأنك استمعت لعبراتي وغفرت كافة آثامي.

ضع عبراتي قدامك يارب كوعدك ليخز عدوي إذا رآني في صقع الحياة الذي أعددته لي رأفاتك ويظلم خائباً إذا رآني فى الصقع الذي هيأته لي رافاتك من أجل تحننك.

نعم يا سيدي غير الخاطئ وحدك والمتعطف أسكب عليَّ صلاحك الذي لا يوصف، أعطيني ولكافة الذين يحبونك أن نسجد لمجدك في ملكك، وإذا تنعمنا بجمالك نقول:

المجد للآب الذي خلقنا، والمجد للابن الذي خلصنا

والمجد للروح الكلي قدسه الذي جددنا

إلى كافة أبد الدهور

آمين

@

المقالة السادسة

في مشابهة الأمثال،

وفي المخافة الإلهية

من يؤمن بابن اللـه له حياة دائمة، من يؤمن بابن اللـه لا تتعرقل خطواته ولو سلك في النار لا يحرقه اللـهيب، من يؤمن بابن اللـه كما قال الكتاب: تجري من بطنه أنَهار ماء حي.

الحطب الكثير ينمي اللـهيب ومخافة اللـه تكثر المعرفة في قلب الإنسان والعمل يحقق العلم.

فق كثيراً إذا كنت تزرع بزار سيدك لئلا يخلط فيه زارع الزوان شيئاً من بذوره لأنه له عادة أن يعمل في الخير الشر، فلنطلب من الرب النعمة ليعطينا معرفةً وفهماً لنتيقظ في كل شيء.

الكور يختبر الفضة والذهب ويصفيهما وتقوى الرب تُهذب أفكار الناس وتنقيها.

الصائغ الجالس وراء السندان يعمل أواني حسنة نافعة كذلك مخافة اللـه تجرد كل فكر خبيث من القلب وتنظفه وتبرز ألفاظاً بمعرفة.

فلنعطِ مجداً لمن منحنا مخافته في قلوبنا لأنه هو الذي يفيد الإنسان علماً.

بدء الحكمة تقوى الرب ؛ والفهم صالح نافع لكل من يعمل به.

العبادة الحسنة للـه بدء حسن، الحكيم يحفظ وصايا المسيح ومن يسلك فيها لا يخزى إلى الأبد ؛ ومن يهملها فذاك جاهل ورجائه باطل.

من يحفظها بتحقيق فذاك قد أنتقل من الموت إلى الحياة ؛ ولا يعاين إلى الأبد ظلاماً ؛ وفي يوم وفاته يجد دالة ونعمة، وملائكة أتقياء يرشدون نفسه، وأساسه على الصخرة التي لا تتزعزع ويصير وارثاً للحياة الخالدة.

هذا هو المغبوط لأنه عرف أن يصنع مشيئة خالقه، إذا ضُربَ البوق يستعد الجيش للحرب لكن في أوان الجهاد ليس الكل محاربين.

كثيرون عباد بالزي وقليلون هم المجاهدون. في وقت التجربة تظهر دربة العابد وخبرته. قبل الوفاة لا تغيظن أحداً وقبل الموت لا ييأس أحداً. لا تقل عن ذاتك إنكَ صدِيق ولا عيب لك قدام اللـه فإن الأشياء التي نسيتها أنت تلك ظاهرة قدام اللـه.

يجب أن نتيقن إننا إن صبرنا له يكون لعملنا ثمر. أشاء أن أكون عاملاً وممدوحاً عند الإخوة أكثر من أن أكون مخالفاً للوصايا ومرفوضاً عندهم.

من يتعلم ويعرف كل كتاب ويعرض عن وصايا المسيح يُضرب جلدات كثيرة، ومن يعمل مشيئة الرب فذاك يحسب رجلاً كاملاً، ليس المكان يجعل الإنسان تاماً بل الفرز ‘ الإفراز ’.

فليكن للضعفاء موضع معتدل الحد. من هو الرجل الكامل ؟ هو من يحب الرب بالحقيقة وقريبه كما يحب نفسه، أتقِ الرب فتجد نعمة لأن خشية الرب تولد أحوالاً وعادات تتقوم بِها الفضائل، فأما عدم المخافة فتنتج غيرة مرة ومحكاً ونظائرهما.

مخافة الرب ينبوع الحياة، مخافة الرب تثقف عقلاً عاقلاً، مخافة الرب صيانة للنفس، مخافة الرب تعطي للمتقي الرب نعمة في كل تصرفه، مخافة الرب مدبرة للنفس، خشية الرب تضىء النفس، مخافة الرب تذيب الخبث تقوى الرب تنقض الآلام، مخافة الرب تنمي المحبة.

خشية الرب تجفف كل شهوة رديئة، مخافة الرب تقطع اللذة، خشية الرب مأدبةً للنفس لأنَها تبشرها بآمال صالحة، مخافة الرب تقلد طرق السلامة، خشية الرب تملأ النفس من الروح القدس وتعطيها لواء ملكوت السماوات.

ليس في الناس أعظم قدراً من المتقي الرب، المتقي الرب يضاهي نوراً يرشد الأكثرين إلى الخلاص، المتقي الرب يشابه مدينةً حصينةً موضوعةً فوق الجبل ومن قدام وجهه يتفرق الجن الخبثاء، النفس التي تخاف الرب مغبوطة لأنَها تتقدم فتبصر أمامها القاضي العادل كل حين، إن كنت تتقي الرب فأحفظ وصاياه فلا تخزى.

يوجد من يترك موضعه من أجل فضيلة ويوجد من يخلي مكانه التماساً للبطالة وعدم الخضوع، ويوجد من يضطهد من أجل ميراث ويوجد من يفحص عن أشياء كثيرة مريداً أن يتعلم الحكمة ؛ ويوجد من يستفحص عن معجمات كثيرة ابتغاء للسبح الباطل.

ويوجد من يحاضر ويجاهد من أجل محبة المسيح ويوجد من يجري ويجتهد من أجل المجد الفارغ، يوجد من يخضع ويطيع من أجل وصية المسيح ومن يخضع ويذعن من أجل درجة وفائدة قبيحة.

يوجد من يمدح قريبه من أجل استرضاء الناس ومن يمدح قريبه من أجل وصية المسيح، يوجد من يثلب قريبه من أجل نَهم البطن ومن يواضع ذاته من أجل وصية المسيح.

يوجد من يثلب ذاته من سفاهة ؛ ومن يكون شديداً من أجل محبة الفضة، يوجد من يعمل كثيراً من أجل الصدقة ومن يعمل في وقت لا يجب أن يعمل وفي أوان العمل لا يعمل.

يوجد من يرتل ويصيح في وقت لا يجب ذلك وفي وقت الترتيل يسكت أو يكلم قريبه كلاماً بطالاً، يوجد من يسهر وقت لا يصلح السهر وفي وقت السهر يتذمر.

قد كتب أن الجحيم والهلاك ظاهران عند اللـه فكيف لا تكون قلوب الناس ظاهرة عنده.

بدء السيرة الصالحة الدموع في الصلاة أما استماع الكتب الإلهية فهو ابتداء العقل المقسط.

ربوات كتب في أذان الجاهل تحسب لا شيء ومن هو الجاهل إلا المتهاون بمخافة الرب.

قد كتب أن قلب الحكيم يقبل الوصايا، وأعطي الحكيم شيئاً فيكون أوفر حكمة، أعرف المقسط المحق وعلمه فيزيد في قبولك. الابن المؤدب يكون حكيماً والجاهل يستعمل خادماً.

ذوو الغنى العاجزون يصيرون محتاجين أما ذوو الجزالة فيتأصلون في الغنى، الحكيم إذا خشى جنح عن الشر والجاهل إذا وثق بنفسه يختلط بالأثمة.

الحاد الغضب يبيع بغير مشاورة والرجل العاقل يحتمل أشياء كثيرة، أكرم الرب فتكون مناهجك ممهدة، أكرم الكاهن والشيخ لتوافى إليك بركة أفواههما، أكرم الشيوخ لأنَهم قد خدموا المسيح كثيراً، أكرم إخوتك لأنَهم عبيد المسيح لكي ما تُحَب منهم.

يا أخي إن أحببت السكوت فستعبي غناك بسكون، من يهرب من سكوت قلايته يتخيل الأمور الأرضية، والمهتم بالصناعة يشتهي الأشياء المعدة للقديسين في السماوات.

الرب قد تقدم فعرف أفكار العابد إذا اشتهى الكهنوت، فالكهنوت درجة عظيمة إذا أُكملت بلا دنس.

الملك المحب للمسيح يُطَوَب لأنه خلف تذكاره للبركة ومدحه في السماء وعلى الأرض، والملك الكافر لا يعرف في حياته حكمة وإذا توفي فقد ترك ذكره للعنة وعاره لن يمحى إلى الأبد.

كرسي المؤمن مثبت إلى الدهر، القاضي المبتغي العدل تباركه أفواه الصديقين، والظالم لا تُرحم نفسه لأنه لم يعمل على الأرض حُكماً عادلاً، قد كتب من يُغضِب فقيراً يصنع لذاته أسواء كثيرة.

لا تغضب فقيراً لأنه مسكين، ولا تشتم عليلاً أمام الباب لأن الرب يحكم حكومته لأنه قد كتب أنقذ المأخوذين إلى الموت، ولا تُسلم عبداً إلى يدي سيده لئلا يلعنك فتبيد وتَهلك، لأنه قد كتب من يشمت بالهالكين لا يتزكى ومن يتحنن عليهم يُبَارك.

المؤمن له العالم وأمواله أجمع، والغير مؤمن لا فلس له، من يرحم مسكيناً يقرض اللـه ونظير عطيته يجازيه، فقد كتب ميزان كبير وصغير ومكاييل مثناه نجسة عند اللـه كلها، من يحفر حفرة لقريبه يسقط فيها. أتقي الرب فينقذك في اليوم الشرير.

الملك الحسن التدبير يهتم بمواني البحر، والمجرب في الفهم لا يتوانى في حدود حصونه والفريقان كلاهما يشرفان في الملك لكثرة تدريبهما ويقظتهما.

الملك المؤمن يتذكر كل حين الدينونة الدهرية ؛ ومن يتذكر القاضي العادل لا ينسى حرية النفوس التي في الشدائد والضيقات والمحصورة في المحابس والمنافي.

الطوبى للرجل الذي يقتني بالسلطان الوقتي المجد الباقي لأن من هو اليوم ملك غداً يتوفى، ومن يعمل مشيئة الرب يثبت إلى الأبد، الطبيب الحاذق في تجربة الأمور يصير مجرباً، التنعم الكثير يولد آلاماً وأمراضاً، والعمل المتعب فيه تعب في الحاضر وبعد التعب ينتج عافية وصحة.

أيها العابد لا تشتهي لحماً ولا تشرب خمراً للسكر لئلا يتلف ذهنك ولا تفني منك المهمات العالمية، أكسح النخلة فتسموا إلى العلا وأجتز من النفس الأمور العالمية فتعلوا إلى الفضيلة.

من يُقرَف أو يُظلَم فيحتمل فهو يشبه من قد حبس سبعاً في قفص، أما من يخاصم فيشبه من يفسد ذاته.

أمر حسن أن توجد في الصلاة الجامعة قبل الكل وتركك إياها من قبل انتهائها من غير اضطرار ليس حسن، أصبر أيها الأخ وأسمع الكتب الإلهية لكي ما تنتفع لأن كما أن السائر في الحر حلوٌ عنده كأس ماءٍ بارد هكذا الأقوال الإلهية تندي النفس.

إن شئت أن تسمع فأصبر ؛ وإن سمعت ستكون حكيماً، وإن كنت تحتمل بتثقل ثقل استماع الكلام فكم بالحري العامل فمن هنا تعرف ذاتك إنك متوانٍ.

إذا دخلنا إلى بيت اللـه فلا يكون ذهننا طموحاً يتنزه بل فليشتغل إنساننا الباطن بنظر اللـه والصلاة، وإذا صلينا وقلنا يا أبانا الذى في السماوات فلنتحرز أن تخطر لنا الأفكار شيئاً آخر فتزعج ذهننا وتكدره.

وإذا وقفت في الصلاة فأعرف بين يدي من أنت ماثل ولتكن نفسك وقلبك كله ناظراً إليه تفهم ما أقوله، إذا أخذ إنساناً بيده صرة دراهم ومضى إلى الموسم ليبتاع بقراً هل يتأمل الخنازير ؟

وإن أراد أن يبتاع حميراً، هل يتفرس في الكلاب ؟ أليس كل فكره منتصب في الأشياء التي يشتهيها لئلا يسخر به فيضيع الذي بيده باطلاً.

وإن كان الأخ الواقف إلى جانبك مريضاً بالجسم ويتفق له أن يسعل أو يبصق كثيراً فلا تتضجر منه لكن اذكر أن كثيرين بذلوا ذاتَهم لخدمة سقماء ومجروحين.

وإذا كنت معافى في جسمك فلا تترفع لكن خف فإن كل إنسان في يدي يسوع المسيح مخلصنا مثل معزفة كثيرة أوتارها في يدي الرجل.

وقد كتب أن أنظار الأشرار دائماً تتقبل الأسواء ؛ والصالحين فستكون كل حين في مناهج الحياة التي فيها معقولات ؛ الفقيه ليجنح عن الهاوية ويخلص، لأنه قد كتب أن الغير مؤدب لا يحب اللذين يوبخونه ولا يخاطب الحكماء.

ومن يشتم فقيراً يخطئ، ومن يرحم المسكين يطوب إذ قد كتب إن سقط عدوك فلا تشمت به ولا تعجب بعثراته فإن الرب يبصر ذلك فلا يرضيه ويصرف نظره عنك. من يصم أذنه لئلا يسمع الضعفاء سيستغيث ولن يوجد من يسمعه.

لا تفتخر بالأمور التي في غد فإنك لا تدري ماذا يولد اليوم الآتي، لا تعمل سوءاً فلا تدركك المساوئ، لا تحب أن تغتاب أحداً لئلا تنتزع فإنه قد كتب من يجاوب كلاماً قبل أن يسمع فذلك سفاهة له وعار، لا يفرح الأب بالابن العادم الأدب، والابن المتأدب يكون حكيماً.

الحكمة ليست بكثرة تعلم الكتب بل كما كتب بدء الحكمة تقوى اللـه ؛ ومعرفة الشريعة إنما هي العزم الصالح ؛ الأمانة تنتج العزم الصالح والعزم الصالح يولد أنْهار ماء حي ومن يقتنيه يشبع من ماءه.

بغير زيت لا يوقد السراج وخلواً من الأمانة لا يمكن أن يقتنى العزم الصالح لأنه قد كتب من يقصي الأدب يمقت ذاته، ومن يحرز التوبيخات يحب نفسه.

لا تتكردس بسرعة إلى الخصومة لئلا تندم في أواخرك، الاسم الممدوح مأثور أكثر من الغنى الجزيل، والنعمة الصالحة أكثر من الفضة والذهب.

بغير صبر لا يبنى البرج وبلا معرفة لا تقتنى فضيلة، ليس للصبر وزن يعادله إن أمتزج به التواضع، موهبة الصبر تعطى من الرب للذين يحبونه والذين يتمسكون بِها ينقذون من غموم كثيرة.

الجاهل يكثر أقواله ومن يشفق على شفتيه يكون فقيهاً، العابد العاقل إذا بعث في خدمة يذهب بزي جميل والذين يبصرونه يعطون للرب مجداً، والجاهل أو السكران يفضح زيه في القرى بقباحة فيخجل رئيسه وإخوته.

عدم التقوى يولد فكر الحداثة ؛ وخشية الرب تجعل الشباب شيوخاً، أكرم الرب ولا تفتن عالمياً، ماثل صموئيل النبي فإنه أرضى اللـه ونفع الناس، وأولئك الذين عدموا التقوى سقطوا بالسيف.

لا تعطي الشاب الجموح دالة ولا تطلق شيخاً أن يفعل أفعالاً غير واجبة فإن المتقي الرب يهتم بشعبه.

التورع والتواضع والمحبة تعلي رأس العابد، وفي أوان افتقاده يلمع شارقاً، بغض أو حسد مخبوء في ورع هو ماء مر في آواني ذهب فأطرح فيه عود الحياة فيحلوا لأن الماء حليت من العود فيضمحل منه كل اغتيال الغاش.

بصليب مخلصنا يسوع المسيح تضئ المحبة عين الذهن ومن يحب العداوة والمحك فذاك يضاهي من يدخل يده بمداومة إلى جحر أفعى.

الدودة في الخشب كالسبح الباطل في العابد وألم محبة الفضة في قلب الإنسان، لا تعلِ ذاتك لئلا تسقط وتجتلب لنفسك هواناً لأن الرب يعضد الورعين ويذل الخطاة إلى الأرض، من يعلِّ ذاته يصنع لنفسه هواناً، ومن يخدم قريبه بتواضع يشرف.

من يتحنن على قريبه في يوم حزنه يتحنن الرب عليه في كل حين لأن رحمة الإنسان كخاتم معه.

رُب إنسان إذا ما استولى على شيء يظهر رحوماً ووديعاً ثم إذا نال سلطاناً ينتصب نشيطاً يأمر ويوعز بلا تمييز فإن انتزعت منه الرياسة لا يستطيع احتمال الأوامر المأمور بِها منه فذلك كجاهل لم يعرف ضعفه.

يا أخي في كافة أعمالك تذكر أواخرك فلا تخطئ إلى الأبد، لا تعجب بكلامك ولا تتغطرس بل واضع ذاتك فإن طائلة المنافقين نار ودود.

أقتني خشية اللـه لترهبك الشياطين لأن الأشياء المصنعة دائماً باطلة، إن آثرنا كلنا أن نأمر ونترأس فمن هو المأمور والمطيع، إن اشتهينا كلنا الكرامة فمن يزرع الكرامة. الرجل الحكيم يستعفي من أن يأمر لا من أن يؤمر مكملاً وصية القائل:

من يشاء أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً ؛ ومن يريد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً ؛ كما أن ابن الإنسان ما جاء ليُخدَم بل ليَخْدُم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين.

إذ اُنصبت مديراً فلا تشمخ بل صر بين الإخوة كواحد منهم. كرر التفكر في أتعابك القديمة وأعرف أن أُولئك قد تصرفوا في مثل تلك الأتعاب ولا تتوانى بِهم بل أهتم فإنه قد كتب أن شرف الملك بالأمة الكبيرة، وبنقص الشعب ينصحق المقتدر.

الإنسان الطويل الأناة كثير الحظ في العقل والصغير النفس جاهل جداً، نصلي أن نؤهل لموهبة فإذا أهلنا لها نتهاون بِها، من يهتم بأخيه بتأديب الرب ووعظه تكون نفسه حسنة الرضاء عند الرب، ومن يتهاون بحياته يخطئ إلى اللـه.

لا تفرح بنقص أدب إخوتك لأنك لا تأخذ من الإهانة شرفاً ؛ ولا تحسد نجاح إخوتك فإن الكتاب يقول: ليس لي أعظم من هذا الفرح أن أسمع عن أولادي سالكون في الحق.

وقد كتب: أن الذين لا سياسة لهم يسقطون كالورق. والخلاص إنما هو في المشاورة الجزيلة، إن كان الأخ عالماً فلا تُحزن روحه إن سلك سلوكاً باراً لكن كما استبان ليعقوب وجه لابان السرياني هكذا فليبصر وجهك.

أفأنت تدعي عالماً فأعرف ذاتك من أعمالك لأنه كما أن الجسم بغير روح مائت كذلك العالم خلواً من العمل باطل، علامة السيرة أن الفضيلة في الشاب العابد هو الابتعاد من كثرة النبيذ ومن إكثار الكلام بتواضع.

ومن يحب هذين لا يكمل سيرة ذات فضيلة، لا تلزم أخاك أن يشرب خمراً للسكر وإن كان قد ذاقه في مدة من الزمان، لأن المركب يصلح للسفر زماناً طويلاً وإذا صدم لحظة فيكسر.

ولتحب نفسك شاباً وديعاً لكن لا تضع عليه ثقلاً يفوق طاقته كي تنجى بالرب نفسه وإذا ظهر رئيس الرعاة تأخذ إكليل المجد الذي لا يضمحل.

حصن بيتك من كل جانب ولا تسمح أن ينقب في بدء تحصنك أياه لئلا يدخل اللص من النقب فيسلب منزلك وتكون أنت سبباً لهلاكك.

أعطي المحتاج ولا تقل أنه لا يحتاج أهتم به لئلا تدان كالغير ودودين ولا رحومين.

فلنسمع يا إخوتي من القائل: إذ لنا قوت وكسوة فلنكتفي بِهما. فالذين يريدون أن يستغنوا يقعون في تجربة وفي فخ، وفي شهواتٍ كثيرةٍ غبيةٍ ومضرةٍ تغرق الناس في الفساد والهلاك لأن أصل الشرور كلها محبة الفضة.

بكل طاقتك أكرم أباك ولا تجعل فرائض الذي ولدك بالرب منقوضة فإنه بِهذه الحال لا يتقوى عليك الجن الخبثاء المتجبرون، واضع نفسك قدام الرب جداً فتجد نعمة فإن منازل الشتامين يقتلعها الرب وينصب عوضهم الودعاء.

ولا تعيرون إنساناً راجعاً عن الخطية ؛ ولا تشتم رجلاً في شيخوخته لأن الشيوخ شاخوا منا، ولا تتوانى عن عليل لأنه قد كتب: من يصم أذنه لئلا يسمع من المرضى يستغث ولا يجد من يسمعه ويسير ممقوتاً في مسكنه.

من يحمل قولاً من بيت إلى بيت فهو فاعل مخزي فالرجل العاقل يستعمل الصمت.

لا تدخل إلى قلاية أخيك قبل أن تقرع بابَها فإنه لا يوافق الاضطراب للصمت.

المدبر الفهيم يدهن نفوس إخوته بوعظ الرب وتعليمه والمتهاون يخسر، أمنح الشيوخ كرامة من أجل الرب ومن أجل أنَهم أوفر من الإخوة علماً، لا تلزم الشيوخ بالعمل فإنَهم قد سحقوا بالنسك بشرة حداثتهم، الضمير يكفي لمن يتقي الرب.

من يمكنه أن يعمل ويأكل باطلاً ليس بإنسان صالح إذ الرسول يقول: حفظت لكم ذاتي غير مثقل وأحفظ. وقد كتب الطوبى للرحومين فإنَهم يرحمون.

لا تظلم قريبك محتجاً بالمكان فإن الكنيسة ليست بالعُمْدَان بل بالناس لأنه قد كتب: ويل لمن يحتشد لذاته أشياء لم يكن له منها شيء فإن الذين يثلبونه ينهضون بغتة ويتيقظ عليه المغتالون ويصير لهم جدوى يختلسونَها.

من يبني منزله من الظلم إنما يبني لِذاته شهادة الهلاك لأن القديسين مقتوا كل طريقة ظالمة، عطب عظيم صبي في كنونيون ” شركة ” سيما إن كان ليست في الوسط سياسة وليس من يربي.

مغبوط من يرضي اللـه، الراعي الذي ينام خارج حظيرة الغنم لا يسبب لذاته خسارة يسيرة لأن فرح الذئاب رقاد الرعاة.

إن تواضع الأخ تحت يدك فأفطن أنه ليس من أجل خشيتك تذكر إذاً الرب وما صبر من أجلك ولا تسىء إليه، لا ترغب في ربح فيه خسارة للنفس لأنه ماذا أكرم من النفس قدراً.

عابد مسكين يسكن بتواضع أفضل من عابد موسر يتصدق بتكبر وتشامخ. لا تربطن ذاتك بعهد مع الأخ بل فليكن لك ألفة بمخافة اللـه.

يا عابداً أحذر أن تؤثر أن ترضي الذين يعقلون المعقولات العالمية فتضيع سيرة العبادة بل كن موسوماً بمخافة اللـه طول النهار.

العابد المتذمر يخسر كثيراً ومن يحتمل بأناة يرث الفرح.

لا تسأموا يا إخوتي فأننا لا نريد أن نكون في هذا العالم دائماً، كل ما يصنعه الإنسان من أجل الرب فهو ربح له لأن الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة واللـه يبطلهما جميعاً.

أيها العابد إن أصغيت إلى ذاتك فترحم ذاتك أولاً ثم تفرح الذين يحبونك لأن الحكمة تقول: يا ولدى إن كنت حكيماً فستكون حكيماً لذاتك ولقريبك وإن ظهرت رديئاً فتعرف المساوئ وحدك.

أيها العابد أفهم ما أقول لا يكن لك من خارج وفي القلاية هياج لئلا تشابه القبور المبيضة التي تبين من ظاهرها بيضاء ومن باطنها مملوءة عظام الناس والنجاسة لأن في كل مكان الإله الواحد الذي له المجد إلى أبد الدهور. آمين.

أطرح فكر الكبرياء قبل أن يذللك، أهدم فكر ترفع القلب قبل أن يهدمك، أحزن الشهوة قبل أن تغمك ؛ لا تعيرن أخاً لا جلوس له في قلايته لئلا تسقط في ألمه.

إن جلست مع شيخ كبير لا تحدث بفضائله فقط بل تشبه بسيرته لأن هذا نافع لك.

أيها العابد أطل أناتك على مبتدئك فإن الأشياء كلها مستطاعة عند اللـه.

المبتدئ الذي ليس له أتضاع ليس له سلاح بإذاء المعاند ومن هو هكذا يتهشم كثيراً.

من يشتهي راحة جسده يصطنع لذاته أوجاعاً كثيرة أما الطويل الروح فيخلص.

المدبر الفهيم لا يستحقر استماع مفاوضة المبتدئ مع من هو أعظم منه والعالم يستفحص تحرير كلام المبتدئ إلى من هو أكبر منه.

من يكثر أقواله في الكنونبون يكثر لنفسه خصاماً وبغضاً ومن يحفظ فمه يُحَب.

يا أحبائي جليلة هي الطاعة الصائرة من أجل اللـه ؛ فبهذا أعرف الطاعة التي يرضي اللـه بِها، الطاعة الصائرة من أجل اللـه هي مملوءة قداسة.

جاهد إلى الموت عن ذاتك ولا تستحي من سقطتك فقد يجتلب خجل خطيئة وربَّ خجل يتجلب شرفاً ونعمة.

يا حبيبي إن سقطت في مرض فأذكر القائل: يا ولدي لا تسأم من تأديب الرب ولا تنحل إذا وبخت منه فإن الرب يؤدب من يحبه ويجلد كل ابن يقبله.

مرض أخ في وقت ما وقال في ذاته: ويلي أنا الخاطئ أنني عازم أن أصارع هذا الألم. ولما صار معافى سقط أيضاً في ألم أخر أصعب من الأول، وقال ذلك القول أيضاً لكنه لم يظهر سريعاً ألمه لإنسان بل كان يطلب من الرب رأفةً ليهب له عافيةً من المرض وقوة من العلة.

إن أتى إليك روح الضجر لا تدع له مسكناً عندك بل قاتله بالصبر، لا يقنعك الفكر قائلاً: أنتقل من مكان إلى مكان فإنك إن تنازلت لهذا الفكر فلا تثبت في موضع قط، فقد كتب بماذا يقوم الشاب طريقه ؟ بحفظه أقوالك. بِهذا يخلص.

خاصة المتصرف مع إخوة بأن يقتني مخافة اللـه والعفة في نَهاية غايتهما اللتين منهما تتولد المحبة والفرح والسلامة والطاعة وطول الروح والمسك والصبر وكل المناقب اللائقة بالمسيحيين.

ويصير سريعاً إلى الاستماع بطيئاً في التكلم ممسكاً عن الغيظ لأن غضب الإنسان لا يصنع عدل اللـه ؛ ويكون بصيراً كمن لا يبصر إلى الأمور الغير نافعة ولا موافقة.

وسامعاً كمن لا يسمع الأشياء التي لا تغني ؛ ويجعل ذاته أدنى وأخر الآخرين فيجد راحة، لأن من يواضع ذاته يرتفع ومن يرفع ذاته يوضع.

إن بدأت أن تأمر بأمر ولا تتعب بقدر طاقتك فسيصير لك تعباً عند الأواخر لأن ليس كل وقت يهب هذا الريح نفسه لكن للرياح تغيرات وتنقل.

فلهذا نحتاج أن نعود ذاتنا على العمل لأننا لا نعرف ماذا ينتج اليوم الآتي ؛ فليكن قدام عينيك دائماً القائل:

لا تدينوا لئلا تدانوا لأنه بالدينونة التي بِها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.

لِمَ تبصر العود الذي في عين أخيك ولا تتأمل الخشبة التي في عينك أيها المرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر أن تخرج القذاء من عين أخيك ؛ وبلا محال أنك ستجد نعمة قدام الرب والناس.

لا تطلق لعينيك أن تطمحا ولا تتأمل تَصَفح جمالاً غريباً لئلا يتناولك معاندك بعينيك. لا تغاير سيرة المتوانيين بل سيرة المزينيين بكل فضيلة.

يا أخي لا تتعربس فإن الأشياء الصائرة خارج مخافة اللـه ليس فيها شيء أخر إلا لؤم وندامة، مغبوطة النفس التي تخدم اللـه بتحقيق فإنَها ستجد نياحتها من عند اللـه في أواخرها.

توني قليل ينتج خطيئة عظيمة، ويقظة يسيرة تسترجع خسارة كبيرة، أمر مفضل أن تأكل بالرب وتشكر له من أن لا تأكل وتدين الذين يأكلون ويشكرون الرب.

إذا جلست على المائدة فكل خبزاً ولا تغتاب قريبك لئلا تأكل لحم أخيك بالاغتياب.

لأنه قد كتب: “الذين يأكلون شعبي في إغتذاء الخبز ولم يدعوا الرب”.

إذا كنت معافى بالأمانة فكل كل شيء يقدم لك بالرب ؛ فإن قدم لك طعاماً ما لا تشتهي أن تأكله فلا ترده إذا كان أكثر الجلوس معك يريدون أكله ويشكرون الرب.

وإذا جلست على المائدة فكل أكلاً لائقاً بالإنسان ولا تحول نظرك حولك كمن لا أدب له.

قال أخ لست أستعفي للصون من أكل اللحم لأن كل ما يراه اللـه جيد وليس شيء نجس إذا أخذ بشكر لأنه يتقدس بقول اللـه والتضرع، لكن قد كتب لا يوافق للجاهل أن يتنعم.

وعدم أدب للعابد أن يأكل قرصاً صحيحاً والكسر موضوعة قدامه، لا تستحقر الكسر فإن الرب قال لتلاميذه أن يجمعوا الكسر التي فضلت لئلا يضيع منها شيء.

أيها الحبيب إن أنغلب أخ وأنصرف من موضعه وبعد ذلك ندم وأراد أن يرجع فلا تمنعه بل أولى بك أن تعزيه وتلاطفه ليعود لأنك لا تعرف ماذا ينتج اليوم الوارد ؛ فلا يجب أن تستحقر مثل هؤلاء كملعوب بِهم بل يجب بالحري أن تعتنق أمرهم أكثر من المعافين من المرضى.

إذا سكنت مع إخوة فلا تصر لأحدهم سبباً من أن يفارقهم لئلا تدان في ذلك العالم، وتحرز جداً من أن تقلق أحداً فلا تفرز من ملكوت السماوات مع صانعي الشكوك.

إن مرض أخوك فأتعب معه لتؤهل أن تسمع من الرب في ذلك اليوم: ” إذ قد صنعت إحساناً بأحد إخوتي هؤلاء الحقيرين فبي فعلته”. من يتوانى بعليل يغيظ من أدبه، ومن يشمت بسقطة أخيه سيسقط سقطة مذهلة.

لا تقل اليوم أخطئ وغداً أتوب ؛ لكن الأوجب أن تتوب اليوم لأننا لا نعلم إن كنا ندرك الغد.

يا أحبائي إذا أخطأنا فلنتب فإن الرب يقبل توبة التائبين بالحقيقة، أيها الأخ لا تقل أن هنا قتال وضيقة وهناك راحة وعدم هم، من هو الذي يقاتلنا إن كنت تعرف ؟ أليس هو عدونا المحال.

أسمع منذ الآن ماذا يقول في خبر أيوب ” قال الرب للمحال: من أين أقبلت؟ حينئذ قال المحال للرب: من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها”.

فأعرف أن الشيطان موجود أينما مضيت وأثبت إذاً في المكان الذي دعيت إليه وناصب المحال فيهرب منك، وأقترب إلى اللـه فيدنوا منك.

من يحب الذهب لا يتزك ومن يحب الرب يبارك، من يتوكل على الذهب يسقط ومن يتوكل على الرب ينج.

الويل لمن يدخله عدم الأمانة وفقد التقوى ونقص الرأي وقلة المعرفة والجهالة والوقاحة فسيكون حظاً للثعلب.

مغبوطة النفس التي تسكن فيها خشية اللـه، من لا يرضى أن يخدم سيداً واحداً سيخدم كثيرين، ومن لا يحتمل أن يخضع لرأس واحد سيخضع لكثيرين في أماكن متباينة، من لا يثبت في عمل صناعة واحدة سيتهشم في أعمال مختلفة.

من يزين ثيابه يضر نفسه ؛ لأن الثياب الجزيلة أثمانِها تعيب نفس العابد والثياب الحقيرة تنفعه.

إن الكبرياء والجسارة وعدم الحس وفقد الخجل وعدم الإفراز تعيب العابد عيباً خبيثاً. عيب العابد العين الطامحة لأن العابد الطامح يجمع أوجاعاً كثيرة لمن يتبعها.

إن لم تمسك من أن تطمح بعينيك فلا تشق يمَّ العفة مستوية، عيب الرجل أن يسكر بالنبيذ رأيت كثيرين ولم أشبههم به.

العابد المفتخر بقوته سيفه أول خزيه وعاره أن يفتخر بقوته لأن المفتخر ينبغي بالرب أن يفتخر.

الجاهل في الضحك يعلي صوته، وأجهل منه من يمشي ويحرك كتفيه وساعديه معاً تحريكاً بتألم.

وعلامة نقص الأدب في العابد أن يرفع جانب مزرته الأيسر رفعاً بألم، العابد المتأدب يتورع في كل شيء.

الألم المبوق في الإنسان يعوده أن يحلف بفمه، لا تجعل لفمك عادة الحلف لئلا تتكاثر جهالتك وعوض العدل تجمع لذاتك خطية.

شرف العابد أن يتقي الرب ويحفظ وصاياه، شرفه أن يواضع ذاته للكبار والصغار، شرفه الإفراز والتواضع، مجده عدم الحقد والصبر والتيقظ في كل عمل صالح.

لا تحتقر شيخاً إن أراد أن يجىء إلى تعب العبادة لأن الرب لم يطرح الذين عملوا من الساعة الحادية عشرة ؛ فانك لا تعلم إن كان إناء مختار.

إن أحببت الكبرياء فقد صرت من حظ الشياطين، إن أحببت التواضع فقد صرت من حظ السيد المسيح.

إن اقتنيت الفضة ستنصرف من هنا فارغاً، وإن أحببت عدم القنية فلا تعدم الغنى السماوي.

إن أخفيت في قلبك ألم الحقد فقد صرت خزانة للغضب وعدم المعرفة والحزن ويستحيل منظر وجهك لأنه قال: إن طرق الحقودين مؤدية إلى الموت. الرجل المترفع الرأي يحزن كثيراً والمتواضع يفرح بالرب كل حين.

استعلاء الرأي يبتغي في كل حين إكراماً وتواضع الذهن لا يشمخ ولا يحزن من هوان لأنه ينتظر الثواب من اللـه.

من يخفي في قلبه حقداً يشبه من يربي حية في حجره.

لا تعطي قلبك حزناً لأن حزن العالم يصنع موتاً والحزن الذي من أجل اللـه يصير سبب حياة دهرية.

يا حبيبي أطلب الرب بكل قوتك لتخلص نفسك ؛ ولا تسكن الرذيلة في قلبك، وكما أن الحاجز يرد نَهضة المياه هكذا الرذيلة ترد المعرفة من القلب.

إن ابتغيت العدل تأخذه وتلبسه مثل تاج الشرف، العابد المشتبك بأمور العالم يخسر كثيراً، ومن يصبر في الأتعاب النسكية لن يخسر أصلاً.

من يعطف فكره إلى الأشياء العالمية بعد زهده ومفارقته إياها فلا يفضل شيئاً على غيره، ومن يظن أنه يلعب بالأمرين جميعاً فإنه يخادع ذاته لأنه قد كتب أن اللـه لا يخادع. لأن الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد.

يا عابداً لا تجل بنظرك في شوارع المدينة ؛ ولا تطف في أسواقها لئلا يلتقيق عارض قتزلق نفسك إلى الهلاك.

التشامخ يعمي عين الذهن ؛ وأما التواضع بالمحبة فيضيئها ؛ لأن الرب يعلم الودعاء طرقه.

يا أخي لا تتورط في حمأة الطين، وأبعد ذاتك من إنسان سالك في عدم التقوى.

ردىء للرجل أن يتوكل على ذاته ؛ ومن يتوكل على الرب يسلم، من يزين ثيابه وينظفها متكبر، المتكبر نسر بلا جناح، المتواضع ساعٍ خفيف ومثل رامٍ يصيب الإشارة.

كما أن الحديد يدق كل شيء ويضمره هكذا التواضع الذى من أجل اللـه يفني حيل العدو ويبيدها.

كما أن البوق للبوقي والسلاح للجندي هكذا هو التواضع للعابد.

أيها الأخ بادر أن تدخل مختاراً في الطريقة الضيقة قبل أن تدخل قسراً فيما هو أضيق منها.

فخر الإنسان العالمي أن يطوف متنزهاً، وفخر العابد أن لا يعبر فكره أسكفة بيته.

أسمع يا حبيبي إن المجاهد إذا جاهد يطبق فمه ؛ فأطبق أنت فمك من الأقوال الزائدة فتكون لك راحة.

قيل من يجد الحكمة هو عظيم الشأن لكنه لن يفوق المتقي الرب.

المبتدئ شيء عظيم لكنه ليس مثل الصبور.

المحل الأول جسيم لكنه ليس مثل من يتمم.

لا تحب الراحة البشرية لئلا تجد فيها خسارة روحانية.

لا تفحص عن الأمور التي ليست لك لئلا تضيع التي لك.

لا تكد ذاتك في عمل لا حد له لأن كل الأشياء التي تعمل بحد وترتيب نافعة حسنة.

من لم يقتني مخافة اللـه في قلبه ولو أكل كل يوم لبناً وعسلاً لا يستطيع أن يسكت.

الإنسان المؤمن يحتمل بشهامة، أثبت في نير الرب الصالح لتفلت من نير هذا العالم الفاقد الصلاح والثقيل.

لا تداوم المضي إلى قلاية أخيك. إن كان لك كتاباً نافعاً وسمعت أن أخاً يريد أن يستعيره فأعطيه إياه بلا حسد.

وإذا استعرت أنت هذا الشىء يا حبيبي فأحفظه باهتمام وأدفعه إلى صاحبه بسلام.

أن استعرت من الكنونيون كتاباً فلا تطرحه في قلايتك متهاوناً به بل أحفظه وأطبقه باهتمام بما أنه شيء للـه.

الجسور يُخجل رئيسه وإخوته ؛ والعابد الحكيم يتورع.

النسك يذيب الجسد وكثرة الأكل يكثف الذهن.

لا يكمل ترتيب العمل بغير حزن، إذ يعطى العابد صبراً في قلايته ؛ لكن مخافة اللـه ؛ وذكر الموت ؛ والتعاذيب ؛ والعمل ؛ والصلاة ؛ ودراسة الكتب الإلهية ؛ أفضل من أن يفني الساعات ويشتغل بالكلام الباطل الذي منه تتولد الوقيعة.

لا تجرب أخاك باختلاقك أقوالاً مضحكة لئلا تُدفع إلى الشدائد لأنه قد كتب من يماحكك بأقواله لا يسلم من أن يجعل ذاته ممقوتاً برداءة عقله، ومن يحب الذين يحبونه أي ثواب له إذ الرب يقول ” أليس العشارون والخطاة يعملون هذا الأمر بعينه “.

الإنسان الجاهل يقلق نفوس الإخوة، والطويل الأناة يتقي الرب بمحبة.

لا تستثقل بالتعب الشبابي، ولا توافق شيخاً لا فهم له، الشيوخ الفهماء هم بعد اللـه عصمة الإخوة.

إن مسك العينين والبطن واللسان هما تقويمة عظيمة.

الإنسان المتزايد في الرحمة يتلألأ كالمصباح.

كمن يكنز لنفسه خيرات هكذا من يمدح قريبه في غيابه.

أتقِ الرب فتجد الخيرات.

لا تسلك مناهج الخطاة بل أقتفِ طرق الصديقين.

إن أحببت طريق العدل ستجد الحياة الدائمة.

إن أحببت الصمت ستقطع سير مركبك بسكون.

إن أحببت السكون صرت محبوباً من الكل.

إن رددت عينيك لئلا تبصر أشياء غرارة ستجد أفكاراً نقية.

إن ثبت على المسك والحمية فقد ألجمت شيطان الزنا.

إن أحببت المسكنة فقد طرت شيطان محبة الفضة.

من يكنز ذهباً في قلايته إنما يكنز آلام استعلاء الرأي وعدم الطاعة.

من يخزن لذاته صلوات وصدقات يستغنَ لدى اللـه.

إن قوماً آخرين اكتنزوا لذاتِهم أموالاً ؛ فأنت أخزن لنفسك صلوات وصدقات.

آخرون يفرحون بالأصوات والأغاني الموسيقية ؛ فأفرح أنت بالترنم والتهليل وبالتمجيد للرب.

آخرون يسرون بالبطر والسكر ؛ فأجذل أنت بالمسك والقداسة.

آخرون يطربون باللذات ؛ فأفرح إذا صنعت مشيئة الرب.

آخرون يسرون بشرف فارغ ؛ فأبتهج أنت بالرب الذي أعد لك وللذين يحبونه إكليل المجد.

الإنسان المحب للمسيح هو برج لا يحارب، والتام في المحبة هو سور لا ينقب.

إن أردت أن تدرس ماشياً فأدرس صامتاً فيهرب السبح الباطل.

جيد هو تقويم من يغلط ولا يضحك عليه.

الرياح القبلية تخبط البحر ؛ والحمق يزعج فكر الإنسان.

الطويل الأناة يطرد الغضب ؛ وحيث يوجد غضب فقد سكن الغيظ.

يا حبيبي إن لم تشأ أن تبني فلا تنقض المناقب المبنية. إذا لم تريد أن تنصب فلا تقلع الغروس المنصوبة.

يا أخي إن لم تشاء أن تسكت فلا تقلع رأي الذين يسكتون.

يا أخي إن لم تريد أن ترسل للرب تسابيح فلا تبطل الذين يسبحون.

الغني إذا تكلم يصمت الكل ويرفعون كلامه إلى السحب ؛ واللـه يخاطبنا بالكتب المقدسة فلا نريد أن نسكت ونسمع لكن واحد يتكلم وأخر يتناعس وأخر تجول أفكاره خارجاً، فماذا يقول الكتاب ؟ ” من يرد مسامعه لئلا يسمع شرائع العلي فصلاته ترفض “.

المتواني يستعجل في الصلاة ليسمع آمين، والمتيقظ إذا صلي لا يضطرب، فليكن بعيداً منا المقول بالنبي: ” أنت قريب من شفاههم بعيد من قلوبِهم “.

لا تُقلق أخاً ولا توافقه في خطيئة لئلا يسخط الرب عليك ويسلمك في أيدي الأشرار.

الطوبى للإنسان الذي لا يفتن على قريبه ولا في أمر واحد من الأمور فإن ثوابه كثير في السماوات.

من يتجسس بلا تمييز ولا إفراز يشكك كثيرين.

إن لم يضع الإنسان أولاً خطاياه بين عينيه في كل موضع فلا يمكنه أن يسكت.

الطوبى لمن يبتدئ بسيرة جيدة ويكملها بمرضاة الرب فقد كتب: ” من يكرم أباه يسر بأولاده وفي يوم صلاته يسمع منه “. من يشرف أباه تطول أيامه وفي يوم وفاته يجد نعمة، أكرم أباك بالقول والفعل لترد إليك البركة منه، لا تتشرف بإهانات أبيك فلا يكون لك من الهوان شرفاً.

إن شرف الإنسان إنما هو من إكرام أبيه، وعار الأولاد أم ذات هوان.

أيها العابد عوض والديك بالجسد لك من ولدوك بالرب وبالروح ؛ الذين يرشدونك إلى الحياة الدهرية.

يا أخي أسمع القائل: يا ولدي تمم أعمالك بوداعة فتُحب من الإنسان المقبول، بمقدار ما أنت عظيم بمقدار ذلك واضع ذاتك فتجد لدى الرب نعمة لأن قدرة الرب عظيمة، ومن المتواضعين يشرف ويمجد، مصيبة الكبرياء ليس لها شفاء لأن نصبة الخبث قد تأصلت فيها.

ثلاثة أنواع تكثر الضلال والغرور والرابع ليس صالحاً:

( 1 ) عدم الطاعة للشاب.

( 2 ) وشيوخ يحسدون نجاح الشاب.

( 3 ) والمتورع إذا جنح إلى الأشياء الظالمة.

( 4 ) والرئيس إذا أحزن نفوس الإخوة بغير معرفة.

أربعة أشياء تكنز شرف المناقب والخامس صالح قدام اللـه والناس.

( 1 ) ألفة الإخوة بوداعة وعدل.

( 2 ) وأخ يعظ أخاه بمخافة اللـه.

( 3 ) وشاب يخضع للشيوخ مثل أسياد له.

( 4 ) ورئيس يحب إخوته كما يحب ذاته.

( 5 ) ويهتم بخلاص نفوسهم.

بالحقيقة إن الكبرياء رديئة للرجل، على كل حال يا حبيبي لا تحب الكبرياء فليست فيها منفعة، كل ألم إذا أُهتم به ينال البرء أما ألم الكبرياء هو شر صعب الشفاء لأنه يطرح دواء البرء ويركب لذاته سماً قاتلاً لا يوجد في عبيد السيد المسيح.

فخر العابد الكلام الصادق المرتب حسناً، ومن يحب المزاح والخلاعة فهو جاهلاً.

عيده حفظ وصايا المسيح وعزاؤه اجتناب فعل الشر، فرحه السفر إلى الرب، وفخره مخافة الرب.

ما أمكنني أن أشارك فلسفة العالم بل أسأل الرب أن يمنحني نعمة مع غفران الخطايا أفضل من الزبرجد والياقوت، وأجل قدراً من خوابي مملوءة ذهباً، وأرفع سمواً من كثرة علم هذا العالم.

أشكرك أيها الرب فأنك لم تعدمني طلبتي ولم تعرض عن ابتهال عبدك العاطل لأنك أنت هو رجاء اليائسين ومغيث الذين لا عون لهم.

فليكن اسم عظمتك مباركاً

إلى دهر الدهور

آمين

المقالة السابعة

حكم

أيها العابد أسأل الرب أن يمنحك المواهب اللائقة بميعادك فيعطيك ربوات ضعف ما سألت.

بغير ماء لا يبنى برج وبغير معرفة لا تقوم فضيلة، رأينا شاباً يعزي شيخاً ويلاطفه بمعرفة فأعطينا به المجد اللـه.

أيها العابد لا تمضي وراء شهواتك وأمتنع من أمانيك، إن وسعت على نفسك بما تتمناه من الخير العالمي فقد جعلته شماتة للأعداء، من يسمن لحم جسده إنما يرى شهوات رديئة والأفكار القبيحة لا تزول من عنده.

أضعف جسدك وعبده لئلا تصير منفياً، أعمل الخير به فتثمر للـه وأنت تتصرف مع الإخوة، أتشاء أن تجد نياحاً أرتضِ بمائدة الإخوة العمومية فتكون شفاء لجسدك واهتماماً لعظامك ونفسك لا تخسر.

فإن بذلت عينيك لمعاينة البرك والأقداح ؛ ستنوح أخيراً ملدوغاً من حية، إن رأيت إنساناً ورعاً ماسكاً بيده أطعمة فلا تدينه بذهنك لأنك لا تدري لمن يقدمها.

أهتم بالصنعة الباطنة ولا تزين حائطاً لا ينفع لأن زخرفة القلاية لا تمنح لك صبراً، فلنطلب الأمور الكافية حاجتنا فإن الأشياء الزائدة والمسببة لنا تجاذب الذهن غير نافعة، العاجز يحتج ويقول: أنا اليوم ساكن هنا وغداً أنتقل ولماذا أتعب.

ضع في عقلك مثل مطرقة وسنديان مقدم أفكار قلبك ولا تسرع في عمل المنفية منها، من يشمت بسقطة العباد حسناً فذاك سيسقط سقوطاً مضاعفاً، ومن يسترجع إنساناً من ضلال طريقه يخلص.

إذا أخطأ أخونا نوبخه بتلذذ وإذا أُدبنا لا نقبل التوبيخ بلذة، يا أخي لا تكن مع المحال بل بالحري كون علية، أتخذ يا أخي الأدب منذ حداثتك فتجد في أوان الشيب فطنة وفهماً، المستعد يحتمل بشهامة العوارض ومن بغض جزء من الحزن يحزن كثيراً، من لا يتوقع المحنة يحزن حزناً وافراً.

تسليم المنزل من التواني والتواني شيء ردىء، أما اليقظة فتسبي السابين، ببطلان اليدين يكف البيت وإذ لا يشاء من فيه أن يقيم يهرب منه.

العابد العاجز الذي لا يغلق باب قلايته البراني يتكسر من تحريك الرياح إياه، والمتيقظ يكون بغير لؤم، من يلجم عينيه يستر نفسه ومن يطمح بِهما يعبي لذاته ثقلاً لأنه زعم أن طموح الشهوة يضل عقلاً ساذجاً.

إن كنت باختلاس أطلقت عينيك إلى الضلال والغرور فأغمض نظرك سريعاً لئلا تسقط في المجامعة القبيحة، وفي حال حرارة جسدك لا تمسه لئلا تضرم الحرارة جداً.

الطوبى لمن قد غلب كل شهوة بشرية، ردىء أن ينمو فكر خبيث في النفس يينع كالعشب في مسكبة البقل، أيمكن لجزيرة في بحر أن تجعل الأمواج ألا تصدمها سوى كونِها تقدر أن تناصب بِها، كذلك نحن لا يمكننا أن نقطع ورود الأفكار لكن يمكننا أن نناصبها.

ولعل يقول إنسان: فكيف تنغلب النفس وقتاً ما للأفكار ؟

الجواب: لأن النفس لا تناصبها بل تركتها أن تدخل إلى باطنها، فإذا وجدت بعد ذلك مرعى ففي طرفه تحل انتصاب النفس وتحطمها.

أربعة آلام بصعوبة تقبل الشفاء: (1) محبة الذات. (2) محبة الفضة. (3) السبح الباطل. (4) أثرة الرئاسة. وهذه لا تقول حسبي لكن لا يصعب على اللـه برء واحدة من هذه.

أقتلع الألم قبل أن يتأصل فيك، وقبل أن تغرس عروقه أسحب أصله من أسفل قعر الحفرة وأقتلعه، فإنك إن أهملته يعرق فيك أصلاً يستأسد عليك.

المصلي بتيقظ يحرق الشياطين، ومن يصلي متنزهاً متلفتاً فهو مغلوب منهم.

من ينقاد لشهوته وللذات الأفكار سريع الانقباض، ومن يحتم ويمسك ينجُ.

عدم الأمانة تنتج رخاوة النفس، ورخاوة النفس تنتج التواني، والتواني ينتج النسيان، والنسيان ينتج الغفلة، والغفلة تنتج اليأس، واليأس يولد الموت.

من أين تستأسد “تصير كالأسد” الآلام وتترأس علينا؟ أليس من توانينا.

لا تستعبد من أعطاك ولا تجعل أعضائك تتمرد عليك وتغتصبك، أعمل بِها الخير لا الشر فتكون قنية مكرمة لسيدك.

علامة النفس الوانية كونَها لا تسمع الكتب بتلذذ، والنفس المتيقظة تقبل الأقوال الإلهية كأرض ظامئة إلى المطر.

المفرش الوطيئ يربي النوم وينميه، وعدم تقوى اللـه يقويه، ألك خروف لا تحبس معه ذئباً، والأمر الذي يحاربك به العدو لا تدخله إلى بيتك فإن أدخلته إلى بيتك فلا تتراخى للفكر لكن ضع مخافة اللـه بازاء عينيك لئلا تقهقه عليك أعداؤك.

البيت المبني على الرمل لا يثبت ؛ ونسك ممزوج باسترضاء الناس لا يثبت ولا يدوم.

من يعمل بخشية اللـه لا تخسر أخرته، لا تجلب مناجاة غريبة في وقت الصلاة.

يا أخي إن قمت لترتل للـه أفتح فمك لقول اللـه نظير القائل: أرتل لإلهي ما دمت موجوداً. لئلا تناجيك أفكار غريبة فتزعج ذهنك وتكدره لكن رتل بالروح ورتل بالعقل.

الدموع في الصلاة موهبة عظيمة والانقياد مع الأفكار الشيطانية هو نظير الموت ومساويه.

قلب يتكردس من المعقولات السماوية يربطه الشيطان بالأمور الأرضية ويكتفونه بِها.

إذا تَهاونت بالأمور البالية تأخذ الأشياء التي لا تبلى.

على الجثة تجتمع النسور وعلى نفس يائسة من ذاتِها تجتمع الشياطين ؛ لأنه أينما تكون الجثة هناك تجتمع النسور.

أيها الحبيب فليكن عقلنا فوقاً فإن من بعد مدة يسيرة ننصرف من هنا والأشياء التي قد جمعناها لمن تكون.

كما يطرد الدخان النحل هكذا تطرد الرذيلة المعرفة.

لا يفرح أحد بالعدل لكن بالاحتشاد، ولا أحد يسر بأنه لم يظلم قريبه بل يسر إن أبتاع بشىء يسير أشياء كثيرة.

أمام الرعد يبرق البرق وقدام الغيم المتكاثف يجتمع كل طائر متسارع، وبأكله طُعم الفخ يسلم ذاته للذبح، وغيظ الإنسان يسبب له سقطة.

السبع يصطاد من أجل جوفه، والنهم البطن يتهشم من أجل لذة البطن.

الفرس الصعب الرأس يدفع صاحبه إلى يد الأشرار، والإنسان الصعب العنق يسقط في الأسواء.

في أوان الثلج يقتفى أثر الصيد، وفي وقت التجربة يقتفي العابد الشيطان، دربة العابد تستبين في المحن.

أجتهد أيها الحبيب أن تقتني الإفراز الذي فيه فضائل سيرة العبادة مكنوزة، فما ترجمة الإفراز سوى أن تحفظ رفيقك بلا شك ولا اضطراب، وأن تتكلم بأقوال مهذبة مفضلة مؤدية إلى الخلاص.

أتريد أن تكون عظيماً صر أخِر الجماعة، أتشاء أن تقتني اسماً صالحاً جهز أعمالك بوداعة، أتقي الرب بالحقيقة ليصير حظك حسناً في أواخرك فإنه يشرف الذين يتقونه.

أيها العابد لا تخضع للجسد ؛ ولا تكمن لأخيك ؛ وتصنع له اسماً ذا تعيير مريداً أن تطرده من مكانه بخزى لئلا تتكبد الأشياء التي تآمرت بِها على رفيقك، لأن من يحفر هوة لقريبه يسقط فيها ؛ ويسمع المكتوب: يسقط الخطاة في شركهم.

ويتم فيه ذلك القول: كل الذين يريدون أن يعيشوا بالمسيح بتدين حسن يطردون.

يا أخي لا تحتج قائلاً: أن الأخ فرزته الجماعة. لا تعمل بإنسان آخر سوءاً، ولا تشارك من يعمل الشر فإن الرب يفحص القلوب والكلى.

إن خرج أخوك من الدير فلا تترفع عليه في ذهنك، ولا يكن مستحقراً في عينيك فإنك لا تعلم ماذا ينتج اليوم المقبل، أسمع القائل: من يظن أنه واقف فليحظر ألا يسقط. وأيضاً ليس من يبرهن عن ذاته هو المهذب بل من يبرهن اللـه عنه.

لأن كثيرين ارتأوا أن يتقلدوا ويترأسوا فصاروا أقصى بعداً من المقصين، والميئوسين منهم أخذوا نعمة، لأن اللـه يناصب المتكبرين ويعطي المتواضعين نعمة.

إن رأيت رجلاً لا يستمع ولا يتمسك في ذاته وهو متكبراً ويعد نفسه حكيماً فاضلاً هذا نصفه أنه مائت إذ لم يتقبل الدسومة الصائرة من مخافة اللـه، وإذا أبصرت إنساناً هادئاً ومتواضعاً فأعلم أن أصله سيثبت لأنه مسق من دسومة مخافة اللـه.

يا إخوتي إن كانوا رؤساؤنا ليسوا حاضرين هنا لكن الراعي هو بيننا، لأن صادق هو القائل: أينما يكون اثنين أو ثلاثة مجتمعين باسمي فأنا هناك بينهم.

فلنصغ إلى ذاتنا يا أحبائى، مستقبح للعابد أن يضع يده على إنسان، ومن يَرحم يُرحم.

إن أعطيت أخاً عملاً فعملاً جيداً تكمل إن أعطيته أجرته بمحبة اللـه لأن من الورع أن لا تضر رفيقك.

من وجد طريق طول الأناة والحلم فقد وجد طريق الحياة.

الإنسان المسامح يعمل في اليوم المشهور ولا يتزعزع في عمله.

عصفور يستدعي عصافير إلى القفص، والخاطئ يستدعي نظيره إلى الشرور.

أيها العابد أستعفِ من أن تكون مع الذين يحبون البطالة ولا يرتضون السكون.

أهرب من المحبين مجالس الشرب القائلين: أعمل أنا اليوم وتعمل أنت غداً فإنك إن تنازلت لهذه الأقوال فلا تقوم سيرة ذات فضيلة.

لكن ماثل الحارين بالروح السالكين في الطريقة الضيقة والمحزنة لتدرك الحياة الخالدة، لأن الطريق العريضة الواسعة ترشد السالكين إلى الهلاك.

العابد السئوم الضجور إذا وافاه فكر ما يغلق باب قلايته ويدور هنا وهناك كمركب لا رجل له. فأما الجالس بصبر فلا ينقاد مع الأفكار الباطلة.

من يحسد أخاه على نجاحه يفصل ذاته من الحياة الدائمة، ومن يؤازر يكون شريكه.

فإن الذين يسعون مع فاعلي الأفعال الطالحة لا يتبرءون لأن الحكم يعذب الفريقين جميعاً، ألا يليق بالرب أكثر أن يعطي ثواباً لمن يساعد في عمل مسرته، وقد كتب: أحزان الصديقين كثيرة ومنها كلها ينجيهم الرب، وكثيرة جلدات الخاطئ وموت الخطاة شرير.

ليست هذه فضيلة أن تُشتَم فلا تحس، بل الأفضل أن تتفهم وتطرح المساوئ بتدين حسن لأنه قد قال: إن العاجز إذا عُير لا يخجل.

فرأي حسن أن تقطع الغضب بالتبسم أفضل من أن تتوحش متنمراً بلا استئناس.

الإنسان الحكيم يستلذ البكاء أكثر من الضحك، من يعطي لفمي حياطة ولشفتي خاتماً لئلا أهفو بِهما فيهلكني فمي، يا سيد حياتي لا تُهملني في رأيهما ولا تتركني أن أسقط بِهما.

أنت يارب قلت: من أقوالك تتزكى ومن كلماتك تدان. إن كان النبي قال: إن عدلنا كله وبرنا كخرقة امرأة معتزلة. فماذا أقول أنا المولود بالخطايا؟ فالآن يا سيدى أعلق كافة رجائي برأفتك، فاغفر لي أنا الخاطئ، ولا تعطيني طموح عيني، وصُد عني الشهوة الرديئة.

أيها الحبيب لا تصدق المنامات الخداعة فإن كثيرين أضلتهم وسقطوا إذ توكلوا عليها، لأننا إلى أى مقادير بلغنا حتى نعاين مناظر الملائكة.

التواضع نجاح عظيم وشرف مجيد ولا سقطة فيه، علامة تواضع القلب أن تعمل بكلتا يديك في كل حين حاجة الأخ وتقبله كذلك.

الذي يطلب أن يرث والديه بالجسد يقع في تغلبات تجاذب ذهنه ومن يتقي الرب ينج، لا تقل فإن شخت فمن أين أغتذى لأننا لم نؤمر أن نَهتم من أجل الغد أفتهتم من أجل شيخوختك، فاطلب ملك اللـه وعدله وهذه كلها تذدادها.

هو قال: قد علم أبوكم السماوى وعرف الأشياء التي تحتاجونَها قبل أن تطلبوها منه، إن لم تطلب الأشياء أولاً فيكون أمرنا ظاهراً أننا لا نجتهد من أجلها، ألق إذاً همك على الرب فهو يعولك.

إن كان في يدك شيء يسر الرب فأهتم به كمزمع أن تعطيه عنه حججاً وحساباً، من يرحم المسكين يشبع من الخيرات، ومن لا يرحم يغلق أمامه الخدر السماوي.

كل من يتكل على إنسان لا يعاين الخيرات، ومن يتوكل على الرب يسلم.

لا تكن فظاً خشناً بلسانك فإن فم الصديق يقطر نعماً ومنحاً.

الأطعمة الكثيرة تكثف الذهن والمسك المعقول ينقيه.

تأمل وتوق محادثات النساء، أحذر يا حبيبي لئلا بحجة قلنسوة أو إسكيم أو بأحد أنواع اللباس تصاد نفسك فإن مكائد المحال كثيرة، الأفضل أن تلبس عتقاً بالية وتقتني بنفسك مخافة اللـه من أن تلبس لباساً بَهياً وتسلك سلوكاً متدنساً.

من يحفظ الوصايا يحب نفسه ومن يتهاون بِها يخسر نفسه.

الرجل السكير والغضوب يقلق نفوس الإخوة وتعيره معه دائماً.

ضع على الجرح مرهماً وعلى الشاب تورعاً لا رياء فيه.

الشاب يعود مصفراً مقفراً إذا أتبع فكره ولا يقبل وعظ المجربين.

ضلالة رديئة للشاب عدم الخضوع ؛ والطاعة بالرب ستر عزيز.

الرجل المتكبر والغير مطيع يرى أياماً مرة، والمتواضع القلب والصبور يسر بالرب كل حين.

فائدة عظيم خطرها أن يوجد إنسان صبوراً ومتواضعاً فلا يوجد شيء يوازي جماله.

لا ترادد الحق مجاوباً وأخجل من عدم التأديب.

لا تخجل أن تعترف بخطاياك ولا تقل قد أخطأت فماذا أصابني فإن الرب طويل الأناة، لا تتباطأ أن تعود إلى الرب ولا تدافع يوماً بعد يوم اذكر أن الرجز لا يبطئ.

لا تكن يدك ممدودة إلى الأخذ ومقبوضة عن العطاء، العاقل يحصن ذاته بالمحبة والجاهل يكنز لذاته البغض، من يترفع على أخيه تلعب به الشياطين، لا تحتقر إلى الأبد أخاً لأنه قد كتب إن أمراء كثيرين جلسوا على الحضيض ومن لم يتوهم شيئاً لبس التاج.

كن مستبشراً بالعدل مقطباً بازاء الخطية، سقم النفس أثرة الشرف أما السبح الباطل فهو ألم خبيث.

إذا خرجت من قلايتك في خدمة فأرصد حواسك وصنها لئلا تجمع لك الأفكار قتالات واضطرابات، فإنه قد قيل القنية التي لا سياج لها تختطف، والإنسان الذي لا صبر له يتنهد سريعاً مخدوعاً.

العاجز يجمع لذاته حججاً كثيرة والنؤوم يسقط في الأسواء.

المحب القنية هو نخلة غير مثمرة، والعادم القنية كالنخلة المثمرة يتسامى إلى العلاء.

المحب الهيولي يضاهي طائراً يطير وقد أخذ في رجليه سيراً وأينما جلس يلتف عليه، والذي لا هيولي يشابه مسافراً متشمراً.

كثيرون يظنون بذاتِهم أنِهم عقلاء ولا يستطيعون أن يفطنوا، إن الفهم الذي يظنونه يجلب لهم خسارة النفس، لا تكون حكمة ولا توجد فطنة ولا رأي صالح في نفس تمقت مخافة اللـه.

الحكمة بالحقيقة أن تعمل كل شيء كما يشاء اللـه.

الخلق الحلو يكثر الأصدقاء، والمحب للرب يحفظ وصاياه.

أكرم الأخ بحضرة معارفه فتكون قدام الرب مكرماً.

القهرمان الأمين يربح نفوس إخوته وعزم الحقود يشتتهم.

الخازن التقي العاقل يوزع الأنصبة بالعدل ؛ والخازن الجاهل ينشئ الخصائم.

الذي لا يشبع لا يرضيه الأمر المقسط بالحق، واللبس يسبب الهيوج، والمتقي الرب يجلب صمتاً.

القهرمان السكير يحط من شرفه ؛ والماسك والوديع والمتواضع القلب ينجح في الشرف.

لا تحتج عن ذاتك بمرض وأنت معافى لأنه قد كتب: وأعطاهم شهوتَهم وبعد ذلك صرعهم.

لا ننكر يا إخوتي نعمة الرب الذي رزقنا القوة لنعمل بِها الخير لكن إذا عملناه بِها فلنشكر الرب كل حين.

من يضحك على قريبه كمن يغتابه والاغتياب مبغض عند اللـه والناس، ومن يغظ قريبه يستنهض غضبه والمصلح مغبوط لأنه يدعى ابناً للـه.

أكرم الشيوخ من أجل الرب ؛ والشاب المعوز تألم معه ؛ فتأخذ من الرب الثواب، فقد كتب لا تعملوا للطعام الضائع بل أعملوا للطعام الباقي في الحياة الأبدية، فلتعمل يداك الخير لتعطي المحتاج، وليكن قلبك إلى اللـه كل حين فتكون عاملاً للطعام الباقي لا الفاني.

أيها الأخ أعمل ولا تسترح فإن البطالة قد عملت رذيلة كبيرة.

المتذمر يخسر كثيراً، والمحتمل بشهامة يجد في أواخره مسرة.

الخادم العاقل لا يتوانى في عمله، والمتقي الرب لا يشكك إخوته.

أيها الحبيب أتَهرب من الذين يرشقون الجسم ؟ فالأليق أن تَهرب من الذين يرشقون النفس.

وتَهرب من حية تلدغ الجسد ؟ فالأولى بك أن تَهرب من المرأة التي تلدغ النفس.

من يتمتع بجمال امرأة ؛ ينصب في نفسه اشتهاء حسنها، ومن يداوم المضي إلى أبواب منزلها ؛ يشبه من يمشي على الجليد لأن الزلق ليس بعيداً منه.

أتَهرب يا حبيبي من النار لئلا تحرق جسدك ؟ فأهرب من الخطيئة لئلا تحرق جسمك مع نفسك في النار التي لا تطفأ.

العابد الذي يحدث امرأة كمحاربين، والمتيقظ يغتم ولا يسلب.

البواب الأمين حافظ النفوس بعد اللـه، والبواب الغير آمين يضيع المؤتمن عليهم ويضيف إلى نفسه أيضاً.

ونحن إذا جهلنا الزمان الذي سلكناه في سيرة الغباوة والتواني الذي صنعناه فيها نتشامخ، مديح الرجل ليس بالزمان فقط بل بالنجاح والنمو؛ لا النمو في الشيب بل في اقتناء السيرة ذات الفضيلة.

للجندي مبادئ وهي السلاح والسيف والخوذة، والعابد المبتدئ له مبادئ وهي الأمانة والتوبة والمحبة، فالأمانة تولد الطهارة، وتواضع القلب والطاعة يولدان طول الأناة والمسك، وأما التوبة فتنتج الدموع ؛ وأما المحبة فتولد الصبر والرجاء.

من ينتقل دائماً من قلاية إلى قلاية أخرى يقتني أفكاراً جدداً، ومن يقم في موضع واحد يسكت أكثر.

أيها الحبيب منذ حداثتك أختار التأديب فتجده في شيخوختك عقلاً وفهماً.

منذ شبابك أزرع حقلك وأهتم به لئلا ينبت فيه شوك كما ينبت في البائرة، أجعل فيه ثمراً جيداً ؛ وأعطي مجداً لمن يرزقك القوة.

المياه تُنبت الحشيش ؛ والحديث مع العلمانيين ينشئ ألم استعلاء الرأي؛ والخائف من الرب لا يترفع.

إذا أهلت لموهبة فلا تعلي ذهنك فإن ليس لك شيء جيد ما لم تأخذه من اللـه، وإن لم تسلك برأيه ينتزع منك الشىء المختص به ويعطيه لمن هو أصلح منك، وحينئذ تشابه من يلزم أن يكمل رسم الكتابة بلا حبر.

ديكان يجتمعان معاً كفكرين في قلب العابد ؛ فأخرج ما للغرباء وتسكت نفسك.

الرجل العاقل يحفظ الوصايا ؛ ومن يحفظها فقد أقتنى فردوس النعيم الخالد.

اسم صالح أفضل من غناء جزيل، والنعمة الصالحة أفضل من الذهب والفضة. أعطى النفس السائمة كلام تعزية فيوطد الرب قلبك.

إذا تفرغ قدح النبيذ بعد الصلاة فاذهب إلى قلايتك مسرعاً ؛ وأشكر الرب الذي دبر ويدبر، لأن كثرة الكلام بعد الأغتذاء تولد زلات ونكالاً.

الرجل السكير في حين المساء يقول ما لا يجب ؛ وعند السحر يندم ؛ وإذا صادف خمراً يتلطخ بتلك الأمور أيضاً.

إن جُرِّبت دفعة فتحرز فيما بعد لأنه قد كتب: المولود من اللـه يحفظ ذاته ولا يمسه الخبيث.

لا تشرب أيها الحبيب خمراً للسكر ؛ وإن تملقك الأصدقاء الحاضرون لأنه إن سكرت فقبل الكل يسخر بك الذين أمروك، فتحرز جداً من أن يسود عليك النسيان.

يتعب البطينى ويتهشم ليملأ بطنه أطعمة، وإذا أكل يتوجع عند الهضم، والحمية تتبعها الصحة، واليقظة المسك، والدوار لا يسلم من جرح إن لم يتيقظ، ومن يثبت في المكان الذي دعي إليه يجد نياحاً أكثر.

من يستحقر الأمور اليسيرة يسقط بعد يسير، والعجز بعد هنيهة ينتج فقراً اضطرارياً.

لا ترفض وعظ الناس القديسين وإن كنت عالماً فإن هذا هو ثمر العلم.

هروب العابد من أن يشارك ضوضاء ؛ وأخرته غم وندم.

فقد كتب ” إذا مُدح الصديقون تسر الشعوب واسم المنافقين يخمد “.

وأيضاً ” ليمدحك الغريب ولا يمدحك فمك، والغريب ولا شفتاك “.

وأيضاً ” تختبر الفضة والذهب بالإحماء والتصفية ؛ والإنسان يختبر بفم الذين يمدحونه “.

يحفظ الشريعة الابن الفهيم ؛ ومن يراع الفهم المحظور فقد شتم أباه.

أكرم الكل من أجل الرب ولا تبتغي أنت إكراماً فتجد من لدن الرب نعمة، فقد كتب ” من لا يخجل من وجوه الصديقين فليس صالحاً فمن هو هكذا بأكلة خبز يسلم إنسان “. وكتب أيضاً ” طوبى لمن يتوقى كل شيء من أجل التورع والقاسي القلب يسقط في الأسواء “.

الإنسان المحب للحكمة يُفرِّح أباه، ومن يراعي الزواني يضيع غناه.

الأفضل أن ترعي باهتمام أجود من أن ترعى بلا اهتمام، والأجود أن تتعلم باهتمام أفضل من أن تعلم وتعمل أعمالاً لا يجب افتعالها.

من يؤدب ذاته يؤدب إنساناً آخر، ومن يعلم ذاته يعلم قريبه.

لا تثقل على أخيك ؛ فإنك إن وضعت على بَهيمتك حملاً يفوق قوتِها تجلس في وسط الطريق.

كل شئ يثقل عليك فليكن لك به التدرب والخبرة ؛ واذكر المعونة الصائرة من للـه إليك.

لا تبذل مسامعك لأقوال قبيحة لئلا يتدنس عقلك ؛ لأنه كما يضر العينين الدخان ؛ يضر الكلام القبيح النفس.

إذا آذاك روح الزنا فأزجره قائلاً: ” الرب يلعنك أيها المملوء نتانة ؛
يا شيطان النجاسة. لأننا قد عرفنا القائل: إن رأي البشرة عداوة للـه.

لا توجد حكمة ولا يكون عقل حيث ليس مخافة الرب، لأن رأس الحكمة مخافة الرب، فإنه قد كتب ” النور للصديقين كل حين وضوء الخطاة ينطفئ “.

شجرة الحياة شهوة الصديق، ومن يبغض التوبيخات فجاهل. من أكثر في الكلام لا يفلت من خطيئة، ومن يشفق على شفتيه يكون فقيهاً.

أفكار الصديقين حكم وتدبير، والمنافقين تدبيرهم غش.

من يقدم قريبه في الكرامة يجد إكراماً، ومن لا يتورع من وجه أخيه يؤدب بتعب.

إذا أكلت مع الإخوة فضع يدك في القصعة بترتيب، فإن اليمام والخطاطيف والعصافير وطيور البر قد حفظت أوقات ورودها. ضع يدك ولا تستهجن من أجل من هم أصغر منك فقد استكملت طول النهار صوماً ومن أجل لحظة ساعة تقلق.

فالبطالة لذيذة عندك لكن نَهايتها مرة، أتتعب إذا عملت لكنك أخيراً تفرح. فقد كتب ” رذالة عند الرب الشفة الكذوبة ومن يعمل الصدق ذاك مقبول عنده “.

من أكثر أقواله يمقت ؛ ومن يمسك فمه يُحَب.

إذا رأيت رجلاً يتوانى عن التيقظ للفضيلة فلا تتراخ أنت بفكرك بل تشجع أكثر ؛ وفي أوان المحنة جاهد جهاداً جزيلاً.

لا تغير حدود التواضع لئلا يظن أن لنا عذر فنفسد تورعنا وتستهون فيما بعد الخسارة من أجل القائل: ” أن عبد الرب ما سبيله أن يخاصم “. وأيضاً ” مغبوط من يرهب كل شيء من أجل التورع “.

لا تبادر أن تغضب بروحك فإن الغضب إنما يستروح في حضن الجاهل فقد كتب ” الابن المكرم يطيع أباه والابن الذي لا يطيع يكون في الهوان”.

من يحفظ فمه يصن نفسه ؛ والمتهجم تذهله شفاهه.

الابن الغاش لا يكون صالحاً ؛ ومن يحفظ الوصايا مغبوط.

شريعة الحكيم عين حياة ؛ ومن لا عقل له يموت في الفخ.

من يسلك مستوياً يتقي الرب ؛ ومن يعوج طريقه يهان.

تطلب عند الأشرار حكمة فلا تجد ؛ والحس موجود عند العقلاء.

أمر سهل بستان لا سياج له إذا وطئ يصير بريه ؛ ومن لم يصن فمه يضيع ثمره.

من يتوكل على الغنى يسقط ؛ ومن يعضد الصديقين يتلألأ لامعاً.

من يفرق ماله بجهل ويبدده يصير محتاجاً ؛ ومن يبدده بأمانة الرب لا يخذل إلى الأبد ؛ لأنه قد كتب ” بدد وأعطى الفقراء وبره يبقى إلى أبد الدهور ورونقه يعلو في الشرف “.

من يكثر يساره بالربا والربح يجمعه لمن يرحم المساكين بمقدار ما يترفع بكبرياء قلبه ويدوس الأرض التي منها أخذ، فإلى الأرض يذهب والرب يرفع شأن المتواضعين.

الدخان يطرد النحل ؛ والحقد يطرد المعرفة من القلب.

تضرع إلى الرب وأسكب دموعاً قدام خيريته ؛ ولا يقطن في قلبك حقد ؛ وتكون صلاتك كبخور قدامه ؛ فقد كتب ” نجس عند الرب كل متعالي القلب والشرف يتقدم أمام المتواضعين ” ؛ وأيضاً ” الإنسان يطلب حجة إذا أراد أن يفارق أصدقاءه وفي كل حين يكون معيراً “.

وكذلك الذي يريد أن يفارق ديره يتعلل بالرئيس والإخوة. فقد كتب ” تكون طريق مظنونة عند الناس أنَها مستوية وأواخرها تقضي إلى قعر الجحيم.

يا أحبائي فليعزِ بعضنا بعضاً، وليخدم بعضنا بعضاً، وليعظ بعضنا بعضاً بتقوى اللـه إلى أن ننتهي إلى ميناء الحياة.

النهم البطن يهتم بأشياء كثيرة ؛ والممسك يضاهي غزالاً في غابة.

كما أن الماء للسك ؛ هكذا السكوت للعابد بتواضع قلب ومحبة.

زاد العابد لطريقه الورع ومخافة اللـه.

تقوى الرب ذهن مهذب ؛ ومن أقتناه لا يخزل.

ستبتدئ يا ابني الشياطين الأعداء أن يحوطوا بفكرك عند استماعك خبر والديك بالجسد لكن الفرح يضاعف لك والعز يزداد لك في ملكوت السماوات إن صبرت تخدم إلى النهاية.

من يشاء أن يعيش في كل موضع عيشة سلامية فلا يطلبن نياحهُ بل نياحة قريبه بالرب فيجد النياح، فأما المماحك الردىء العزم فلا يسكت في موضع أصلاً.

قبل أن يتهاون الإنسان بمخافة اللـه لا يخطئ قط في موضع.

إن شئت أن لا تخطئ فأحفظ مخافة اللـه، أشعر أن الخطيئة كالجبال العالية أو كلجة البحر الموعبة مهاول الهيوج ؛ أو مثل لهيب النار الآكل من يسقط فيه، وإن حرص العدو أن يصغرها في عينيك إلى أن تسقط فيها.

لا تشاء أن تخطئ ولا تحتج بأبيك، الرب قد نصبك راعياً فلا تدخل إلى رعيته ذئاب مفسدة لئلا ترد مقفراً من رعاية الغنم.

وإذا جاء رئيس الرعاة فلا يرتضي بذلك، فأطرد من الغنم كل أمر يضاددها فلا تدعى أجيراً غاشاً بين إخوتك، المدبر مكرم والمتقين الرب مكرمين في عينيه.

قبل أن تبدأ في أمر تفطن في نَهايته فقد كتب ” أن المولود من اللـه يحفظ ذاته ولا يمسه الخبيث “.

ليس بأمر صعب أن يعرض شيء رديء لكن الرديء المستصعب هو الثبوت في الشر إن عرضت خصومة بين أخين فإذا تاب الأول يأخذ إكليل الغلبة، ويكلل الثاني إن لم يطرح التوبة بل يصنع بنشاط أسباب المصالحة.

علامة نقص الأدب في العابد هي إذا جلس بين إخوته يكشف ساقيه، فأما المتورع فيجلس بزي حسن.

تفكر في كثرة الكلام فإن ربوات الأقوال نَهايتها السكوت، فأسبق وخذ الفائدة وأهرب من الخسارات.

أيها العابد أحتقر أمر الجوف فتكون لك راحة، وأطرح استعلاء القلب وأستدرج راية التواضع.

أيها الحبيب إذا أُدخلت إلى قلايتك أحداً فأحرص أن تصرفه بزي حسن وغير مرتاب ولا مشكك، الأمر الذي معناه ألا تعمل شيئاً خارج مخافة اللـه لئلا تصير له رسم عمل لا بر فيه لأن الرسول يقول ” كونوا بلا عثرة لليهود ولا لليونان ولا لكنيسة اللـه “.

يا عابد أكرم الكل لا من أجل مكافأة بل من أجل الرب.

خلواً من نخر لا تنشأ دودة ؛ وبغير اهتمام لا تباد.

بغير تواني لا ينشأ تَهاون ؛ وبغير اهتمام لا يقلع.

أتقِ الرب فتجد نعمة، لا يصادفك العدو عاملاً أشياء خارج عن ميعادك فلا يذهلك البتة، الإنسان الذي يرضي الناس يحرص أن يرضي كثيرين لكن ليس من أجل الرب، والمتقي الرب يحفظ وصاياه.

الخائف من الرب لا يغتر لأنه يسلك في نور وصاياه.

الغضب للإنسان حفرة له ؛ ومن يغلب الغضب يعبر الحفرة قفزاً.

من يؤدب شعبه يكون له صلح مع الذين خارج حوزته.

والواثق بذاته يستكثر العداوة لنفسه.

الطوبى لمن يحمل نير المسيح بوداعة إلى النهاية لأن الكبرياء رديئة.

في ألفة الإخوة يسكن الرب ؛ وطرب العدو الغاش إنما هو معاداتِهم.

إلى متى تخفي الأرض البذار المزروعة فيها ؟ إلى أن تأخذ نسيم الماء.

أعمل أيها الحبيب وصايا المسيح عملاً مكتوماً ؛ فيعطيك في الجهر ظاهراً.

العاجز والمحب لذاته إذا رأى العمل يخبئ ذاته، وفي العشاء يحسب ذاته في الأولين.

العاقل لا يفضل ذاته على الإخوة الخاملين بل يصير رسماً للمؤمنين.

الغير رحوم لا يتوجع لمريض لأن الطوبى للرحومين فإنَهم يرحمون.

القهرمان الأمين لا يستغنم إخوته، وذو الفضيلة يعمل كل شيء كما يشاء اللـه.

لا تسئ إلى أجير باذل نفسه، ولا تتأخر في أجرة الفاعل أذكر أنه قد تعبد لك وأعطية أجرته في وقتها فتنال ثواباً في حينه.

ومن يُوبخ ويصمت في خبث يخبئ في قلبه حقداً، ومن يجاوب بوداعة سلامية يكون غير حقود.

من لا أدب له يتهزأ بالشيوخ والمتأَدب يحب.

من يحب الأدب يحب الحياة.

كما أن الجليد والثلج يضمران الخضرة ؛ هكذا تضمر الخطيئة قلب من يعملها.

كما ينضر النبات بورود المطر ؛ هكذا تتباهى نضارة القلب بالأعمال الصالحة.

الرجل الغضوب والصياح يكون كثير الحلف ؛ أما الصامت فيكون فقيهاً.

ما هو الغضب ؟ الغضب هو ألم لا حياة فيه ولا خجل.

الألم هو الذي يعقبه التندم والحزن سريعاً، والحزن يأكل ويفني قلب من يسقط فيه.

لا تعطي قلبك غماً لكن سلم ذاتك للرب.

عدم الأمانة ولدت رخاوة النفس، والنفس الرخوة جلبت المحك، والمحك يتبعه الضلال، ومن قد ضل فليهتف بصوت عظيم إلى رئيس الرعاة مخلص نفوسنا كي ما إذا عاد يجمعه في صيرة غنمه.

لا تستفحص أيها الحبيب قائلاً: كيف هذا أو ذاك بل آمن بالرب وصدقه فهو يضئ ذهنك لأنه بمقدار الأمانة تسكن النعمة في النفس، لأن الرب صادق في كافة أقواله وبار في جميع أفعاله.

الأصوات ضربت في عساكر بني إسرائيل في البرية، أما كرازة الرسل فوصل صوتِها إلى كافة الأمم مثل البوق الجهير.

الإنسان المؤمن دالية المسيح، والرجل غير العامل مثل العنقود المسطح على الأرض الغير نافع، هكذا الفكر المشتغل بالأمور الأرضية يصير غير مختبر في الفضيلة.

من يبتغي المشاغبة يوافِ هلاكه بغتة، لأنه يفرح بسائر الأشياء التي يبغضها الرب، ومن يحب السلامة يرث السلامة.

وداعة الرجل أن يقمع الغضب ويرده.

إن عرض لك بغي وبعد ذلك ظهرت دالة ضميرك فلا تعلِّ رأيك بل أخدم بتواضع الرب الذي فداك من بغي الناس لئلا تسقط سقطة مذهلة.

كما أن البلوط يربي الخنازير هكذا الأفكار الخبيثة تربي الشهوات الطالحة، الغضب والحقد يشابه سم الأفاعى لأنه يغير الصورة ويخبط العقل، ويحلل الغضب، ويضعف القوة عن العمل.

أما الوداعة والمحبة فتفني هذه كلها، ثم يُحَل الحقد بتذكار مخافة اللـه ويوم الوفاة.

أيها الحبيب تذكر أواخرك وأكفف عن الغيظ، وإذا تذكرت الموت فلا تترفع لأنه بعد يسير تدخل إلى القبر ؛ وهذا العمل الردىء ماذا ينفعك.

والمجد للآب والابن والروح القدس

الآن وكل أوان

وإلى أبد الآبدين

آمين

المقالة الثامنة

نصائح

يا حبيبى أحمل الضعيف فإن القوي لا يحتاج إليك فقد كتب: ” إن الأقوياء لا حاجة بِهم إلى طبيب بل المرضى “. فأنتم المقتدرين احملوا ضعف الذين لا قوة لهم.

إذا رأيت إنساناً قد نال رتبة جسيمة على الأرض فلا تعجب من هذا بل أعجب من الذى يبغض الشرف الأرضي.

إذا ظهرت في أعين إخوتك كالذهب النقي فأحتسب ذاتك مثل إناء لا يُحتاج إليه فتفلت من الكبرياء الممقوتة من اللـه ومن الناس.

شاب يدور لا يتعلم أن يكون بطالاً فقط بل مهذاراً ومتفحصاً ويتكلم بما لا ينبغي.

من يسكت بتواضع يُحب. لا تشرب خمراً على انفراد مع أخ قد شاع عنه خبر ردىء. ولا تلاعب من لا أدب له، ولا تعير أحداً، وأحفظ ذاتك طاهراً، وأهرب من مجالس الشرب لئلا تتوجع في أواخرك.

إن كنت عليلاً بأخلاقك لا تقترن بالسقيم بفكره، فهذا قلته لا لترفض أحداً كأنه خاطئ لكن لكي لا تضره ويضرك.

إن كنت مقتدراً أن تعزي بالرب فتقدم فتجد ثواباً.

إن أبصرت إنساناً قد أخطأ وشاهدته في الغد فلا تعتقد به في ذاتك كخاطئ ؛ فإنك لا تعرف إن كان بعد غيابك قد عمل شيئاً صالحاً بعد السقطة ؛ وتضرع إلى الرب بزفرات وعبرات مرة وأستعطفه.

فلهذا نحتاج أن نبتعد من أن ندين أحداً، ويحتاج كل واحد منا أن يواضع ذاته كما أمر القائل: ” إن آثامي قد علت فوق رأسي وعملي مثل وقر ثقيل “.

كافة حطب الغابة لا تُشبع النار ؛ والجسد لا يَشبع من النياحة.

تقوى الرب فردوس النعيم، وعديم التقوى ترثه الثعالب.

إن قوتل أخوك فهرب من الدير ؛ وخرجت لتطلبه ؛ فإذا وجدته فجاوبه مجاوبة سلامية ؛ لئلا تضيف وجعاً على وجع نفسه ؛ مراقباً ذاتك حذراً ألا تُمتحن أنت.

إن كنت ذا خبرة بالصناعة الطبية وشفيت ؛ فكن متيقظاً فائقاً لئلا بمداواتك آخرين تضع ذاتك متألماً، إذ الرسول يقول: ” لا يفترى على عملكم الصالح “.

إذا وضعت مبادئ حسنة فأجتهد أن تتممها حسناً لتأخذ ثواباً كاملاً.

يا سيد الكل لا تعطيني قلباً مبغضاً للطاعة وتأديب الأب، وأبعد عني أفكار الكبرياء، لأنك أنت يارب مقت المتكبرين، إذ قد كتب ” أجعل ذاتك جزيل المحبة للجميع وذلل رأسك للمتعظم ولا تخجل من أجل نفسك “. فرب خجلاً يجتلب خطيئة ؛ وحياء يجتلب شرفاً ونعمة.

لا تغر أخاً على أخيه ثالباً، فإن ليست هذه محبة أن تستنهض قريبك إلى هلاك نفسه، صر مصلحاً لتؤهل أن تدعى ابناً للـه.

أتشاء أن تحب بمحبة مخلصنا يسوع المسيح أمقت المحبة البشرية التي تشمل على هذه الأنواع *نَهم البطن. *السكر. *النهم في القبائح. *الحسد. *الشر. *الفجور. *الألم. *الإنسحاق. *الحزن الجسدي. ونظائر هذه التي نَهايتها الموت.

فأما المحبة التي بالمسيح فتشمل على هذه المناقب: *خيريه. *أدب. *علم. ونَهاية هذه حياة أبديةً.

لاصق إنساناً يتقي اللـه ليعلمك أن تخاف الرب، لا تحب أن تماشي المتهاونين.

أيها الحبيب أتبع الرب ليعليك ؛ لأن شرف هذا العالم لا يبقي، فليكن الرب نصب عينيك كل حين ؛ فإنه ينجي المتوكلين عليه.

الرجل المتدرع مرهوب في الحرب ؛ والقوى في الإيمان مرهوب عند الأعداء الذين لا يرون.

الرجل المائق يقول: ماذا يجزعني، والمتواضع القلب يوجد عاقلاً.

هيولي النار الحطب ؛ وهيولي الغضب استعلاء الرأي.

أتشاء أن تلطف الغضب وتسكنه ؛ أتخذ التواضع ؛ وأسلك في طريق الودعاء والمتواضعين.

إذا عرضت خصومة بين الإخوة ؛ فالمصلح مغبوط، وأما من يشعلها فلا يكون غير معذب.

الحجر الرملي والنفس غير المؤمنة بعد هنيهة ينحلان.

في نفس المؤمن الفكر الذي لا يتحرك، وفي الرجل الوديع والمتواضع تستريح روح الحكمة، الرب يحب الذين يسلكون بحكمة.

أيها الحبيب أنظر ألا تشتهي كرامة ذائدة فتجذب لذاتك هواناً، كرامة الإنسان بالحقيقة أن يعمل كل شيء كما يشاء اللـه ؛ وإهانة عظيمة مخالفة الوصايا.

الراعي المستيقظ لا يسلم الغنم المؤتمن عليها، والنوام يصير للوحوش صيداً لأن في يد السكير ينبت الشوك والنفس الماسكة تمجد اللـه دائماً.

الذهب لا يمنح صبراً ؛ والأمانة تؤسس من يقتنيها.

ضلالة الرجل ألا يعرف الكتب ؛ ويضل ضلالاً مضاعفاً من يعرفها ويتهاون بِها.

أيها الحبيب عز ذاتك وأصبر على كل غمٍ لكي لا فيما تعزى من آخرين بمداومة تصير متشامخ الرأي، لأن الرسول يقول: عزوا ذاتكم في كل يوم ما دام يسمى اليوم لئلا يقسي أحدكم طغيان الخطيئة لأننا صرنا شركاء المسيح أن مسكنا الابتداء فبدء كل فضيلة الأمانة.

إذا أقتنى العابد سيرة ذات فضيلة يسمع عطآت أبيه، ويعود عارياً إذا أقتنى عدم الخضوع.

والطريقة العريضة فكر شيطان يخامر العابد إذا اشتهى درجة غريبة.

المشتبك بأمور العالم ؛ يصير سريع السقوط.

الوديع الصامت ؛ يرث حياة دائمة.

الشمس والقمر وسائر النجوم تفرح بالذين يخدمون السيد المسيح خدمة مستوية.

كل من يحب السكوت بمحبة ؛ يكنز لنفسه في السماء.

المتقي الرب بالحقيقة ؛ يصير طبيباً للآلام.

الوديع هو: جسوس على الآلام ومترصد لها.

الشعوب يسبحون الرب لأجل من لا يتوانى في خلاصه بل يهتم بانصرافه ووقوفه أمام عرش المسيح المرهوب.

كل من يحب خلاص نفسه ؛ يصير منزلاً للروح القدس.

كل من يحب الطهارة والعفة ؛ يكون هيكلاً للـه.

ذكر الموت والعقوبات ؛ سيف على شيطان الضجر.

العاقل لا يدين قريبة الغير عامل، والضجور يخرب أماكن كثيرة.

المحب للمسيح ؛ يؤتمن على كلمات الحياة الأبدية.

الرجل المحب للغرباء ؛ حنطة نقية.

لوم الإنسان لذاته كل حين ؛ يهدم الخطايا.

المسك ؛ عصب يشد الصبر.

من يحد عن وصايا المسيح ؛ يخنق نفسه، ومن يحفظها بحق يرث فرحاً لا ينعت.

رتل أيها الحبيب بالروح ورتل بالعقل: ” كلامك في حلقي أحلي من العسل والشهد في فمي “.

بدء المؤمنين ونَهايتهم ؛ الإيمان والرجاء والمحبة.

الضجر هو أصعب من الأشياء المستصعبة ؛ لا سيما لو أتخذ عدم الإيمان معضداً له، فإن أثماره مملوءة سم الموت.

تذكر يا حبيبي عرش الإله المرهوب كل حين ؛ فيكون لك ثباتاً، ويعاقب عوضك المغتالون على نفسك.

العاقل إذا بُعث في خدمة يبذل نفسه من أجل السلامة، والجاهل الفاقد الأدب ينشئ خصومات.

يارب يا سيد حياتي لا تُسلط عليَّ روح البطالة والإستفحاص وأثرة الرئاسة، بل هب لعبدك روح العفة والتواضع والصبر.

وسخ الرجلين بقلب نقي من أجل الفضيلة ؛ أفضل من الاهتمام بتنظيفهما وغسلهما بألم.

من يحفظ أعضاء المسيح حفظاً باراً يتبرر، ومن يفسد هيكل اللـه يفسده اللـه.

كما تطرد الكلب، جاوب بانتهار شيطان الزنا ؛ ولا تشاء بالجملة أن تنقاد مع هذا الفكر، فإن من شراره يتكاثر الجمر ؛ ومن الفكر الردىء تتزايد الشهوات الرديئة، أبغض ذكرها أكثر من أن تكنس نتانة الحمأة.

كما أن البخور يلذذ المنخرين ؛ هكذا يُسر بالطهارة الروح القدس ويسكن في الإنسان.

كما يطرب الخنزير برمغة الحمأة ؛ هكذا تطرب الشياطين بالزنا والنجاسة.

النور العظيم والفرح والسلامة والصبر يسكن في الأطهار، والحزن والضجر والنوم الذي لا يشبع منه والظلمة المدلهمة تسكن في الزنا.

حب الطهارة بمحبة المسيح لأنَها توافق سيرتك وتلائمها ؛ كما يليق القدوم بالنجار.

قوتل أخ ما بالزنا فأنتهر الشيطان وقال: أذهب يا شيطان إلى الظلمة أترى كما تعلم أنني وإن كنت غير مستحق فأنا حامل عضو المسيح. فللوقت سكنت الحرارة عنه كمن ينفخ سراجاً ويطفئه ؛ فعجب في ذاته من هذا الأمر ومجد الرب.

كرامة عظيمة الطهارة بمحبة المسيح ؛ وإهانة عظيمة الزنا والحسد.

أيها الأخ أهكذا بلا خشية تنظف ذاتك وتزينها ؛ أسمع الرسول يقول:

” أهرب من الشهوات الشبابية لأنك لا تعرف أي عدو تصارع “.

ألا تعلم أنه صعب أن يكون أحد فخاً لنفس آخر، أتعرف أي نتانة مهلكة وتقيح يزمع أن يرثها الذين يعملون هذه القبائح، وأريد أعرفك هذا، أنه إن كان الإنسان البراني رائقاً وخزانة النفس موسخة فلا يبطئ حسنه أن يتشوه.

فإن اقتنيت جمال النفس فإن النفس تعطي من نورها للإنسان البراني وهذا الحسن يبقي لك.

من يزين ثيابه ويملأ بطنه يقاتل كثيراً، ومن هو متيقظ يكون مرهوباً عند المضادين.

النفس الخبيثة إذا تلاطفت تتعظم ؛ وإذا شتمت تغتاظ، والصالحة إذا تلاطفت لا تفرح ؛ وإذا شتمت لا تسخط.

الصمت للشاب، كاللجام للفرس ؛ ومن هو غير مُلجم، يسقط في الأسواء.

لتكن خشية اللـه في قلبك أيها الحبيب مثل السلاح بيد الجندي.

أعتنق بتواضع في ذاتك المحن المجلوبة عليك من المحال لتنسحق مثل دقيق التراب أعدائك من قدام وجهك، وثق أنك لا تنهزم وأنت متقلد مثل هذا السلاح.

من لا يحب الرب يجرب أقنومه ؛ ويحزن مدبريه ؛ ومن يحب الرب يحفظ وصاياه.

البواب الحكيم يعرف أن يجاوب المسكين بوداعة، والصغير النفس والغير حكيم هو متكبر.

نعم يا أخي ما لنا شيء نَهبه فلتكن منك كلمة طيبة متحرزاً من ذاتك ألا تسقط أنت في مثل هذه الأشياء لأنه قال: ” في كل أعمالك تذكر أواخرك فإنك إلى الأبد لا تخطئ “.

البواب العاجز يخسر خسارة كبيرة ؛ وأما العالي بالروح يصنع لذاته إكليلاً.

ها الإخوة في مجمع الصلاة واقفون يباركون اللـه وأنت تتنزه خارجاً.

ألا تعلم أنك تخسر نفسك، قل لفكرك أترى لو كانت تحفة تعطى أما كنا نسارع قبل الجماعة لنتقبلها، فإن كان في الأمور البشرية حرص مثل هذا فكم أولي بنا أن نحرص في الفوائد الروحانية ؛ صر حاراً بالروح مثل القديسين لتساكنهم في ملكوت السماوات.

من يتكلم كلاماً باطلاً وهو يعمل ممتداً في العمل ؛ يخسر ؛ ومن يدرس الأقوال البارة ؛ ينجح أكثر.

إذا كنت تعمل وآذاك روح الزنا ؛ فلا تعجز أن تمد يدك للصلاة ؛ وإن ثقل عليك ؛ فإحنِ ركبتيك ؛ فإن صلاة الأمانة تحارب عنك.

لا ترقد حاقداً على أحد ؛ لئلا تزعجك الخيالات القبيحة في الليل.

لا يكن وجهك مطرقاً إلى أسفل فقط ؛ لكن وقلبك.

لا تتعظم على قريبك ؛ نج أخاك من الخطيئة فينجيك الرب في يوم الرجز.

من يتعب في الكنونيون لا يتوانى ولا عن موضع إبراز الفضلات ؛ لأنه ليس غير واجب أن يتعب فيه المتعبدون حسناً.

لا تخف من المرض قائلاً: أخشى ألا أمرض. أخطر بذهنك أن القديسين كلهم بمكابدة الآلام أرضوا اللـه.

العاجز لا ينفع ذاته ولا قريبه، والغير عاجز يستنهض المتوانين إلى الفضيلة. من يحتقر مدبره يخطئ، ومن يطع بالرب يرث مجداً.

لا ترد مبتدئاً ونفساً ظامئةً إلى الرب؛ فإن الرب ينظر فلا يرضيه ذلك.

الابن الخبيث يسيء خطابة والده ؛ والذين يسمعونه يذمونه.

من يكافئ عوض شر بشر هو غير رحوم، أما من يجازي بشرور عوض صالحات فماذا يقنعه.

لا تَهتم أن تسمع هفوات أجنبية ؛ لئلا تصير أخطائك مسموعة عند الكل.

من يسكت عند المائدة ؛ يضاهي من يأكل خبزه بعسل، ومن يكثر كلامه ؛ يقلق الساكت.

كل السمكة بترتيب ؛ وليكن شربك بلا جلب.

العابد الملتوي ومن يطلب ما يشكك قريبه لا يرضيهما بواب أمين.

ضيق على شهوتك أيها الحبيب ؛ قبل أن يضيق عليك من أجلها ؛ فإنِها تحدر إلى قعر الجحيم الذين يتبعونَها.

ليس وزن يعادل الصبر إن مُزج بالمحبة.

أيها الرب خولني أن أبصر هفواتي لئلا أدين أخي.

إن سكن مبتدئان مع شيخ ؛ فمن منهما أعظم عند الرب ؟

من يواضع ذاته بمخافة اللـه. لأن صادقاً القائل: ” من يواضع ذاته يرفع شأنه “.

من عنده مبتدئان يحتاج يقظة جزيلة لئلا يجد المنتصب بازائنا فسحة فيصنع بِهما شيئاً من الأشياء المختصة به.

المبتدئ الذي يحب الضحك والدالة يصنع لنفسه تَهشماً وشقاءً.

لا تتكلم بأقوال الخلاعة التي لا يجب التنعم بِها ؛ بل بالحري أتل شكراً وتسبيحاً.

لا تكن عاصياً فظاً ومتهاوناً ؛ لكي لا تضر نفسك والسامعين.

إن صرت متورعاً محقاً ومتواضعاً يسكب عليك الرب رأفاته.

اسمع يا حبيبي ممن يعظك بالرب: اتقِ الرب ؛ فيكون لك سوراً ؛ وتجد في يوم وفاتك دالة.

لا تزدرِ بعالمي أو تحتقره بذهنك؛ فإن الرب وحده يعرف خفايا القلب.

أكرم الكل من أجل الرب ؛ ليكرمك رب الكل.

من يشاء أن ينقل صخرة ؛ يضع المخلِ تحتها لا فوقها ؛ وحينئذ يدحرجها بسهولة ؛ فهذا نموذج التواضع.

أيها العابد تركت قلايتك لتتمشى في العالم ؛ ألا تخشى من الإثم والمجاوبة التى في المدينة.

من خلع عقل العالم بالكلية ؛ يلبث غير مجروح، ومن لم ينزعه، يقبل جراحات متواترة.

إن عرض للدير الذي تسكنه ضيقة من حوائج الجسد ؛ فلا تترك الموضع ؛ فإنك لا تجد فيما بعد خيراً كثيراً.

لا يرضى الفاقد البر مدبراً باراً، ولا الصديق يرضيه كل أمر ظالم.

اغفر لأخيك إذا أخطأ إليك ؛ فيغفر لك الرب هفواتك.

أسبق إلى قلاية الأخ الذي أحزنك ؛ وتب إليه بقلب نقي، من أجل القائل: اغفر للأخ لا سبع مرات فقط بل إلى سبعين مرة سبع مرات.

أقبل أيها الحبيب توبة الأخ كمرسل من اللـه ؛ لئلا تخالف من أرسله؛ وتحركه إلى أن يسخط عليك.

حب السلامة والطهارة ؛ لتؤهل لمعاينة وجه الرب الإله.

لا تؤذي أخاك في يوم حزنه، ولا تضف إلى وجع نفسه وجعاً.

المدبر الذي يتعب ؛ هو جمال ترتيب الإخوة، والشيوخ العقلاء سلوة الشباب.

لا ينبغي أن نصدق الثلاب، فإنه ربما تصير نميمة من حسد ؛ بل نحتاج أكثر أن نلتمس شواهد الحق.

ويجب أن يُبكم المتجاسرون والمبتدئون بالمقاومة، لتثبت الرفقة الأخوية بلا قلق.

إن شاهدت إخوة متولعين في الشر ؛ فلا تشارك عدم ترتيبهم ؛ بل أجنح عنهم ؛ واذهب إلى قلايتك متذكراً القائل: ” عبد الرب ما سبيله أن يخاصم “.

إذا أبصرت أخاً سائماً أو عليلاً ؛ فجيد هو أن تتوجع له، لأن العدل يسر قلب من يعمله ؛ والذين يحبون الرب يرثون العدل.

يا أخي أمتنع من الخلاعة والمزاح لئلا يجعلك عادم الحياء، فإن عدم الحياء هو أم الفجور.

لا تطف القلالي سكراناً لئلا تضيع بغتة غنى العفة.

لا تكن حاقداً على أخيك لأنه قد كتب: ” إن طرق الحقودين مؤدية إلى الموت “.

إن كان لا يمكنك أن تحتمل شيئاً ؛ أصمت فتستريح.

إن كنت لا تستطيع أن يغض أحد نظرة عنك فلا تحول نظرك أنت عن أحد.

الطوبى لمن وجد رفقة صالحين ؛ وأبغض مشيئته.

أيها الأخ كمل عملك بلا غش ؛ لأنه هكذا يليق بالمؤمنين ؛ لتجد نعمة في أعمالك.

لا تشرب خمراً للسكر ؛ فتحصل خزي الوجه ؛ لأنه يكون حينئذ خزي عظيم إذا وجدت مثل سكير.

الوداعة للعابد مثل سلسله ذهب على عنق رجل، كما أن العسل حلو في فم الإنسان كذلك الأقوال الإلهية حلوة في النفس التي تخاف اللـه.

الشيوخ الحكماء عصمة الإخوة ؛ والغير حكماء يكونون محاربين لهم.

الكبرياء ممقوتة عند اللـه وعند الناس ؛ والرب يعطي المحبين التواضع.

المكان المعتدل القانون هو ميناء حسن المرسى ؛ والذين ليس لهم تدبير يسقطون كالورق، لأنه يجب على من يخدم أن يخدم كمن يخدم اللـه لا كمن يخدم إنساناً يأخذ منه الأجرة ؛ والمخدوم سبيله أن يحتمل بتواضع كأنه مخدوم من الرب.

إذا أكلت خبزاً وشبعت فأعطِ مجداً للإله الذي أشبعك، وإن شئت ولبست أقل من شبعك فأعطِ مجداً للإله الذي قواك، ولا تقل بحضرة الجماعة أنا ما أكلت مثل هذا الخبز، ماذا إذاً تمنحه لذاتك أو تدين الذين يأكلون ويشكرون.

أصبر للرب في يوم الحزن ؛ ليسترك في يوم الرجز.

لا تضحك على مغموم، ولا تفرح بمن عاد خائباً ؛ لئلا يسخط عليك الرب ؛ ولا تجد ناصراً في يوم الحزن، ولا تطرد إخوة على أثرة الرئاسة فإن هذا الرأي إن لم يكن من اللـه لا يثبت فإن كان من اللـه وأختفأت مثل شاول بين الأمتعة يأخذك اللـه من هناك وينصبك مديراً لشعبه.

من لا يتنهد على هؤلاء أنَهم ما أوضحوا ولا فضيلة واحدة في سيرة العبادة ويطلبون الرئاسات فمن أين يعطوا، نحن على يبوسة من البر دائماً أليس من عدم الأختضاع ومن فقد التأديب ؛ لا نحسن أن نحرك المقذاف ونحاول أن ندبر.

ماذا أشر ممن له ماء حلو ولا يسقي نفساً ظامئة ؟ أو من أغزر حسداً ممن له كتاباً نافعاً ولا يعطيه لأخيه متوخياً نفعه وبنائه، من أوفر عجزاً ممن هو عطشان جالس بقرب العين ولا يمد يده ليأخذ ما يسكن عطشه.

أو من أكثر ونية ممن له كتاباً يملكه ؛ ويتوانى عن القراءة فيه.

أتعب مع من يريد أن يتعلم الكتابة ؛ حتى إذا قرأ عجائب اللـه يمجد اسمه ويكون مانحاً لك ثواباً.

الضجور إما يعانده صغر النفس على من له صبر ؛ وإما يقاومه استعلاء الرأي ؛ ومن يحب الرب بتحقيق ينج من الحالين جميعاً.

العاجز يخسر فوائد كثيرة ؛ والمتيقظ لا يتهاون ولا بساعة واحدة.

العاجز والمماحك لا يشرف لأنه مغيظ ممرمر.

الغير مطيع يختبر مواضع كثيرة ؛ والمتواضع القلب يطيع بالرب.

المبتدئ الفهيم يستمع لمن هو أعظم منه بالرب ؛ والغير مطيع يكون في الهوان.

من يحفظ طهارة جسمه يتعجب منه كثيرون ؛ ومن يتهاون به يلام من قوم كثيرين ويذم.

تأمل يا حبيبي مقادير كل واحد من المطيعين من أجل القائل: ” إذ واحد يثمر ويعمل مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين “.

النهم البطن يدعو الصوم ضيقة وشدة ؛ والممسك لا يقطب.

لا تصنع أمراً يحزن قريبك بل كن مؤدباً في كل أمورك.

الرجل الغير مؤدب يترصد جاره والسالك في النور لا يتفكر في الشر.

من يحب الرب لا يغظ قريبه بل يصون ذاته ويحفظها من أجل القائل: ” جميع الأشياء التي تريدون أن يعملها بكم الناس اصنعوها أنتم بِهم فهذا هو الناموس والأنبياء “.

أعمل في الشتاء لتفرح إذا دخلت إلى ميناء الحياة، إن العدو يسلح الإخوة المتوانين كثيراً على الحرصين جداً.

فالحريصون يجدون بالمتوانين صناعة مفيدة، إذا حملوا أمراضهم من أجل الرب.

من يعمل بقريبه رحمة ؛ يجد رحمة عند اللـه ؛ والدينونة بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة.

لا ترافق أخاك في الخطيئة بل الأولي بك أن تنجيه منها ؛ لتعيش أنفسكما بالرب.

لتكن مخافة اللـه قدام عينيك في كل حين فلا تسود عليك خطيئة.

لا تقل اليوم أخطئ وغداً أتوب ؛ فإنك لا تيقن علم ما في الغد ؛ لكن اليوم فلنتب ؛ والرب يهتم بأمور الغد.

رُب من يستعجل في الصلاة ؛ وإذا سمع من يرفع صوته فيها يتناول العمل.

لا تتوانى في الصلوات الجامعة ليستضىء ناظر ذهنك ؛ فإن المقتني فماً جسوراً يعاب ؛ والمتقي الرب يتورع.

كن بكلية قلبك متوكلاً على الرب ؛ فتجد في كل حين نعمة. إن صبرت له فلا يضيع ثوابك.

المياه تدفق في يوم الحريق ؛ والدموع في أوان المحنة.

الماء يطفئ اللـهيب المضطرم في البيت ؛ والدموع في الصلوات تخمد الشهوات الخبيثة.

كما تتباهى نضارة النخلة في الشواطئ ؛ هكذا تتباهى ألفة الإخوة بالرب.

من يكرم من هو أعظم منه قدراً ؛ يُسِر من هم أصغر منه ؛ وفي يوم صلاته يُستجاب له.

إن أعرت أخاك شيئاً ؛ وتباطأ في إعادته إليك ؛ وأردت أن تذكره ؛ فذكره مرة ؛ لأنه ربما يلحقه نسيان.

وإن استعرت شيئاً من أخيك ؛ فأستعمل التورع ولم يذكرك ؛ فأنت كما يليق بالمتقي الرب لا تعدمه الشىء الذي له، لأنه قد كتب: ” لا تكونوا غرماء لأحد في شىء إلا في أن يحب بعضكم بعضاً “.

سبيلنا أيها الإخوة أن نحتقر كافة الأشياء المفسدة ونصنع لنا عوضها الحياة الأبدية.

إن فوض إليك أن تتوسط بشىء ؛ فلا تتوانى في خلاصك محتجاً بالخطايا، لأن يوسف قد توسط في مصر بأمر ؛ ولم يقبل الاهتمام بمنزل واحد فقط بل بكافة أرض مصر ؛ فلم يجنح عن سبيل الحق ؛ فلذلك شرفه اللـه.

إذا كانت نفسك معافاة لدى الرب ؛ فستنتفع في كل شىء.

إذا رأيت تاجراً ؛ فقل في ذاتك: يا نفسِ هذا يشتهي الأشياء الوقتية فيصبر على مثل هذه الأتعاب ليجمع الأمور التي لا تبقى، أفتتوانين أنتِ في الأشياء التي لا تزول.

إذا أبصرت أناساً مخاصمين ؛ ويتحاكمون ؛ فقل في ذاتك: يا نفسِ هؤلاء قد أدخلوا ذاتـهم في مثل هذا الحرص والخصومة لأجل شىء لا منفعة فيه ؛ وأنت غريمة بربوات قناطير، أما تسجدين للـه كما يجب لتنالي الصفح.

إذا شاهدت الذين يبنون البيوت الطينية ؛ قل في ذاتك: هؤلاء يا نفسِ إنما يبنون بيوتاً طينيةً فيستعملون الحرص ليتمموا العمل أفتتهاونين أنتِ بالمساكن السماوية.

وإن عددنا الأمور واحداً فواحداً ؛ فلا نفرغ من القول، فأي أمر أبصرناه في العالم من الأفكار العالمية ؛ والمعقولات الدنيوية ؛ فلنستبدله بمعقولات روحانية فننال بلا مراء منفعة بموأزرة النعمة إيانا.

العابد يضاهي رجلاً تدحرج منحدراً من موضع عالِ ؛ فوجد حبلاً معلقاً في جبل رفيع شامخ ؛ فقبض عليه ؛ وتعلق به وهو يستغيث بلا فتور بالرب أن يغيثه عالماً أنه إن أطلق قوته وأرخى تلك يديه يسقط ويموت.

يا ابني أتخذ الحياة الخالدة التى دعيت إليها وأقررت بالإقرار النفيس أمام شهود كثيرين ؛ لأنه بعد حين يسير يجىء الوارد ولا يبطئ.

ولكوننا لا نشاء أن نحتمل حزناً يسيراً من أجل الرب ؛ نلج بلا اختيارنا في غموم كثيرة وشرور جزيلة.

ولكوننا لا نريد أن نترك مشيئتنا من أجل الرب ؛ نسبب لذاتنا خسارة النفس.

ولكوننا لا نحتمل أن نكون من أجل الرب في الطاعة والهوان ؛ نُعدم ذاتنا عزاء الصديقين.

ولكوننا لا نذعن لوعظ الذين يعظونا من أجل الرب ؛ نجعل ذاتنا شماتة للشياطين الخبثاء.

ولكوننا لا نقبل الأدب الذي بالعصى ؛ نعاقب بأنواع العذاب حيث ليس من يعزي.

من يعطي لرأسي ماءً ؛ ولعيني ينبوع دموع ؛ ووجهاً بَهياً لدى الذين من خارج ؛ لأبكي على خطاياي نَهاراً ليلاً ؛ وأقول للضحك: كن بعيداً مني ؛ وللدموع تعالي إليَّ ؛ لأن خطيئتى أمام الرب جزيلة جداً ؛ ولا لهفواتي عدد.

وأعلموا يقيناً أن الدموع ثلاثة أنواع في الناس:

(1) دموع من قِبل الأمور الظاهرة. وهذه هي مرة جداً وباطلة.

(2) ودموع للتوبة إذا تاقت النفس للخيرات الدهرية ؛ وهذه هي حلوة ونافعة جداً.

(3) ودموع من التندم حيث البكاء وتقعقع الأسنان، وهذه هي مرة وغير نافعة لأنَها لا تنفع حينئذ شيئاً حين لا يوجد أوان للتوبة.

أستيقظ أيها الحبيب يقظة جزيلة في شبابك ؛ لتوجد في أواخرك مهذباً مختبراً.

لا يقنعك الحبيب الذي يخطر لك أفكاراً خادعة، ويقول لك: أنت الآن شاب ويليق بك أن تعيش سنيناً أُخر كثيرة ؛ فلهذا أفرح الآن وتنعم ولا تغم نفسك، وعند شيخوختك يجب أن تتوب.

أما تعرف أيها الأخ الغبي أن العدو يطغيك بِهذه، لأنه إذا كنت أنت بعد شاباً وفي عنفوان حداثتك حين تستطيع أن تصبر على كل تعب وتحتمل كل نسك لا تتوب ؛ فإن شخت ألا تتعلل بضعف الشيخوخة.

إن أهملت التوبة في حداثتك ماذا تعمل ؟ فأطرح إذاً طريقة العدو وأسمع صوت السيد الحقيقي القائل: ” تيقظوا إذاً وصلوا فإنكم لا تعرفون الساعة ولا اليوم “.

أيها الرب يسوع المسيح ملك الملوك ؛ الحاوي سلطان الحياة والموت ؛ العالم بالمكتومات والخفيات ؛ يا من لا يخفي عليك رؤية ولا فكر ؛ طهرني من مكتوماتي التي صنعتها ؛ فإني قد عملت العمل الخبيث أمامك لأن أيامي تفنى يوماً فيوماً وخطاياي تتكاثر، فأنت يارب يا إله الأرواح وكل جسد تعرف كثرت ضعف نفسي وجسدي.

فأمنح يارب لعديم القوة قوة ؛ وعضدني أنا الشقي ؛ لأنك أنت تعلم أنني قد صرت مثل آية لكثيرين ؛ وأنت معيني العزيز.

أعطيني يارب قلباً حسن العزم جميل الحفظ، أذكر أيها الصالح إحساناتك كل حين ؛ ولا تذكر كثرة خطاياي ؛ ولا تحقد على زلاتى، ولا تعرض يارب عن طلبتي أنا الخاطئ، لكن كما سترتني نعمتك حتى الآن وإلى الانقضاء ؛ لا تنزعها مني لأنَها هي حكمتي ؛ ومغبوطون هم الذين يحفظون طرقها فإنَها تكون لهم إكليل مجد.

أشكرك وأسبحك أيها الموضح فيَّ وفور رأفتك أنا غير المستحق ؛ لأنك صرت لي معيناً وساتراً ؛ فليكن اسم عظمتك مباركاً إلى الأبد، لأن بك يليق العظمة أيها الرب الإله.

أيها الحبيب علم أخاك طريقاً ؛ لا الطريق المؤدي إلى العالم ؛ بل المؤدي إلى ملكوت السماوات، أتقِ الرب بكل قوتك؛ ولا تعاين أعمال المنافقين؛ فإن نارهم لا تنطفئ ودودهم لا يموت.

والمجد للآب والابن والروح القدس

الإله الواحد

آمين

@

المقالة التاسعة

في تقويم المستسيرين من العباد

بسيرة ذات ألم، ويبتغون الكرامات

يا إخوتي أنا منذهل ومجروح بالحزن من أجل النبي القائل: ” انظروا أيها المتهاونون وأعجبوا “.

فأولاً: أتحير من أجل ذاتي خاصة ؛ من قبل جهلي وعدم أدبي ؛ لأنني صرت طُرقاً لكل ألم ولكل خطيئة ؛ والعدو ربط فيَّ كل عضو، فينبغي لي أن أنتحب وأبكي على ذاتي من أجل الخزي الحاصل فيَّ.

لأني أهتم بالأشياء التي للآخرين، وكان سبيلي أن أنتزع أولاً السارية التي في عيني ؛ ثم أعاين القذى الذي في عين أخي.

إلا أن التهاون الصائر الآن في وقتنا يغيصني في الحزن جداً ؛ لأنني أبصر الونية المشتملة علينا الآن ؛ ولا يمكنني أن أحتمل بل أتوجع نظير القائل:

” رأيت الذين لا ذهن لهم فذبت “.

لأن أية آلة لم ينصب لنا المعاند ؛ أو أية صناعة كثيرة أنواعها لم يمسكنا بِها، ويلي من لا يبكي على الأسواء المتشبثة بنا ؛ أصغوا إلى المقولات فإنني أتضرع إليكم أنتم الذين اخترتم هذه السيرة أن تصغوا وتفرقوا رعباً.

لأننا قد لبسنا زي الملائكة ونحن نناجي المحال، إن الإسكيم ملائكي والسيرة عالمية، أَترى الملائكة في السماوات يسيرون بالمحك والغيرة كما نشاهد الآن فينا، لأنه قد تأصل فينا الحسد والغيرة والوقيعة.

لأن المحال المكار قد نضح سمه بحال مختلفة في كل واحد منا ؛ وبصناعته يعرقلنا.

فواحد قد قوم الصوم، وقد مُسِك بالغيرة والحسد، وآخر قد مسك ذاته من الشهوة الشنعاء ؛ وقُيد تقييداً بالسبح الباطل، آخر قد قوم السهر وقد أقتنص بالوقيعة.

آخر قد أبعد الوقيعة ؛ وامتلأ من عدم الخضوع والمجاوبة، آخر قد مسك ذاته عن الأغذية ؛ وغرق بالصلف والتيه، آخر يواظب على الصلوات ؛ وينغلب من الغضب والغيظ.

آخر قد قوم شيئاً يسيراً ؛ وهو مترفع على المتوانيين، وآخر قد قيدته الرذيلة ؛ وليس من يفهم.

من أجل هذا يوجد في العبادة مماحكات وانشقاقات ؛ ويلي من لا يتنهد ؛ من لا ينوح على ضعف هذه السيرة الملائكية ؛ لأننا قد تركنا العالم ؛ ونحن نعقل معقولات العالم. طرحنا القنيان ؛ ولا نكف ولا نستقر من الخصومات. تركنا المنازل ؛ ونذوب بالاهتمام بِها كل يوم.

ليس لنا غنى ؛ والكبرياء لا نتركها. أهملنا التزويج ؛ ولا ننتقل من الطغيان الباطل. من داخل نتواضع ؛ وبالنفس نلتمس الكرامات. عادمين القنية بالظن ؛ ومضبوطين باحتشاد المال. عادمين القنية بالكلام ؛ ومرتبطين بالذهن بمحبة الاقتناء.

من لا ينوح على زهدنا وعلى ونيتنا، من يبصر ولا يعجب من صنائع العُباد ولا سيما المبتدئين والشباب، لأنَهم ما زهدوا بالقول ؛ ويتصلفون. وما خاطبوا أحداً بالإسكيم ؛ ويتعظمون. ما سمعوا التعليم ؛ ويعظون. لم يبصروا الدهاليز ؛ ويتصورون الأشياء التي داخل.

لم يرتقوا الدرج ؛ ويطيرون نظير السحب. بالسواء لم يذوقوا النسك؛ ويتدرعون بالسبح الباطل. لم يسمعوا صوت الآذان ؛ ويربون. لم يجتمعوا بالرفقة الأخوية، ويتسيدون متمولين. لم يدخلوا أبواب الدير ؛ وقد صاروا يظنون ويذمون ويقطبون.

فلا أفني الوقت لأن صنائعهم كثيرة ؛ وليس من يفهم ؛ ولا من يزهد من أجل اللـه ليبذل ذاته بالطاعة عبداً لأخوته ؛ لكن إن أنتهر ؛ يجاوب بمعاني من الخطابة. وإذا أطاع ؛ يشكك ذاته ولا يغاير العزم الصالح. ويرتب ذاته في الأشياء التى لا تنفع.

ليس له ثلاثة أيام منذ زهده في العالم ؛ ويخاصم من شاخ في الإسكيم، إذ لا يريدون أن يطيعوا ؛ يخترعون لذاتَهم صنائع. إذ لا يحتملون حرارة الجسد ؛ ويتهم ويعادي بعضهم بعضاً، ما دخلوا تحت النير ؛ وينتهرون ويأمرون ويسخطون.

أعمل هذا أيها الأخ ؛ فيقول: لا أعمله إن لم يجئ فلان. فلان متشاغل بدراسة الكتب ؛ فسبيلي أنا أن أثابر عليها.

ولعله قبل زهده كان يعيش عيشة الفعلة، ولم يعرف في قديم أمره ما هي يمناه ويسراه، وفي حال مجيئه إلى الدير قد ظهر محباً للعلم ومترجماً.

فلان الأخ مرتاح ؛ فينبغي لي أنا مثله أن أرتاح. يتفرج ؛ فسبيلي أنا أن أتنزه. يلبس حلة ؛ فيجب لي أن ألبس مثله. أخذ كرامة ؛ فينبغي لي أن أُكرم، قد مضى يحدث الآباء ؛ فسبيلي أن أفاوضهم. فوض إليه السلطان على الأمر الفلاني، أتراني لا أستحق أن أؤتمن أنا عليه.

هذه الأمور التي يرضاها الشباب. هذا تواضع المبتدئين. هذه أتعاب وأثمار الزيتون الحديث نصبه. أبِهذا الجهاد يحرصون أن يرثوا الملكوت.

من أجل هذا صاروا أعداء للـه. بِهذه الأشياء يظهر أننا لم نزهد بشىء يسير من سيرة العالم لأننا بالوهم زهدنا ؛ وبالحقيقة نعقل معقول العالم.

وبالحقيقة ليس لنا اعتذار لأننا بالإسكيم عباد ؛ وبالخلق جفاه وعادمو الإنسانية. بالإسكيم متورعون ؛ وبالخلق قتّال. بالإسكيم والزي متواضعون ؛ وبالخلق مفسدون. بالإسكيم والزي محبون ؛ وبالسخاوة ماقتون. بالإسكيم صادقون ؛ وبالسمية معادون.

بالشكل صائمون ؛ وبالقلب مجربون. بالإسكيم نساك ؛ وبالقلب متكبرون مجاهدون. بالزي أعفاء ؛ وبالقلب زناة. بالزي صامتون ؛ وبالقلب طامحون. بالزي ودعاء ؛ وبالخلق متعظمون.

بالزي معزون ؛ وبالسجية شامتون. بالزي مشيرون ؛ وبالحال مراءون، بالزي هادئون ؛ وبالخلق ماكرون. بالزي غير حاسدين ؛ وبالخلق حسودين. بالزي ناصرون ؛ وبالشيمة دافعون.

أترى من أين تعرض لنا مثل هذه الأمور ؟ سوى من كون ليس لنا محبة كاملة بعضنا لبعض، وليست لنا ألفة نقية ؛ وليس لنا تواضع حقيقي ؛ وليس لنا خوف اللـه أمام أعيننا.

أننا نتهاون ونتغافل ونظن أن الوصية الخلاصية خرافة وهذيان، بكلمة اللـه تتشدد السماوات ؛ ونحن لا نقبله بصفة أخ.

ذلك الفم المرهوب والغير مدرك والمرعب قال: ” من يشاء أن يكون فيكم عظيماً فليصر لكم خادماً “. ونحن قبل أن نعاين درجة الإسكيم نتكبر ويستعظم الواحد منا على الآخر ؛ ويطفر بعضنا على بعض، وكلنا عقلاء عند ذاتنا، كلنا مدبرون.

كلنا متسلطون ؛ مرتبون ؛ منتهرون ؛ مفترضو الشريعة ؛ محبو الأمر والنهي ؛ مترجمون ؛ معلمون ؛ كلنا نأمر ؛ كلنا مهتمون ؛ قهارمة ؛ أولون.

أترى لا يقنعكم قول الرسول بولس إذ يقول: ” إن كان الجسد كله سمعاً، فأين المشم ؟ “. إن كان الكل أولو الجماعة ؛ مدبرو ؛ الكافة مرتبون، فأين تفاضل ترتيب اللـه ؟

ومع هذا ألا يقنعكم أن تذعنوا للقائل: ” ليس أحد يأخذ الكرامة من ذاته إلا المدعو من اللـه “.

أم كيف يقول أيضاً: ” أترى كلهم معلمون “.

من أجل هذا رتب اللـه رئاسات وسلطات ؛ لأنه إن كان في السماوات كل أرواح الخدمة الغير بالين ولا مائتين لم يرضي اللـه أن يكونوا في رتبة واحدة ؛ بل رتب رؤساء وسلاطين وعظماء ؛ وكل واحد منهم لا يتجاوز رتبته ؛ وكافة الأشياء قد صارت بترتيب وثبات.

فلِمَ نخاصم بعضنا بعضاً خصومات جائرة ؛ والملائكة ورؤساء الملائكة لا يتجاوزون الحدود المرتبة لهم.

ونحن ندفع بعضنا بعضاً ؛ ويريد الواحد أن يكردس الآخر ؛ ويسابق بعضنا بعضاً قفزاً، ونزدري ونستصغر كأننا نستطيع أن نقوِّم شيئاً أكثر منهم. ترحماً لعماية الذهن.

ألا تذعنون لقول القائل: كل أحد فليثبت في الأمر الذي دعي إليه. كيف تتقون القائل: ” إن من يعطى كثيراً يطالب بكثير “. لكي تقتنوا بِهذا تواضعاً. يا إخوتي لا نستكمل عمرنا بِهذه المناقص المذمومة، كمن ليس أمام أعينهم القضية المرهوبة.

لا نسير كمن لا يزعمون أن يعطوا جواباً عن كل أمر، لا تصيروا عثرة وشكاً للذين هم من خارج، لا نضيفن خطيئة على خطايانا، لا يُفترَ على الإسكيم الجليل من أجل عدمنا الفهم، بل الأليق أن يُمدح بنا.

فإنه ستوافي وتجئ تلك الساعة المرهوبة ولا تبطئ ؛ وفيها نكون بلا اعتذار، لأنه ماذا نستطيع أن نقول للـه ؟ وماذا احتجنا أن يصنعه بنا ولم يفعله ؟

هل ما رأينا الإله نفسه متواضعاً بصورة عبد لنتواضع نحن ونصير متواضعين، أما رأينا وجهه الأقدس الذي لا يصفه عقل مبصوقاً عليه لكي إذا شُتمنا وانتهرنا لا نتوحش ونتنمر، بل أما شهدنا ظهره مبذولاً للسياط لكي نخضع لمدبرينا، أو ما عاينا وجهه وقد لطم لكي إذا رفضنا لا نتنمر.

هل ما سمعنا عنه أنه لم يناصب ولم يجاوب ؛ لكي لا نكون مستبدين برأينا ولا نجاوب. وأما سمعناه يقول: أنا لا أعمل من ذاتي شيئاً. حتى لا نصير نحن متعظمين مالكين مشيئتنا بذاتنا وحاوين السلطان على ذاتنا. بل ترى أما سمعناه قائلاً: تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب. لنصير نحن ودعاء ومتضعين القلب.

لكننا نحن نحسد بعضنا بعضاً ؛ وننهش ونأكل بعضنا بعضاً. أي جواب نعطيه.

أطلب إليكم لا من أجل الآلام البشرية نخرج من السعادة التي لا تنتهي؛ ولا من أجل الكرامة الوقتية نضيع المجد المؤبد، ولا من أجل المحك والغيرة والحسد نشجب في نار جهنم.

قد التمست أن تخلص فلِمَ تفحص أمر قريبك، قد دخلت تحت النير فلِمَ توعز وترتب ليشتهر ثمر طاعتك.

ثق فإنه لا مرتبة ؛ ولا كرامة ؛ ولا عظم شأن ؛ ولا بأن يقال لأحد أولاً وثانياً، ولا بأن يسمى مدبراً، ولا بأن يدعى أيها الشريف، ولا بأن يفوض إليه كرامة، ولا بأن يؤتمن على مرتبة يدخل بِهذه إلى ملكوت السماوات، أو يعطى صفحاً عن خطاياه، أو ينجى من التعذيب. بل هذه تُشجب وتُهلك.

لكن التواضع ؛ والطاعة ؛ والمحبة ؛ والصبر ؛ وطول الروح ؛ تمنح ملكوت السماوات وتوابعه. لأنه لا يستطيع أحد أن ينجح ويوقر ويخلص إلا بالتشبه بالرب في الكل.

أما قد سمعتموه قائلاً: ” ما جئت لأُخدَم بل لأَخدُم “. وأيضاً: ” ما جئت لأصنع مشيئتي بل مشيئة من أرسلني “. وأيضاً: ” من يعلي ذاته يوضع “. أو ما سمعتم كيف يطوب قائلاً: ” الطوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات “.

أما سمعت أنك كنت إذا جلست تغتاب أخاك وكيف يوعد أنه سيوبخك تجاه وجهك، أما قد سمعتم أن من يبغض أخاه هو في الظلمة وأن المحال من أجل الجسد سقط من السموات. أو ما قد وعيتم أنه من أجل الكبرياء والمجاوبة هبط من أي مجد وشرف، وأن مريم أخت موسى من أجل كلمة تعيير أصيبت بالبرص.

فلماذا ولنا مثل هذه الأنموذجات نسد آذاننا كما لأفعى، لا أعني الآذان الجسدانية بل آذان القلب، لأن هذه تتذكر لكن تلك لا تتذكر.

لم لا تصدق القائل: ” أن من يثبت في المحبة يثبت في اللـه “.

أتضرع إليكم يا معشر الرعية المنتخبة أن نستفيق ما دام لنا وقت، ولنتعفف ما دمنا في الإمهال.

لئلا تفاجئنا تلك الساعة المرهبة المؤلمة ؛ فننوح بمرارة نادمين تندماً لا ينفع، لئلا نخزى بذلك الخزي العظيم أمام اللـه والملائكة والناس.

ولنكف عن الخصومات ؛ ولا سيما نحن الحاويين الحواس الشبابية، تواضعوا بكل ما لكم من قوة لتستطيعوا أن تدركوا الكمال.

قد علمتم كم كان لآبائنا من راحة وتحرز، وكم تواضع وتحفظ، وشقاء وازدراء بذاتَهم، فالآن الحرب عظيمة فلا نتهاون، ولا تظنوا أنكم قد وصلتم إلى الكمال ؛ إن الحاجة ماسة إلى تعب كثير وجهاد جزيل لننال الخلاص.

لا تظنوا أن التزين الكثير أو سدل الثياب هو التعبد ؛ أو أن تكون يدا الإنسان بَهيتين ذلك يخلصه، أو حسن المنطق، أو ترجمة الكتب هو الكمال، أو كشف الرؤوس ؛ أو تسريح الشعور وتنظيفها بغير الفضائل الموافقة الملائمة التي لا تنحصر في لبس الإسكيم.

لكن الإسكيم الذي يتبعه الخلق الجميل والأعمال ؛ لأن الإسكيم خلواً من الأعمال ليس شيئاً ؛ فلا تُهملوا الاهتمام ؛ ولا تتراخوا لأن الحاجة إلى تعب كثير كي نلجم الحداثة.

فإن كنتم تستثقلون المقولات ؛ لكن ذلك لا يغمني لأنني أشاء أن تقبلوا مكاوِ لتزيلوا القبح وتنزعوا التماسي، ولا تظنوا إن كتمتم آلامكم ينساها اللـه ؛ فإنني أقول لكم إن الأفعال الخفية فيكم أستقبح أن أكتبها لأنني إن عملت ذلك لا تثبتون بل تَهربون.

فلهذا أطلب إليكم أن تواضعوا ذاتكم بالطاعة بالمحبة بالحقارة بالإهانة، وبِهذه أطيعوا بعضكم بعضاً، وأخضعوا بالصوم بالصلاة بالسهر بالترتيب الممدوح، لا تكونوا في الخصومة أقوياء وفي الترنيم ضعفاء.

لا تكونوا منتبهين إلى مناجات الأفكار وناظرين مثل وحوش، وفي الصلاة متناعسين وتغمضون عيونكم، لا تكونوا في الحديث الباطل أقوياء كالثيران وفي هذيذ تمجيد اللـه ضعفاء كالثعالب، لا تكونوا في حجج الخصومة غير مغلوبين وفي الأقوال الروحانية تتثآبون.

لا تكونوا في اللعب أصحاء وإذا وعظتم تقطبون، لا تكونوا في النهار معافين بنهم البطن وفي الصلاة الليلية متمارضين، لا تكونوا في المحادثات جبابرة وفي الأعمال منحلين، لا تكونوا في أن تأمروا مكرمين وفي أن تؤمروا متنافرين.

لا تكونوا ملتذين بأن تطاعوا وفي أن تطيعوا مقطبين، لا تكونوا في أن تأمروا صارمين وإذا أُمرتم تتذمرون، لا تكن الأيدي إلى الأصابع واللسان إلى الصدر، لا تكونوا إلى المائدة متسارعين وفي الأعمال متوانين.

لا تكونوا في استدعاء النواظر إليكم متيقظين وفي أن تميزوا شيئاً صالحاً مظلمين، لا تكونوا بحضرة الإناث متأدبين ومع إخوتكم متنمرين، لا تكونوا في كثرة الغتذاء أقوياء وفي الصيام ضعفاء، لا تكونوا في شرب الخمر مسرورين وفي شرب الماء مقطبين ومكتئبين.

لكنني أتضرع إليكم يا أولاد اللـه ؛ أن تتخذوا الغيرة النفيسة ؛ ومهما كان ممدوحاً صالحاً يختص بالمنفعة، اقتنوا أول كل المناقب التواضع ؛ المحبة؛ الخيرية ؛ الوداعة والدعة سامعين بعضكم لبعض.

ولا تتخاصموا في شىء لا ينفع، وكونوا غير عاجزين في الصوم والصلاة لتستطيعوا أن تغلبوا الآمر الجسد ؛ لكي لا من أجل الآلام المنكرة نعدم مثل جسامة هذه الخيرات، لا نبتغِ الوقتيات فنضيع المجد الذي لا يفنى.

أسرعوا وبادروا وما دمنا في الجسد فلنعمل المناقب التي ترضي اللـه، ولنحرص فقد حصلنا في شىء عظيم، فلا نُهمل الاهتمام فليس صراعنا بإزاء أناس مبصرين لكي ما إذا رأيناهم نتحرز منهم بل الذين يحاربوننا لا يرون.

فلأجل هذا إن العطب عظيم للمتوانين ؛ وإذا غلبوا فلهم ثواب جزيل، فلنغلبهم بالحيل ولنصاففهم، فإذا حرضنا العدو على شره البطن فلنحاربه بالصوم، إن هيجنا إلى اشتهاء امرأة فلنستعمل الصبر ؛ ونمسك الحس ونَهرب من المكان.

إذا أنْهضنا إلى الغيظ فلنتضرع بالسلامة، إن جعلنا أن نغضب فلنتخذ الوداعة، إن أنْهضنا إلى المقت فلنلاصق المحبة، إذا حصلنا إلى ابتغاء الإكرام فلنوضح رغبة الاستحقار.

إذا حضنا إلى رغبة الشرف فلنتخذ الخفضة والدناءَة، إن خيل لنا أمور الاستعلاء فلنصور في ذهننا تواضع الرب، أن حرضنا إلى مغايرة أخينا فلنخطر ببالنا سقطة قايين.

إن استنهضنا إلى الحسد فلنذكر هلاك عيسو ؛ إن حركنا إلى الاغتياب فلنسيج علينا الصمت، إن قاومناه هكذا يهرب ولا يثبت، وتوافي وقتئذ النعمة وتكللنا كما يليق بالظافرين.

صدقوني يا إخوتي أنني مشجوب من جميع الأشياء التي وعظتكم أن تحفظوها فقد صرتم أتقياء وأنا متوحل بحمأة الخطايا.

لكن بادروا أن تبتعوني بتوبتكم الجليلة، صدقوني أنني ما حفظت شيئاً مما قلته، زينوا أقوالي بأعمالكم وأنا متيقن أنكم ستوجدون بلا عيب وأنا سأُدان عن الأقوال التي أقولها ولا أعملها.

لا نتوانى عن خلاصنا ؛ ولا نحسب المقولات مثل أمثال ؛ فإننا ما أوردنا شيئاً خارج المكتوبات والمقولات ليست كاذبة.

فلنقبل زرع هذا القول ؛ ونثمر كالأرض الصالحة بعض ثلاثين وبعض ستين وبعض مائة، لكي ما إذا حملنا الأثمار وتسربلنا ببهاء الفضائل نفرح بربنا يسوع المسيح، وهو ينجينا في ملكوته.

فإن له يليق المجد

إلى أبد الدهور

آمين

@

المقالة العاشرة

في تذكار الخطايا

أشاء أن أبث قدامك أيها المسيح المخلص ؛ وأصف بحضرة مجدك كافة المرارة التى تختص بي ؛ وبنيتي الخبيثة، وأذكر أيضاً كل الطرب والحلاوة التي صنعتها معي ؛ إذ منذ جوف أمي صرت مغيظاً جاحداً خيريتك ونعمتك، لا نشاط لي في الخير.

فأنت أيها السيد أعرضت عن كافة شروري ؛ ومن أجل رأفاتك الجزيلة أرتفع بنعمتك يا ابن اللـه رأسي الذي كان ذليلاً كل حين من أجل خطاياي.

تجذبني بنعمتك إلى الحياة ؛ وأنا أسعى بنشاط إلى الموت ؛ لأن عادة الآلام الرديئة المذمومة جذبتني حين أذعنت لها ؛ وقيدت الفكر بقيود لا تنفك ؛ والقيود مأثورة عندي دائماً. لأنني أشاء أن أتقيد.

فالعادة تقيدني بإشراكها ؛ وأفرح إذا قيدت، تغيصني في العمق وأنا ألتذ بذلك، والعدو كل وقت يجدد قيودي لأنه قد رآني مسروراً برباطاتي الكثيرة ضفرها، وهو كثير الحيل في صناعته فلا يربطني بالرباطات التي لا أرغبها، لكنه يقدم لي دائماً الأغلال الفخاخ التي أقبلها بالتلذذ كثير.

لأنه يعرف أن الهوى يقوى عليَّ فيحضر لي بطرفة عين القيد الذي أريده، يا له من بكاء ونوح من عار وخزي أنني أتقيد بمشيئتي فأنا لا أقدر أن أسحق القيود في لحظة واحدة وأصير حراً من كافة الفخاخ.

لأنني بالاسترخاء والعادات متعبداً للهوى ؛ وأقتل بالآلام التي أستبشر أنا بِها.

لو شئت لاستطعت أن أفك القيود وأسحقها، ولو أردت لقدرت أن أهرب من الفخاخ، فهل يكون أمر من هذا النوح والبكاء ؟ أم يكون خزي أصعب من هذا ؟ بلى لا يكون أشد مرارة من هذا الخزي، أن يعمل الإنسان مشيئات عدوه.

فأنا أعرف قيودي ؛ وأخفيها في كل ساعة من كافة الذين يشاهدونني في زي الورع ؛ وضميري يوبخني إذا عملت هذا قائلاً لي كل وقت:

” لِمَ لا تستفيق يا شقي، أو ما علمت أنه آتي وأقترب يوم الدينونة الرهيب الذي فيه تظهر الأشياء كلها، أنْهض ما دمت قادراً ومزق الرباطات التي لك، لأن فيك قوة العقد والحل “.

هذا يقوله لي دائماً ضميري ويوبخني، وما أريد أن أستريح من القيود والإشراك، أنوح من أجلها كل يوم وأتنهد وأوجد مربوطاً بِهذه الآلام نفسها.

أنا شقي ومتواني غير ناجح في صالح نفسي، كيف لا أخاف من فخاخ العدو، جسمي مشتمل بجمال زي التورع ونفسي مقيدة بأفكار غير لائقة، أتورع بحضرة الناظرين بحرص ؛ وأنا من داخل وحش لا يستأنس.

أحلي كلامي للناس وأمنحهم إياه ؛ وأنا في نيتي مر وخبيث ؛ فماذا عسى أن أعمل في وقت الاختبار إذا أوضح اللـه كافة الأشياء في مقام الدينونة، أنا أعلم أنني سوف أعذب هناك إن لم أستعطف من هنا الديان بالدموع.

فلذلك لا يسخط عليَّ بل ينتظر عودتي إذ لا يشاء أن يبصر أحداً متحرقاً بالنار بل يريد أن يدخل إلى الحياة كافة الناس.

فإذ أنا واثق برأفاتك يا ابن اللـه ربي أخر لك طالباً أقبل بنظرك إليَّ، أخرج نفسي من سجن المآثم؛ وأشرق شعاع نورك في ذهني قبل أن أمضي إلى المدينة المرهبة التي تنتظرني حيث لا يمكنني أن أتوب عن المساوئ.

وأنا مضبوط بفكرين يكتنفني كل واحد منها: هل أسافر من الجسد أولى من أن أخطئ ؛ لكن أخاف أنا الشقي أن أمضي وأنا غير مستعد مجرد من الفضائل، أو أبقى ؛ فالخوف العظيم يعذب قلبي من كوني لا أبقي في الجسد بل لا بد من أن أنتزع منه.

ولست أعرف بأيهما أتعزى، لأنني أعاين ذاتي غير نشيط في الصلاح، وحياتي في الجسد ذات خوف وجزع، لأنني في كل وقت أتمشى بين الفخاخ وأماثل التاجر المتواني العاجز الذي يخسر في كل ساعة رأس المال مع الربح.

هكذا أنا أخسر الخيرات السمائية بالأنغلاب الذي يجرني إلى المساوي وأحس بذاتي كيف أسرق في كل ساعة وأوجد بغير مشيئتي في الأمور التي أبغضها، أتحير في أمر البرية كيف هي بَهية دائماً، أنذهل في نيتي الرديئة متضايقاً مغموماً.

من يخطئ دائماً أفضل ممن يتوب كل يوم لأن توبتي ما لها أساس، البناء وطيد إلا أنني كل حين أضع أساس بناء وأنقض العمل بيدي، وتوبتي الحسنة إلى الآن لم تبتدئ، وونيتي المذمومة لا انتهاء لها.

تعبدت بالاسترخاء لمشيئة عدوي ؛ وأنا نشيط أن أكمل ذلك، فمن يعطي لرأسي ماءً لا يقدر ولعيني ينابيع دائمة لتنبع عبرات.

فأبكي كل وقت لدى الإله الرؤوف ليرسل نعمته لينتشل خاطئاً من بحر هائج بأمواج الخطايا، فإن نفسي غرقت بتواتر الموج ؛ وجراحاتي لا تقبل البتة عصائب الشفاء.

أنتظر التوبة ؛ وأنا مسروق بِهذا الوعد الباطل إلى أن يفنى ؛ أقول أنني أتوب ولا أتوب إلا بالكلمات ؛ وبالأفعال أنا مبتعد من التوبة، إن كنت في رفاهية وراحة أنسى طبيعتي، وإن حصلت أيضاً في غموم أوجد متذمراً.

الآباء القديسون كانوا محبين للـه في الأحزان والمحن، كانوا مختبرين مهذبين ؛ وقبلوا بذاتِهم إكليلاً لا يضمحل من الإله السمائي بشرف ومدائح، اقتنوا من الحزن مديحاً وثناءً جميلاً ؛ وصاروا صورة حسنة للأجيال الواردة.

ومع هؤلاء يوسف المهذب الجميل البهاء ؛ المتناهي في العفة ؛ المملوء جمالاً سمائياً مع محبة العلي، أقتنى بالتجارب صبراً نفيساً لأن حسد إخوته الردىء ما قدر أن يدر جمال نفسه، ولا استطاعة المراودة المخاتلة أن تذبل جمال الصبي الزاهر، كانت تنظر في كل ساعة إلى زهر العفيف لتسكب عليه سماً مراً، ولا الحبس والقيود ذبلت حسن بَهاء زهرة نفس الصبي المحب للـه.

فإن كنت أنا الشقي أخطأت بغير محنة ما، وأخطئ وأغيظ وأمرمر سيدي، فقد اختبرت رأفاته الجزيلة.

خلصني يارب وأعطي لعبدك كطلبته التي يبتغي من كنـز تحننك، أيها السيد لتنبع نعمتك في قلب وفم عبدك بمداومة مثل ينبوع ليكون قلبي وفمي هيكلاً طاهراً لامعاً بخيريتك ونعمتك ؛ قابلاً ملكاً سمائياً لا كعش للأفكار الخبيثة ومغارة لصوصي أردياء للروايات الشريرة.

بل تحرك إصبع نعمتك لساني دائماً كأوتار المعزفة لتمجيدك أيها المتعطف على الناس، لكي ما أمجد بلا فتور وأبارك بشوق قلبي وفمي كل زمان حياتي.

لأن من يعجز عن أن يسبحك ويمجدك هو غريب من الحياة العتيدة.

أيها المسيح المخلص ؛ أعطيني سؤال قلبي ؛ ليصير مثل رباب النغمة لأستطيع أن أوفي ههنا ديوناً قليلة ؛ وأحظى هناك أيضاً بوفاء نعمتك حين تجزع كل نفس وترتعد من مجدك الرهيب.

نعم يا سيدي يا ابن اللـه الوحيد ؛ أستجب لتضرع عبدك الخاطئ ؛ وأقبله مثل قربان ؛ فأخلص بنعمتك.

والمجد يليق

بمن يخلص الخاطئ برأفاته

آمين

@

المقالة الحادية عشرة

في التوبة والدينونة

الذي أنحضر من حضن الآب ؛ وصار لنا طريقاً للخلاص يعلمنا التوبة بصوته الإلهي قائلاً:” ما جئت لأدعو صديقين ؛ لكن خطاة إلى التوبة “.

وأيضاً: ” الأصحاء لا يحتاجون طبيباً لكن المرضى “.

فإن كنت أنا أقول هذه الأقوال ؛ فلا تسمعني أصلاً ؛ وإن كان الرب نفسه يقولها ؛ فلِمَ تتهاون بحياتك متوانياً عنها.

إن عرفت أن لذاتك جراحات من الأفكار والأفعال غير مشفية ؛ فلماذا تتوانى في جراحاتك المكتومة ؟ ماذا تخاف ؟ أَمن الطبيب، ليس قاسياً ؛ ولا عادم التحنن ؛ ولا فاقد الرحمة. لا يستعمل بطراً ؛ ولا دواء مراً وكاوياً ؛ لأنه يداوي بالكلام فقط.

إن شئت أن تتقدم إليه هو مملوء خيرية وموعوب تحنناً ؛ جاء من أجلك من حضن الآب، ومن أجلك تجسد لتتقدم إليه بلا خوف، من أجلك تأنس ليشفي جراحاتك الخفية.

وبمحبة جزيلة وخيرية غزيرة يدعوك قائلاً: أيها الخاطئ تقدم وأبرأ بسهولة ؛ أطرح عنك ثقل الخطايا ؛ قدم تضرعاً ؛ ضع على قيح جراحاتك دموعاً، لأن هذا الطبيب السماوي الصالح يشفي الجراحات بالدموع والتنهد.

تقدم أيها الخاطئ إلى الطبيب الصالح ؛ وقدم العبرات وهو الدواء البليغ الجودة، فإن الطبيب السماوي يشاء أن يبرأ كل أحد بعبراته ؛ فليس مستصعباً أن تشفي جراحاتك بالدموع، لأن هذا الدواء لا يبطئ بالشفاء ولا يضمد به مكرراً ولا يشنج الجرح بل في الحال يبرأ بلا وجع.

فالطبيب متوقع أن يبصر دموعك. تقدم ولا تجزع، أره الجرح وائتى بالدواء ؛ ائتى بالدموع والتنهد فإنه بِها فتح باب التوبة، تبادر أيها الخاطئ قبل أن يغلق الباب ؛ ولا تنتظر وقتاً يوافق ونيتك ؛ لئلا يبصرك البواب مضجعاً ؛ أتروم أن تدوم في تَهاونك.

يا شقي لِمَ تبغض حياتك، أيها الإنسان ماذا يكون أسمى علواً من نفسك، وأنت أيها الخاطئ قد تَهاونت بِها، هل تعلم أيها الحبيب في أي ساعة يأمر الطبيب السماوي فيغلق باب مداواته، أطلب إليك أن تتقدم وتحرص أن تبرأ ؛ فإنه يشاء أن يفرح بتوبتك الموكب السماوي.

الشمس قد بلغت إلى الساعة المسائية ؛ ووقفت من أجلك إلى أن تبلغ إلى المنزل، فإلى متى تحتمل العدو النجس مكملاً بلا خجل مشيئته ؛ لأنه يتمنى أن يزجك في النار، هذا هو حرصه ؛ وهذه هي موهبته التي يمنحها للذين يحبونه.

فهو يحارب دائماً بالشهوات الرديئة والنجسة الناس أجمعين، ويفضي بالذين يذعنون له إلى اليأس، يقسي القلب وينشف الدموع لئلا يتخشع الخاطئ.

فأهرب منه أيها الإنسان ؛ أمقت وأرفض مأثوراته، أبغض الخبيث وفر من الغاش ؛ فإنه قتال للناس منذ الابتداء وإلى الانتهاء، أهرب منه أيها الإنسان لئلا يقتلك.

أسمع أيها الحبيب الصوت القائل كل وقت: ” هلموا إليَّ يا جماعة المتعوبين والموقرين وأنا أريحكم، احملوا نيري وتعلموا مني فإنني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لأنفسكم “.

يقول أنه يعطيك راحة وحياة فلِمَ تتوانى، ولِمَ تجوز يوماً فيوماً، تقدم ولا تجزع فإن السيد صالح ومتحنن غير محتاج وغني لا يطلب إحصاء كافة خطاياك، هو الملجأ الذي يلتجئ إليه سائر من به الآلام.

يشفي الجراحات ويهب الحياة بلا حسد، لأنه صالح يقبل بسهولة كافة الذين يخرون ساجدين لأنه هو الإله الأعظم وسابق علمه، يعرف سائر رؤيتنا وأفكارنا ؛ يبرئ الإنسان إذا تقدم إليه، لأنه يعاين قلبه وكافة نشاطه إذا دنا إليه مؤمناً بفكر غير منتقل.

فالإله الصالح بخيريته موجود للذين يبتغونه ؛ ومن قبل أن يرفع الإنسان نظره إليه يقول له: قد حضرت. وقبل أن يدنو منه يفتح له كنزه، وقبل أن يهمل دموعه يسكب كنوزه، وقبل أن يتضرع إليه يصالحه، وقبل أن يبتهل إليه ينال الرحمة لأن محبة اللـه بخلوص تشتاق هكذا.

والذين يقبلون إليه لا يبطئ عن الاستماع لهم، لا يشكو من يقبل إليه قائلاً: لِمَ خدمت العدو مثل هذا الزمان وتَهاونت بي عمداً. لا يطلب كمية الزمان السالف، إنما يطلب السيد ممن يسكب أمامه تواضعاً ودموعاً وتنهداً.

لأن إلهنا وجابلنا هو سابق العلم ؛ فيغفر في الحين كافة مآثمه ؛ وكل هفوات أفكاره وأفعاله ويأمر بإحضار الحلة الأولى، ويجعل خاتماً في يده اليمنى، ويأمر جماعة الملائكة أن يسروا معاً بوجود نفس الخاطئ فمغبوطون نحن الناس أجمع ؛ فإن لنا سيداً حلواً غير حقود صالحاً.

رؤوفاً متحنناً طويل المهل، غافر كل حين نفاقنا عندما نشاء، فها هو يعزي ويتمهل، هوذا يمنحنا كل خيراته في هذا الدهر وهناك إن شئنا.

هلموا فلنتضرع إليه ما دام لنا زمان ؛ فإننا ما دمنا في هذا العالم نستطيع كل وقت أن نستعطف السيد، ويسهل علينا أن نطلب غفراناً، ويتيسر لنا أن نقرع باب تحننه.

فلنسكب العبرات مادام يوجد وقت تقبل فيه الدموع لئلا ننصرف إلى ذلك الدهر فنبكي بكاءً غير نافع ؛ لأنه هناك تحسب الدموع لا شئ، فبمقدار ما نشاء ؛ بقدر ذلك يغفر لنا الإله الصالح ؛ لأنه يستجيب لنا إذا استغثنا به ؛ ويغفر إذا تضرعنا إليه، يمحو آثامنا إذا أحسنا عزمنا لقريبنا.

هنا التعزية وهناك المطالبة، هنا طول التمهل وهناك الصرامة، هنا الراحة وهناك الضيقة، هنا امتلاك السلطة على الذات وهناك مجلس القضاء، هنا التمتع وهناك العذاب، هنا التغطرس وهناك العقاب، هنا الضحك وهناك البكاء، هنا إهمال السيرة وهناك التعذيب.

هنا التهاون وهناك النار الأبدية، هنا التزين وهناك الولولة، هنا التصلف وهناك التذلل، هنا الاختطاف وهناك قعقعة الأسنان، هنا الخدور المذهبة وهناك الظلمة المدلهمة، هنا التواني وهناك تبقى خطايا الكل غير مغفورة.

فإذ قد عرفنا هذه يا إخوتي الأحباء فلِمَ نضجع في خلاصنا، لا يتسمر يا إخوتي عقلنا هنا، لا يحل لنا محبة الأشياء الأرضية لئلا يصير بكاؤنا هناك مراً.

ولِمَ نتهاون غير مريدين أن نخلص ما دام الوقت موجوداً ؛ يغفر اللـه بالدموع وبالتوبة في هذا الوقت اليسير سائر الهفوات.

أبكِ هنا قليلاً لئلا تبكِ هناك الدهر في الظلمة البرانية، أحذر جيداً هنا لئلا تلقى هناك في النار التي لا تخمد، من لا ينوح علينا ومن لا يبكي، قد أبغضنا الحياة وأحببنا الموت، تأمل يا أخي الشقيق ؛ وأختر الأفضل والموافق لنفسك ؛ وأنظر أية صعوبة تلحقك دائماً.

أتبكي هنا على خطاياك وتتضرع لتصير بالتوبة خالص الود ؛ أو تبكي هناك في النار ولا ينفعك شيء، لأنك إذا بكيت هنا تنال راحة مع كل تعزية، وهناك إذا بكيت تذهب إلى العذاب.

أعطِ قليلاً لكي ما يسمح لك بديون نفسك، فإن لم تريد أن تقضى هنا من الكثير قليلاً فهناك ستجازي عما عليك من الديون بعذاب كثير.

فهذه الأقوال يا إخوتي المحبين للـه خاطبت بِها مودتكم المأثورة ليس لكوني مستحقاً وطاهراً في سيرتي ؛ وعائشاً بالطهارة ؛ بل لوجع وحزن وضغطة قلب مخطراً بذهني ما هو معد لنا ونحن متوانون مضجعون.

أنا يا إخوتي نجس أنا منافق في سيري بأفكاري وأفعالي غير عارف من ذاتي بالكلية شيئاً صالحاً، أنا متراخي وخاطئ في نيتي وعزمي ؛ وهذه الأقوال إنما أقولها لألفتكم لأن الحزن مطيف بقلبي من أجل دينونة اللـه العتيدة الرهيبة ؛ لأننا كلنا متهاونون ونظن أننا نعيش في هذا العالم الباطل إلى أبد الدهر، والدهر يعبر والأشياء التي فيه كلها.

ونحن يا أحبائي سنطالب بجواب عن هذه الأمور كلها ؛ لأننا عارفون المناقب النفيسة ؛ وعاملون الأفعال الرديئة ؛ ونتهاون بمحبة المسيح الإله وملكه ؛ ونكرم الأرض وجميع الأشياء التي فيها.

إن الفضة والذهب لا تنقذنا من النار الرهيبة ؛ والثياب والتنعم يوجد هنا لدينونتنا.

فالأخ لن يفتدي أخاه، والأب لا يفتدى ابنه، لكن كل واحد يقف في مقام رتبته في الحياة أو في النار.

لقد تجرد القديسون والصديقون والأبرار من هذا العالم وأموره باختيارهم، وبرجاء وصايا اللـه الصالحة أيقنوا أنَهم يتمتعون بخيراته في فردوس النعيم.

لأنـهم تاقوا إلى المسيح وأكرموه إكراماً كثيراً، وتعروا من الأشياء البالية ؛ فلذلك هم مبتهجون كل حين باللـه، ومستضيئون بالمسيح ؛ ومسرورون بالروح القدس دائماً، والثالوث الأقدس يبتهج بِهم، وتستبشر بـهم الملائكة ورؤساء الملائكة، ويتباهى بِهم فردوس النعيم.

بالحقيقة هؤلاء هم الممدوحون المشرفون المغبوطون، كل وقت يطوبِهم الملائكة والناس لأنَهم أكرموا محبة اللـه إكراماً فوق العالم أجمع ؛ فوهب لهم الإله القدوس المحق ملكوته ؛ وأعطاهم مجداً أعظم أن يبصروه بسرور مع الملائكة القديسين كل حين.

وكثيرون من الناس اشتاقوا إلى الأرض وإلى الأشياء البالية التي فيها، فتسمر عقلهم كل وقت فيها، وأغذوا أجسامهم بالأغذية كالبهائم كأن هذا العالم عندهم باقٍ لا يموت.

ماذا تصنع أيها الإنسان إذ تسير كبهيمة لا نطق لها. قد خلقك اللـه فهيماً مميزاً فلا تماثل بعدم التمييز البهائم الفاقدة الفهم.

فق أيها الإنسان قليلاً ؛ وعُد إلى ذاتك ؛ وأعرف بما أنك فهيم أنه من أجلك أقبل الإله الأعلى من السماء ليرفعك من الأرض إلى السماء وقد دعيت إلى عرس الختن السمائي فلِمَ تتهاون ؟ لِمَ تستصعب الأمر ؟ قل لي كيف يمكنك أن تذهب إلى العرس وليست لك حلة عرس فاخرة ؟

وإن لم تمسك مصباحاً ؛ فكيف يمكنك الدخول ؟ وإن دخلت متهاوناً فتسمع في الحال صوت الختن: يا صاحب كيف دخلت متهاوناً إلى العرس وليس عليك لباس عرس ملكي.

تَهاونت ودخلت لتصنع بعريتك استخفافاً بملكوتي ؛ ثم يقول الملك لغلمانه: شدوا يدي هذا الشقي ورجليه معاً ؛ وزجوه في أتون النار ليتعذب هناك إلى أبد الدهر. لأنني أنا منذ مدة كبيرة جئت ودعيت الكافة إلى العرس ؛ فهذا أستحقر دعوتي ولم يعد له لباس العرس ؛ فلهذا أمركم أن تعذبوا هذا الشقي لأنه تَهاون بمملكتي.

أتراك أيها الإنسان لا ترهب هذه ؛ ولا ترتعد منها فزعاً ؛ من دنو إشراق الختن ؛ أما قد علمت أن كافة البرايا متوقعة للمثول أمامه ؛ والصور السماوي ينتظر صوته.

فماذا تصنع هناك في تلك الساعة إن لم تكن مستعداً قبلها ؟ هيئ ذاتك لتلك الساعة للغبطة الإلهية؛لأنه يطوب اللـه المستحقين والصور السماوي يبوق من السماء ويقول: أيها المحبون للمسيح انْهضوا فها قد ورد الملك السماوي ليعطيكم نياحة وسروراً في الحياة الخالدة عوض تعب نسككم.

انْهضوا وأبصروا المسيح الملك الختن الذي لا يموت الذي تقتم إليه، لأنكم حين تقتم إليه صرتم من أجله سكاناً على الأرض، أنْهضوا فعاينوا نضارة بَهائه، قوموا فشاهدوا مملكته التي أعدها لكم.

أنْهضوا وانظروا إلى المسيح شوقكم، قوموا فأبصروا الرب الذي لا يشبع منه الذي أحببتموه وتألمتم من أجله.

تعالوا فأبصروا الذي اشتهيتموه بدالة جزيلة ؛ وأفرحوا معه فرحاً لا ينعت ؛ ولن ينتزع أحد منكم فرحكم.

هلموا فتمتعوا بالخيرات التي لم تبصرها عين ولم تسمعها أذن ولم تخطر على قلب الناس التي يهبها لنا هذا المحبوب. فيخطف القديسين في السحب لاستقباله ؛ ويطير الصديقون والمستحقون للـه في علو الهواء بمجد لا يقدر ليعاينوا الملك السمائي الباقي.

فمن هو ترى المستحق أن يخطف في تلك الساعة إلى التقاء المسيح بفرح عظيم ؟ يخطف المستحقون كلهم بمجد ؛ والمنافقون يبقون أسفل بخزي عظيم.

فالطوبى والسرور للحريصين هنا ؛ والعذاب والخزي لجماعة الخطاة، مغبوط ذلك الذي قد حرص هنا أن يوجد مستحقاً لتلك الساعة ؛ وشقي ذاك الذي جعل ذاته غير مستحق لتلك الساعة.

فالسحب تخطف القديسين من الأرض إلى السماء ؛ والملائكة يخطفون أيضاً المنافقين ليلقوهم في أتون النار التي لا تطفأ.

من يعطي لرأسي مياهاً لا تقدر، ولعيني عيناً نابعة دموعاً دائماً ما دام يوجد وقت تنفع فيه العبرات، فأبكي على نفسي النهار والليل متضرعاً إلى اللـه ألا أوجد في ساعة وروده غير مستحق ؛ ولا أسمع قضية السيد الرهيبة عني: ” أنصرف يا عامل الإثم لست أعرفك من أنت “.

أيها الإله الأعلى الذي لا يموت وحده ؛ أعطيني أنا الخاطئ في تلك الساعة رأفاتك الجزيلة لكي لا يظهر نفاقي المكتوم أمام الناظرين الملائكة ورؤساء الملائكة، الأنبياء والرسل، الصديقون والقديسون. بل أحفظ المنافق بنعمتك ورأفاتك، وأدخله إلى فردوس النعيم مع الصديقين الكاملين، أقبل طلبة عبدك أيها السيد بشفاعة القديسين الذين أرضوك.

والسبح لك يا ربنا يسوع المسيح. آمين.

@

المقالة الثانية عشرة

في الابتهال والتخشع

أنت وحدك الإله الصالح المتحنن ؛ الآتي بكافة الخيرات وعين الأشفية وكنز الرأفات ؛ المعطي دائما الخيرات للذين يسألونك.

فإذ كنت أنا نفسي قد نلت الخبرة بأشفية لا تحصى ومواهب جليلة خولتها لي يوماً فيوماً ؛ فمن أجل ذلك بلا خجل أتضرع إليك أيها المسيح الإله المحتمل البشر أن توافيني بنعمتك كالعادة ؛ لكي ما تجمع ذهني وتشفي جراحاتي المخفية.

لأن الانغلاب والتنزه قد عملا فيَّ جراحات مكتومة، فأنت أيها الطويل الأناة ؛ المتمهل الشافي كل وقت بنعمتك ورأفاتك ؛ شفيت بما أنك متحنن أمراضي أنا الخاطئ.

وما أمكنني بالجملة أن أعطي أجرة عوض الأشفية، لأن أشفيتك من أين لها قيمة، إن السماء والأرض لا تستطيع أن تقضي مكافأتك بواجب الاستحقاق عوض أشفيتك ؛ إذ أشفية خيراتك هي رأفاتك الجزيلة.

ولا يمكن أن تباع أشفية سماوية وقدسية لأنه لا ثمن لها، إنما بالدموع تَهبها ؛ وبالبكاء المر تَهبها للكل، ترى من لا يعجب، ترى من لا ينذهل، ومن لا يبارك كثرة تحنن خيراتك يا مخلص نفوسنا.

لأنك ارتضيت أن تأخذ الدموع أجرة عوض أشفيتك. فيا لقوتك أيتها الدموع.

إلى أين تبلغين ؟ تدخلين إلى السماء نفسها بمجاهرة كبيرة بلا مانع،
يا لقدراتك فإن مواكب الملائكة مع كافة القوات يستبشرون كل وقت بدالتك.

أيتها العبرات كيف تستطعين إذا شئتِ أن تمثلي بفرح أمام عرش السيد الطاهر، العرش الأقدس الشاهق ؛ كيف تصعدين إلى السماء في لحظة عين طائرة وتأخذين طلباتك من الإله القدوس ؛ فيلتقيكِ بطلاقة حاملاً صفحاً.

فأعطيني أيها السيد أنا الغير مستحق دموعاً كل وقت ؛ واستنارة وقوة لتنبع فيَّ كل حين عيناي دموعاً بحلاوة ؛ فيضئ قلبي بالصلاة النقية وتمحى الكآبة العظمة، وتنطفئ هناك النار المحرقة بدموع يسيرة.

لأنني إن بكيت هنا سأنجى هناك من النار التي لا تطفأ، لأنني كل يوم أغيظ أيها السيد أناتك الطويلة ؛ ومرارتي وتحننك هما قبالة عيني، فلتغلب خيراتك وطول إمهالك مرارتي ؛ لأن الطيور بتحنن عظيم تغذي فراخها ؛ وإذا نكرتَها هذه فلا تتوانى ولا تغفل عنها لأن تحننها يغلب عليها.

فإذا كانت الطيور لها تحنن هكذا ؛ فكم بالحري تغلب نعمة رأفاتك فترحم كل المشتاقين إليك.

وكذلك الأم التي تُشتم من ولدها لا يحتمل قلبها أن يعرض عنه لأنَها تُغلب من تحننها، فإن كانت الأم تُغلب من تحننها ؛ فكم أولى بذلك نعمة تعطفك أيها السيد المحب للنفس أن تغلب كل وقت من قبل رأفاتِها فتخلص وترحم النائحين دائماً.

فإذ حدق بي العدو النجس الذي يحزنني دائماً ؛ فأغثني بالدموع في الليل والنهار لتنقذنى من قتالاته ؛ لأنني لا أستطيع أن أحتمل حيل الخبيث وصنائعه إن ابتعدت عني نعمتك لحظة.

لأنه ساعة بعد ساعة يضغط نفسي بالأقوال والأفعال ؛ فلتزجره قوتك التي انتهرت الأمواج البحرية لكي يبطل عن عبدك ؛ لأنه كل وقت يجدد عليَّ حيله، ويحرص أن يتملك على ذهني فيبعده عن حلاوة تلاوة وصاياك الإلهية.

أيها السيد أرسل بسرعة نعمتك لتطرد عن عبدك الثعبان العظيم مع كافة الأفكار القبيحة والخبيثة.

فليقنعك مثلك يا سيدي لأنك قلت: انه كان في مدينة ما قاضي غير خائف من اللـه، ولا يستحي من إنسان ؛ وكانت في تلك المدينة أرملة فقيرة ؛ وكانت تجيئه كل وقت قائلة أنصفني من خصمي ؛ فلبث معرضاً عنها مدة طويلة بعدم تحنن متهاوناً بِها، لكن صبر الأرملة استطاع أن يقوم ذاك الفاقد التحنن والرحمة ؛ ويستميله إلى الانتصار.

فالأرملة المظلومة تقدمت إلى قاضي لا تحنن له ولا شريعة لينتصر لها من خصمها، أما أنا أتقدم إلى سيدي المتحنن المتمهل الصالح ؛ المالك السلطان على الأرض وفي السماء أن يسمع مني.

أيها الإله المبارك الحاوي الفم الإلهي القدوس الذي لا يكذب ؛ لقد قلت أيها المخلص إنك تصنع الانتقام لكافة المتوكلين عليك في الليل والنهار، يا سيدي لا تتباطأ عن الانتصار لي، أنقذني من العدو ؛ وسهل مسيري إليك لأغلب العدو بنعمتك.

لك وحدك أبارك، لك وحدك أمجد ؛ أيها المتحنن الطويل الإمهال المريد أن كافة الناس يخلصون، فإذ قد نفذ زمان حياتي في الباطل ؛ وفي الأفكار القبيحة ؛ أعطيني دواءً لأبرأ بالكمال من جراحاتي المكتومة ؛ وأيدني لأعمل في كرمك بنشاط ولو ساعة واحدة.

فقد بقى لي من زمان حياتي الساعة الحادية عشر، دبر مركب تجارتي بوصاياك ؛ وأعطي التاجر الحقير فهماً ؛ لكي ما أتجر بتجارتي ما دام لي وقت ؛ فإن سير المركب قد وصل إلى نَهايته ؛ والوقت يدعوني أنا المتنزه والمتعظم قائلاً: أيها الكسلان هلم ؛ فأين تجارة زمان حياتك ؟

إن ساعة الموت تخيفني لأنني أبصر أعمالي فترتعد نفسي، وأنظر إلى ونية عجزي فتفرق عظامي، لأن ساعة الفراق قد تقدمت أمام عيني ؛ فإذا تأملتها خفت جداً، وعوض ما أفرح أغتم كثيراً لأن أعمالي غير مستحقة الفرح.

لأن خوفاً عظيماً في أوان الموت لكافة الخطاة الذين يماثلوني ؛ وفرحاً جزيلاً في أوان الفراق لكافة القديسين والصديقين ولسائر الناسكين. وساعة الفراق حزن لكافة الذين ليسوا قديسين ولا نشطين ؛ وللمسترخين إذا ذكروا ونيهم وونية زمان حياتِهم الماضي.

الندامة تعذب حينئذ قلب الإنسان تعذيباً كثيراً ؛ إذ توانى هنا عن خلاصه، والقديسون والصديقون والنساك يبتهجون في ساعة الموت والفراق ؛ إذ يشاهدون أمام أعينهم جسامة عمل نسكهم، عمل الأسهار والصلوات ؛ والأصوام والدموع ؛ وأضطجاعاتِهم على الأرض ؛ ولبسهم المسوح ؛ فتطفر نفوسهم فرحاً لأنَهم قد أُمروا أن يخرجوا من جسدهم إلى النياح.

مرهوب ورود الموت على الخطاة المسترخين ؛ والذين لم يحرصوا أن يسيروا بطهارة في هذا العالم الباطل، وغم مؤلم جداً يشمل ساعة الفراق الإنسان الخاطئ ؛ لأنه لا يسمح له أن ينطق بشىء البتة. ويلكِ يا نفسِ ويلكِ من أجل ماذا تتوانين في خلاصك ؟

لِمَ تصرفين في التنزه أيام حياتك كلها ؟ ألا تعلمين أن دعوتك ستصير بغتة ؛ فماذا تصنعين هناك قدام مجلس القاضي المرهوب ؟ إذا توانيتي هنا أي اعتذار لك تجاوبين به، كيف يسترقك العدو يا شقية ولا تفهمين.

وكيف تُضيعين الغنى السمائي يوماً فيوماً متفرجة ولا تعلمين ؟ فوقي
يا نفسِ فوقي في ساعة الحرب، اطلبى إلى اللـه بدموع، اصرخى إلى اللـه بتوجع قلب ؛ وفي الحين يرسل لمعونتك ملاكاً رؤوفاً ؛ ويعتقك من محاربة العدو ورجته.

احرصى ألا تسقطي في ساعة الفراق في حزن وزفرات فتبكين بكاءً لا ينفع إلى أبد الدهر، وتتقاطر خواطر الأفعال كلها في تلك الساعة إلى ذهنك فتقولين حينئذ منتحبةً شديداً:

أنا قد كنت أتذكر في كل ساعة هذه كلها ؛ وأناشد ذاتي وأقول: أعبر الأيام التي أنا فيها على الأرض متحرزة ألا أخطئ ؛ ولا أسقط من وصايا اللـه ؛ بل أعمل كل حين الأعمال التي ترضية بنشاط كثير، فقد وجدت الآن مصفرة ليس لي بالجملة تقويمة واحدة جيدة.

أيتها النفس الشقية أصغي إلى ذاتك ؛ جاهدى بمداومة ؛ وأتقي اللـه كل وقت، أتقي اللـه إلهك وأرضيه بأعمال صالحة حتى إذا حان وقت الفراق وساعة الموت يصادفك حسنة النشاط تنتظرينه بفرح عظيم.

أيتها النفس تفرسي في سيرتك وفي دعوة اللـه ؛ لأن ساعة الفراق لا تحزن حراً معتوقاً من كافة الأشياء الأرضية، لكن الموت يحزن الرجل المتنزه والخاطئ.

المهمل يحزن بسيرته، والعاجز الذي عجز عن عمل الأفعال المرضية للـه يحزن.

والكثير القنية والموسر الذي كثف نفسه بالأمور العالمية يحزن لأنَها تفصله من العالم بلا اختياره، يحزن الآباء لأنه يفرقهم من أبنائهم المحبوبين ومن غناهم والإخوة لأنه يميز بعضهم من بعض ببكاء. هؤلاء كلهم يحزنون في ساعة الموت لأنَهم قد تقيدوا بالأمور العالمية.

فأنتِ أيتها النفس الحرة من أجل ما تنفسين وتتنهدين إذ تستريحين من العالم وجراحاته ؛ أثبتي كل وقت مدعوة حرة ؛ واسلكي في طريق اللـه بثناء جميل بنشاط الأفعال المرضية له.

إن أحببتِ اللـه من كل نفسكِ فلا ترهبي قط ساعة الموت، لكن الموت وفراق الجسد يصيران لكِ بالحري فرحاً.

سلمني أيها الطويل الأناة؛ وخلصني أيها المسيح ابن اللـه الفاقد الخطأ، أعطيني أيها المخلص دراسة الحياة حتى لا أملك في قلبي ؛ ولا أقتني سوى هذه الدراسة لأكمل كل حين مشيئتك، وبمؤازرة نعمتك إياى أنا الخاطئ أكون حسن النشاط سالكاً في أوامرك بصحة ؛ كي ما أتجر حسناً بالفضة التي أعطيتها لي.

وإذا أتجرت التجارة الحسنة في حقلك ؛ أنال منك المديح وأقول بدالة واستبشار قلب: إذا أقبلت يارب لقد حصلت مغبوطاً لأنك جئت وألبستني لباساً لائقاً بعرس الختن الباقي.

وأوقد المصباح الذي وهبته لي بنعمتك وإطالة أناتك ؛ وأخرج بفرح إلى استقبالك ممجداً ومبارك الختن الذي لا يموت، وأؤهل أن أصير مشاركاً للصديقين والقديسين الذين أرضوك إلى الأبد.

آمـين

@

المقالة الثالثة عشرة

في الانتباه

أصغي إلى ذاتك أيتها الشبيبة المؤثرة النسك لئلا تعبر أيامك في التنزه، لا تقبلي الأفكار الخبيثة لئلا تضعف قوتك في حرب العدو، ليكن كل وقت في ذهنك السيد الحلو ليكلل سعي نسككِ.

حاضري جرياً أيتها الحداثة في جهاد نسككِ، قد حان اليوم وأقترب الوقت الذي فيه العاملون يكللون والمتوانون يندمون، أقتني الفضيلة ما دام لك زمان ؛ أقتني ورعاً في ناظركِ وصدقاً في مسامعكِ وكلمات حياة في لسانكِ.

تعهدي المرضى في قدميكِ ؛ وفي قلبكِ صورة ربكِ، في أعضائكِ تقويمات العفة ليفضل تكريمكِ بحضرة الملائكة والناس.

خشبة لا نفس لها تكرم إذا كان فيها صورة ملك مائت، فكم أحرى تكرم النفس الحاوية فيها اللـه في هذا الدهر والمستأنف.

أصغِ إلى ذاتك أيها الحبيب ؛ إن الشهوة مائتة فأما جسمك فهو حي ؛ وتأمل إذاً بمبالغة وأحذر ألا تمنح جسدك حياة المائت ؛ فإن أعطيته حياة يقتلك، فإن المائت إذا أحييته قتل من منحه الحياة.

فأعرف بمبالغة ما هي الشهوة، فالشهوة خلواً من الجسم مائتة ؛ فإذا اقترنت الشهوة بالجسم تعيش الشهوة ؛ ويدرس الذهن في حلاوتِها، ويوجد الجسد الحي مائتاً بإماتتها إياه.

فمن أجل هذا أحفظ ذاتك بتحرز من هذا المائت في توقد نار شهوته، أحضر إلى ذهنك النار التي لا تطفأ والدود الذي لا يموت ففي الحال يخمد التهاب الأعضاء، لئلا تسترخي فتغلب وتندم وتستدرك كل النار، نار الندامة وتعتاد أن تخطئ وتندم.

أقتنِ صرامة منذ الابتداء مقابل كل شهوة ؛ ولا تنغلب لها ؛ ولا تعتاد على الهزيمة في الحرب ؛ لأن العادة طبيعة ثانية ؛ واعتياد الاسترخاء لا يقتني قط صرامة وشهامة لأنه كل حين يبني وينقض، كل وقت يخطئ ويندم.

أيها الحبيب إذا اعتدت أن تتراخى إذا قوتلت فستكون تسطير كتابة ندامتك ثابتة إلى أبد الدهر.

من قد أعتاد أن ينغلب لبعض الشهوات فضميره يصير له كل وقت موبخاً ؛ ويكون كل وقت حزيناً كئيباً، فيرى قدام الناظرين وجهه بورع وعافية ؛ وهو من داخل مقطب من أجل توبيخ ضميره إياه ؛ لأن الشهوة اعتادت أن تمنح الذين يعملونَها حزناً موجعاً.

فتحرز بكل نفسك ؛ وأحذر حاوياً في ذاتك المسيح كل وقت، لأن المسيح هو للنفس ختن لا يموت، لا تترك ختنك المحق لئلا يتركك ؛ وإذا تركك تحب الغريب العدو الغاش الذي يغش ؛ يحب وقتاً يسيراً ويترك لأنه هو زانية نجسة ؛ فإذا أفنى الإنسان قوته فيها يمقتها.

من لا يبكي لأن العدو إذا افنى قوتنا وزماننا في نجاساته وشهواته الدنسة ؛ يبتعد حينئذ عنا لأنه يمقتنا ولا يحبنا قط ؛ لكن يحبنا اللـه الآب والابن والروح القدس الذي له التمجيد إلى أبد الدهور.

آمـين

@

المقالة الرابعة عشرة

في رثاء النفس

في بعض الأيام نَهضت في الدلج ؛ وذهبت أنا واثنان من الأخوان إلى مدينة الرها المباركة ؛ فرفعت عيني إلى فوق السماء فعاينت المدينة كامرأة صافٍ صقالها ؛ تتلألأ على الأرض كالنجوم لامعة بمجد.

فإذ تعجبت كثيراً قلت: إن كانت هذه البرايا تلمع بمجد هكذا كم أولى بالقديسين والصديقين الذين صنعوا مشيئة الإله القدوس ؛ في تلك الساعة إذا جاء الرب أن يشرقوا أكثر بنورٍ لا ينعت ؛ بنور مجد المخلص.

وللحين تذكرت ورود المسيح المرهوب ؛ فاضطربت عظامي، وانقطعت قوة نفسي مع جسمي ؛ وبكيت بوجع قلب ؛ وقلت بزفرات: كيف أُوجد أنا الخاطئ في تلك الساعة الرهيبة ؟ كيف أمثل بحضرة مجلس القاضي المرهوب ؟ كيف أُوجد أنا المتنزه مع الكاملين ؟

أم كيف أقف أنا الجدي مع الخراف عن ميامن المسيح ؟ أم كيف أُوجد أنا الغير مثمر مع القديسين العاملين هنا ثمر العدل ؟ أو إذا عرف القديسون بعضهم البعض في الحجلة السمائية ماذا أصنع أنا ؟

ترى من يعرفني ! هل الصديقون في الخدر ؟ أو المنافقون في النار ؟ فترى الشهداء عذاباتِهم والنساك فضائلهم. فماذا أرى أنا سوى رخاوة نيتي، أيتها النفس المتنزهة، يا نفسي الخاطئة، أيتها النفس التي لا حياء لها، أيتها النفس الماقتة حياتِها إلى متى تجذبك الهموم على الأرض ؟

إلى متى يجرك سوء عادة الأفكار الخبيثة ؟ أما قد علمت أن الأفكار الخبيثة في كل ساعة تصير كسحابة مظلمة قدامك ؛ وتحجزك عن أن تقفي لدى اللـه.

أنتِ تتوقعين بوفور ونيتك أن الختن السمائي سيبطئ في وروده، لا يبطئ يا شقية بل كبرق خلب يكون وروده من السماء، احرصي أن توجدي مستعدة في تلك الساعة المخيفة ؛ لكي لا تبكين هناك إلى أبد الدهور.

لا تصغي بالكلية إلى هفوات آخرين، بل انتحبي على زلاتك، لا تبصري إلى القذاء في عين الأخ والقريب، بل تأملي الجذع في ناظرك تأملاً متواتراً، إن أمكنك أن تنتزعي أولاً الجذع من عينك فأخرجي قذاء الأخ والقريب، وإن لم يمكنك فنوحي على ظلمتك المستصعبة.

كيف تظنين أنك تمنحين القريب نوراً، صيري يا نفسي طبيبة لذاتك كل ساعة ؛ ثم بعد ذلك أشفي أخاكِ السقيم، فليست لك حجة عن توانيكِ لأن الإله الرحوم قد أعطاكِ كل المواهب، تمييزاً وفهماً ومعرفة روحانية، فاعرفي منذ الآن ما يوافقك.

فبكى عند ذلك الأخوان اللذين معي ؛ وقالا: لم تبكِ أيها الأب بكثرة نحيب ؟ فقلت لهما: يا ولدي المحبوبين أنوح على ذاتي من أجل ونيتي، لأن الإله الصالح قد أعطانا استنارة العلم وأنا أخالفه يوماً فيوماً.

لأنني إن أكملت مشيئة الرب فسأكون في تلك الساعة مغبوطاً ؛ ولست وحدي بل والذين يعملون مسراته، فمن أجل هذا يا إخوتي لا معذرة لنا هناك البتة لأننا نخطئ بمعرفة، فلنتأمل تدبير اللـه في كافة المواهب التي أعطانا إياها.

فنعمته تتعهد قلوبنا دائماً ؛ فحين تجد راحة لها تدخل تسكن في النفس سرمداً ؛ وإن لم تجد القلب نقياً نظيفاً تبتعد عنه، ثم تضطرها رأفاتِها أن تتعهد الخاطئين. فإذا كنا متغيري العزم ؛ وذهننا يستحيل متقلباً، أليس بالطبع نوجد دائماً متنزهين ومسترخين حسودين خبثاء مفتكرين بعضنا ببعض أفكاراً رديئة، فاسقين نجسين متذكرين أفعالاً رديئة خبيثة، دائماً مطروحين في حمأة منتنة من الأفكار.

فإذا جاءت النعمة تفتقدنا تجد في قلوبنا نتانة الأفكار الخبيثة، فتتنحى وتبتعد إذ لم تجد مدخلاً تدخل وتسكن فينا كما تريد، سوى أنَها تنخر القلب بحلاوة منيرة ليحس بأنَها تعهدته ولم تجد لها مدخلاً.

لكي إذا تحلى الإنسان بالأنوار سار يطلبها ؛ ومع هذا فهذه النعمة لا يمكنها أن تبتعد منا بالجملة لأن تحننها يلزمها ويضطرها أن ترحم الكل.

أرايت تدبير اللـه السابق، أرايت تحنن المسيح الإله القدوس كيف يحبنا دائماً مريداً أن يخلصنا. فمغبوط الإنسان الذي يحرص كل وقت أن يعد قلبه نقياً نظيفاً للنعمة ؛ لكي ما إذا جاءت تجد فيه طيب نسيم الفضائل وطهارة النفس فتسكن فيه إلى أبد الدهور.

فماذا نعطي الإله المتحنن عن كافة خيراته ومواهبه، إذ نزل من السماء من لدن الآب ؛ وتجسد من أجلنا في مستودع البتول، ومن أجلنا لطم مثل عبد، فماذا نقضي عن اللطمة وحدها ؟ إن عشنا على الأرض ألف سنة لا نستطيع أن نفي اللـه كما يجب له مجازاة نعمته.

إني أخشى من هذا يا ولديّ المحبوبين ؛ لأنني أعرف ونيتي وأخاف من أن يكون كافة الناظرين إليَّ ؛ ومطوبي ورعي الكاذب ؛ يبصقون عليَّ هناك إذا أبصروني متحرقاً بالنار.

أرثِ يارب، أيها المتحنن، المسيح المخلص ؛ الابن الوحيد ؛ لعبدك العاطل لئلا أوجد هناك قدام المنبر واقفاً بخوف وخزي عظيم ؛ وعاراً للمشاهدين أي الملائكة والناس.

أدبني هنا يا مخلصي كما يليق بالأب المتحنن المحب ولده، واغفر لي هناك بما أنك أنت الإله السماوي الغير خاطئ وحدك، فإنك إن لم تيقظ الشقي وتعطيه استنارة قلب ليتوب بلا خجل عن خطاياه، فماذا يصنع هناك إذ لا عذر له ؟

فإذ لم أكن موجوداً على الأرض فجبلتني يا سيدي برأفاتك الجزيلة في جوف أمي الخاطئة، وولدت أنا الغير مستحق برحمتك ؛ وأُهلت أن أصير أناة لنعمتك ؛ ورباباً جليلة تترنم على الدوام كلمات الخلاص لكافة السامعين.

فأخذت هذه الصلاة أنا المسترخي الخاطئ ؛ وأنكرت بتوانيَّ وإرتخائي ؛ لكن نعمتك لا تزال تترنم بفم المتواني ترنيمات بارة ؛ وتنير المعقول المظلم؛ وتحرك فيَّ نغمات ترنيمك أيها المسيح.

فمن أجل هذا أجثو ساجداً لنعمتك أيها الابن الوحيد مخلص نفوسنا ؛ طالباً كما صارت عنا نعمتك فيَّ أنا الغير مستحق كل ساعة استنارة وصيانة ونصراً وفرحاً ؛ أن تسترني هناك تحت أجنحتها من تلك الطائلة المخيفة ؛ وتوقفني في الجهة اليمنى في ملكك ؛ مترأفاً عليَّ ؛ مخلصاً إياي برحمتك ؛ لأسبح وأمجد طول أناتك ؛ لأنك لم تعرض عن عبرات عبدك العاطل الخاطئ.

لك السبح إلى أباد الدهور

آمين

@

المقالة الخامسة عشرة

في ذكر الآباء المتوفين

يوجعني قلبي فتوجعوا معي يا إخوتي العبيد المباركين، تعالوا فأسمعوا أن نفسي توجعني وجوانحي تؤلمني، أين الدموع ؟ وأين التخشع ؟ حتى أحمِ جسمي بالدموع والزفرات.

من ذا ينقلني ويخلصني من مكان غير مسكون ؛ حيث لا يوجد ألبته صوت أبناء البشر ؛ حيث يكون الصمت وعدم جلبة، حيث لا يكون رهج يقطع الدموع، ولا مفاوضة