يقول داود النبى ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق ليوم عيدنا المبهج”[1]. إن الوصايا الخاصة بتعليم الملهم من الله (داود النبى) هى على أية حال، قانون لكل من يسمع. إذًا فلأن يوم احتفالنا
المفرح قد أتى، فيجب علىّ أنا أيضًا أن أطبق هذا القانون، وأصير نافخًا بالبوق لهذا اليوم المقدس. إن بوق الناموس كما يشير الرسول بولس هو الكلمة. لأنه يقول لا ينبغى أن يكون صوت البوق غير واضح[2]. بل يجب أن تكون الأصوات مميزة، لكى تكون واضحة لكل مَن يسمعها. إذًا لندع نحن أيضًا أيها الاخوة صوتًا بهيًا يُسمع في الأفق البعيد، وهو ليس بأقل أبدًا من صوت البوق القرنى. يرجع ذلك أيضًا لأن الناموس الذي سبق ورسم الحقيقة من خلال رموز وظلال، شرّع أمرًا بإطلاق صوت الأبواق في يوم عيد المظال[3]. وموضوع هذا الاحتفال (أى الاحتفال بميلاد المسيح) هو سر عيد المظال الحقيقي. في هذا الاحتفال اتحدت الخيمة البشرية بذاك الذي لأجلنا لبس الجسد الإنسانى. وأجسادنا التي تتحلل بالموت
تعود مرة أخرى إلى حالتها، بواسطة ذاك الذي أقام مسكننا منذ البداية. لنُردد نحن أيضًا كلام المزمور متهللين معًا، بصوت داود العظيم ” مبارك الآتى باسم الرب “[4].
وكيف يأتى؟ بالطبع ليس كما بسفينة أو بعربة، لكنه عبر إلى الحياة الإنسانية ووهبها حياة نقية بلا فساد. ” الرب هو الله وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة يُربط إلى قرون المذبح “[5].
وعلى أية حال نحن لا نجهل أيها الاخوة، السر المختفي في هذه الكلمات، أن كل الكون هو مسكن لخالق الكون. عندما دخلت الخطية، أُغلقت أفواه أولئك الذين سادت عليهم، وصمت صوت الفرح، وتوقفت الترنيمة اللائقة بالاحتفالات، طالما أن الجنس البشرى لم يحتفل مع القوات السمائية، ولهذا أتت أبواق الأنبياء والرسل، والتي دعاها الناموس (قرنيات)، لأنها تصنع من القرن الحقيقي لحيوان وحيد القرن. هذه الأبواق بُوّقت بكلمة الحقيقة بقوة الروح، حتى ينفتح السمع الموصود بالخطية، ويقام احتفال لائق، هذا الذي من خلال الإعداد أو التهيئة لمظلة الكون كله، يمكن للمحتفلين فيه أن يعزفوا أو يرنموا معًا، بالاشتراك مع القوات السمائية التي تقف حول المذبح السمائى. لأن قرون المذبح العقلى هى القوات الفائقة والمتميزة للطبيعة العاقلة، رئاسات، وسلطات، وعروش، وربوبيات. هذه القوات تشترك في بهجة هذا الاحتفال بانضمامها إلى الطبيعة الإنسانية في ثوبها الجديد، الذي تجدد بتغيير الأجساد في القيامة. لأن كلمة (puk£zomai) تعنى أتجمل أو أرتدى شيئًا جديدًا، كما يفسرها كل من يعرف هذه الأشياء. إذًا هلم ننهض أنفسنا للنشوة الروحية، ولنضع داود في بداية الخورس كقائد وقمة هذا الخورس الخاص بنا، ولنقل معًا تلك الآية العذبة الإيقاع، التي صلينا بها منذ قليل، لنكررها مرة أخرى ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه”[6]. في هذا اليوم يبدأ الظلام في التراجع وينحصر ذلك الليل الممتد أمام النور الغامر انحصارا دائمًا. إن هذا التدبير المتعلق بهذا الاحتفال، حيث تستعلن الحياة الإلهية داخل الحياة الإنسانية في هذه اللحظة، لا يكون من قبيل المصادفة يا اخوتى ولا هو أمر تلقائى، أن الكون بكل ما فيه من ظواهر يروى سرًا لأكثر الناس فطنة، وكأنه يصرخ ويقول لذاك الذي يمكن أن يسمع ما يريد أن يقول له في هذا اليوم الذي تعظّم بمجيء الرب، إذ الليل قد انقطعت أوصاله أو بُتر. وأنا أعتقد أننى أسمع الكون يروى شيئًا مثل هذا. أيها الإنسان، وأنت ترى كل هذا، فلتفكر في الأمر المختفي الذي تُعلنه لك تلك الظواهر الكونية. أرأيتم الليل (ليل الخطية) الذي تمادى حتى أحلك فترات ظلامه، لقد توقف هناك عن المضى، وبدأ مرة أخرى في التراجع؟ ضع في اعتبارك أن ليل الخطية الردئ لم يعد قادرًا اليوم على المضى قدمًا، ذلك بعد أن بلغ مداه في الاتساع، ووصل إلى أقصى درجات الشر، من خلال ابتداع جميع أنواع الشرور، التي ستضطر من الآن فصاعدًا، إلى الانكماش والاختفاء.

لماذا لم يظهر الرب متجسدًا منذ البداية؟

أرأيت أن إشراقه النور، تمتد أكثر، وأن الشمس تشرق بصورة تفوق المعتاد؟ فكر في استعلان النور الحقيقي، الذي يُنير بأشعة البشارة كل المسكونة. وحيث إن الرب لم يستعلن من البداية، لكنه في هذه الأزمنة الأخيرة منح الإنسانية إعلان ألوهيته، فإن ذلك قد يجعل المرء يفكر منطقيًا في هذا السبب، وهو أن ذاك الذي كان ينبغى أن ينزل إلى داخل الحياة الإنسانية، للقضاء على الخطية، كان يجب عليه أن ينتظر بالضرورة حتى يكتمل نبت الخطية التي زرعها العدو، وحينئذٍ دعا إلى وضع الفأس على أصل الشجرة كما يقول الإنجيل[7]. فالأطباء المتميزون في عملهم، لا يقدمون للمريض أى مساعدة من خلال الأطعمة حتى عندما يزداد ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى الحد الأقصى. أما عندما تختفي أعراض المرض وتتضح مسبباته فيبدأ الأطباء في ممارسة عملهم، ورويدًا رويدًا يتشدد المريض ويتعافى من مسببات المرض التي تبدأ في التراجع. هكذا المسيح أيضًا، ذاك الذي يداوى جميع الذين أصاب المرض نفوسهم، فقد انتظر حتى تظهر جميع علل الشر الذي أسر طبيعة البشر، حتى لا يبقى أى شر من الشرور ـ التي كانت مختبئة بلا شفاء ـ وإلاّ فكان سيعالج فقط المرض الظاهر. إن الإنسانية لم تكن قد فسدت بالكامل وسقطت في شرورها حتى في زمن نوح ولذلك فلو كان الرب قد ظهر في تلك الفترة لما كان قد شفى الإنسانية بالكامل، ذلك لأن نبتة شرور سدوم لم تكن قد نبتت بعد. ولم يُستعلن الرب أيضًا في زمن هلاك سدوم، لأن شرور كثيرة كانت لازالت مختبئة داخل الطبيعة الإنسانية. حقًا فأين كان فرعون المقاوم لله؟ أين كانت شرور المصريين الغير المروضة أو التي لم تُقمع؟

وأيضًا لم تكن هذه اللحظة وأقصد زمن شرور المصريين هى اللحظة المناسبة لإصلاح كل شئ، أن يتحد الكلمة بحياتنا، بل كان لابد أن تظهر شرور الإسرائيليين. وأيضًا كان يجب أن تستعلن وتظهر إلى الوجود مملكة الأشوريين، وتباهى نبوخذ نصر الذي كان يشتعل خفية. كان ينبغى أن يسقط ـ مثل شئ خبيث ـ ذلك الخداع المؤدى لقتل الأبرار، وأن تسقط كل أشواك النبات، من جذرها الشيطانى. كان ينبغى أن يشتد نباح اليهود ضد قديسى الله، هؤلاء الذين قتلوا الأنبياء، ورجموا المرسلين، وأخيرًا ارتكبوا جريمة حمقاء حيث قتلوا زكريا بين الهيكل والمذبح[8]. ثم تُضاف إلى هذه القائمة، الجرائم والقتل الذي ارتكبه هيرودس ضد أطفال بيت لحم. إذًا فبعد أن استعلنت كل قوة الشر بكل جذرها الخبيث وازدادت الوقاحة في رغبات الغنوسيين الشريرة والمتنوعة والممتدة في كل جيل، عندئذٍ، كما يقول الرسول بولس لأهل أثينا، تغاضى الله عن أزمنة الجهل، وأتى في أواخر الأيام[9]، عندما لم يكن هناك أحد لديه معرفة، أو لديه رغبة البحث عن الله. فعندما فسد الجميع ورجسوا[10]، عندما انتشر الشر في كل مكان[11] وكثر الظلم، عندما بلغت ظلمة الخطية أقصى حد لها، عندئذٍ استعلنت النعمة. وهنا أشرقت أشعة النور الحقيقي علينا، وأشرق شمس البر على الجالسين في الظلام وفي ظلال الموت[12]، وقتها قصف رؤوس كثيرة للتنين، مُسقطًا إياه بقدمه، وسحقه وطرحه أرضًا. ولا ينبغى لأحد وهو ينظر إلى الشرور الحالية، أن يعتقد أن الكلام الذي يقول، إن الرب في أواخر الأزمنة أشرق كالشمس في حياتنا، هو كلام كاذب.

بماذا نفسر عمل الشيطان بعد مجيء الرب؟

ربما سيقول المعترض على هذا الكلام، إن ذاك الذي انتظر طوال هذه الفترة حتى يُستعلن الشر ويزداد، ثم ينتزعه من جذوره، من الطبيعى له أن يقضى عليه كليةً، وألا يبقى له أى بقية في حياتنا. إلاّ أنه لا يزال القتل يُرتكب بجرأة وأيضًا السرقة والزنا بل وأسوأ الجرائم. غير أن شكوك مَن يقول هذا الكلام يمكن أن تتبدد بمثال من الأمثلة المعروفة. فمثلاً عندما نقتل ثعبانًا، فإننا نرى أنه لا يموت كليةً عندما يموت رأسه، فبينما يموت الرأس، يظل باقي الجسد حيًا ويعلن عن غضبه، دون أن تنقصه القوة، هكذا صنع ذاك الذي قتل التنين. فإن الله سحق رأس التنين عندما نمى الوحش وتضخم في كل الأجيال، بمعنى أنه سحق القوة المبطلة للصلاح والتي لها رؤوس كثيرة، ولكنه لم يتكلم بعد عن باقي الجسد، وسمح أن تبقى الحركة في الوحش الميت، كدافع للأجيال القادمة لممارسة الفضيلة. فما هى الرأس التي سحقت؟ هو هذا الذي أحضر الموت إلى البشر، بواسطة مشورته الشريرة، والذي بلدغته، قطّر في الإنسان سمه المميت.

إذًا فالرب قد نقض سلطان الموت، وسحق قوة رأس الحية، كما يقول النبى، أما باقي جسد الوحش فلا يزال منثورًا داخل حياة الإنسان ويجعل حياتنا باستمرار مُجمدة، ببثور الخطية، على قدر ما يتواجد الإنسان داخل مجالات الشر. إن قوته بالطبع هى بعد ميتة، بعد أن صار الرأس بلا نفع. ولكن عندما يعبر أو يمر الزمن وتتوقف الأجزاء المتحركة عن الحركة عند نهاية هذه الحياة، عندئذٍ يبطل وينتهى الذيل وآخر جزء للعدو، وهذا هو الموت. وهكذا سيتم الاختفاء التام للشر، طالما أن الجميع سيدعون إلى الحياة بالقيامة من الموت. الأبرار سينتقلون إلى الحياة السمائية الطوباوية، بينما الخطاة الأشرار سيُسلمون إلى جهنم.

بشارة فرح يوم الميلاد:

لنعد إلى فرح اليوم الذي بشر به الملائكة الرعاة، والتي أخبرت به السموات المجوس، هذا اليوم الذي يعلو فيه صوت النبوة الذي يُنادى بأمور كثيرة ومختلفة، حتى أن المجوس صاروا مبشرين لعهد النعمة. لأن ذاك الذي يُشرق شمسه على الأبرار والظالمين، والذي يُمطر على الصالحين والطالحين، حمل نور المعرفة وندى الروح، إلى الأفواه الغريبة أيضًا، حتى أن مع شهادة المتضادات أو المتقابلات، تصير الحقيقة لدينا مؤكدة. اسمع بلعام المنجّم وهو يُبشر الأجناس الأخرى بإلهام فائق قائلاً: ” يبرز كوكب من يعقوب”[13]. رأيت المجوس الذين انسحبوا من بنى جنسهم، وتبعوا النجم الجديد في المشرق بحسب نبؤة أجدادهم، ذلك النجم الذى يختلف وحده عن طبيعة بقية النجوم، والذي تحرك وتوقف، بحسب ما يريد هو، فتارة يريد شيئًا وتارة أخرى يريد شيئًا آخر. بينما بالنسبة للنجوم الأخرى هناك مجموعة منها موضوعة في فلك غير سيّار، في وضع ثابت، والنجوم الأخرى لا تتوقف إطلاقًا عن الحركة، هذا النجم تحرك وقاد المجوس، وتوقف حيث أشار إلى المكان (حيث كان الصبى) اسمع إشعياء وهو يصرخ قائلاً: ” لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا “[14].

العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء:

فلتعرف من النبى نفسه، كيف وُلد الولد وكيف نُعطى ابنًا. ترى، هل ولد حسب الناموس الطبيعى؟ يُجيب إشعياء النبى بالنفي. فخالق الطبيعة لا يصير عبدًا لها. أخبرنى إذًا كيف ولد الولد. ها هو يقول ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل”[15]. يا للعجب ما هذه المعجزة! العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء.

أرأيت تجديد الطبيعة. فبالنسبة للنساء الأخريات، مَن هى عذراء، لا تعتبر أمًا، أما عندما تصير أمًا فإنها لا تحمل بعد صفة عذراء. إلاّ أن الصفتين هنا (أى في حالة العذراء مريم) تتفقان وتلتقيان. هى نفسها أم وعذراء، فلا البتولية أعاقت الميلاد، ولا الميلاد أبطل البتولية. كان ينبغى لذاك الذي أتى إلى حياة الإنسان، لكى يجعل الجميع بلا فساد أو لكى يُطهر الجميع، أن يبدأ بتطهير أو تنقية تلك التي خدمت ميلاده. العادة لدى البشر أن يدعوا تلك التي ليست لها خبرة الزواج “بالعفيفة”.

العليقة والعذراء:

هذا هو ما يبدو لى، قد فهمه أولاً موسى العظيم، بالظهور الإلهى الذي حدث له في العليقة المشتعلة عندما اشتعلت فيها النار ولم تحترق. لأنه قال: ” أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم”[16]. أعتقد أنه لا يُعلن بكلمة “أميل” عن حركة مكانية، بل يعنى بها عبور الزمن. بمعنى أن هذا الذي اُستعلن آنذاك في هذه المعجزة من خلال النار والعليقة، بعدما عبر الزمن المتوسط، ظهر هذا السر بوضوح في العذراء. فكما أن العليقة كانت مشتعلة آنذاك إلاّ أنها لم تحترق، هكذا هنا أيضًا العذراء تلد النور، لكنها لا تُصاب بأى ضرر.

الآن إن كانت العليقة هى انعكاس لجسد العذراء، فلا تخجل أو تستحى لأجل هذا اللغز. لأن كل جسد يتقبل الخطية، هو خطية بالضبط من حيث أنه هو جسد فقط[17]، إذ الخطية في الكتاب تأخذ اسم الشوكة.

ولادة يوحنا المعمدان قبل ميلاد المسيح وشهادة زكريا:

والآن قد يكون الوقت قد حان لنُشير إلى زكريا الذي قُتل بين الهيكل والمذبح، كشاهد للأم العفيفة أو النقية. فزكريا كان كاهنًا، وليس فقط كاهنًا، لكنه كان يحمل موهبة النبوة[18]، التي أُعلنت قوتها في الإنجيل. فعندما أعدت النعمة الإلهية الناس لكى لا يعتبروا ولادة العذراء للكلمة أمرًا مستحيلاً، فقد هيئ لقبول هذا الأمر لدى غير المؤمنين بواسطة معجزات قليلة، مثلما حدث على سبيل المثال مع العاقر المسنة التي أنجبت ولدًا (أليصابات). وكان ذلك مقدمة لمعجزة العذراء (أن العذراء تلد). وكما أن أليصابات لم تَصْر أمًا بقوتها الطبيعية إذ أنها كانت قد بلغت سن الشيخوخة دون أن تنجب ولدًا، فإن ولادة الولد تُنسب إلى الإرادة الإلهية، هكذا فإن ألم البطن العذراوية التي لا تُصدق صارت مُصدقة بالإشارة إلى التدبير الإلهى.

إذًا فلأن الولد الذي أتى من العاقر سبق ذاك الذي أتى من العذراء، هذا الابن الذي ارتكض بابتهاج في بطن أمه حين سمعت صوت تلك التي حملت الرب في أحشائها، فقد إنفك آنذاك صمت زكريا بواسطة الإلهام النبوى عندما وُلد السابق للكلمة. وكل ما قاله زكريا شكّل نبوءة للمستقبل. إذًا فذاك الذي قاده الروح النبوى لمعرفة الأمور المخفية، قد فهم سر البتولية في الميلاد الذي بلا فساد، لم يعزلها أو يفرز الأم البتول وهى داخل الهيكل، من المكان المُعد سابقًا للعذارى من قبل الناموس، أراد أن يُعلّم اليهود بأن خالق الكل وملك الكون، بالإضافة لكل الأمور الأخرى، قد وضع على نفسه التزامًا تجاه الطبيعة الإنسانية ليوجهها وفق إرادته، وكما يرتأى له، ولا تسود عليه هذه الطبيعة، إذ أن في سلطانه وفي قدرته أن يخلق ميلادًا جديدًا. هذا الميلاد لن ينزع عن تلك التي صارت أمًا صفة البتولية أى أنها تبقى عذراء. ولهذا لم يفرزها أو يعزلها داخل الهيكل من مكان سكنى العذارى. وهذا المكان، كان هو الموضع بين الهيكل والمذبح. إذًا لأنهم سمعوا (أى اليهود) أن ملك الكون سيولد كإنسان بحسب التدبير، قتلوا ذاك الذي أعطى الشهادة (أى زكريا) لهذا الميلاد، الكاهن الذي كهن بالقرب من نفس المذبح[19]، بسبب الخوف من أن يصيروا عبيدًا لملك. لقد ابتعدنا عن موضوعنا قليلاً، بينما كان ينبغى لحديثنا أن يتوجه نحو بيت لحم حيث بشارة الفرح. لو أننا بالحق رعاة حقيقيون مُتيقظون ونسهر من أجل خدمة رعيتنا، فحينئذٍ سيكون صوت الملائكة الذي بشّر بهذا الفرح العظيم مُوجه لنا[20].

تسبيح الملائكة:

إذًا لنرفع نظرنا إلى الجند السمائى، لننظر خورس الملائكة، ولنسمع تسبيحهم الإلهى. وما هو تسبيح المحتفلين؟ هو أن يصرخوا ” المجد لله في الأعالى”. ولماذا تُسبّح الملائكة الله الذي تراه في سموه؟ لأنهم يقولون إن السلام قد حلّ على الأرض. قد صاروا ممتلئين بالفرح لأنهم رأوا ” على الأرض السلام”. هذه الأرض التي لُعنت سابقًا، التي أنبتت شوكًا وحسكًا، التي صارت مكانًا للتشاحن والنزاع وموضعًا لنفي المحكوم عليهم، هذه الأرض استقبلت السلام. يا للعجب ما هذه المعجزة! ” الحق من الأرض نبت والبر من السماء يطلع”[21]. إن هذا الثمر قد أثمرته أرض البشر. وهذا قد حدث لكى تستعلن الإرادة الصالحة تجاه البشر، الله اتحد بالطبيعة الإنسانية، لكى يسمو الإنسان إلى سمو الله. وإذ نسمع هذه الأمور لنذهب إلى بيت لحم، ولنرَ هذا المشهد الجديد، كيف تفرح العذراء لأجل هذا الميلاد، كيف أن تلك التي ليس لها علاقة بالزواج، هى الآن ترعى الطفل المولود. أولاً من تكون هذه، ومن أي مصدر سنسمع عن الأمور المتعلقة بها، ومن سيرويها لنا.

قصة عن نشأة مريم العذراء:

سمعت قصة منحولة تروى الآتى: والد العذراء كان معروفًًا بحياته الصارمة وفقًا للناموس، ومعروفًا بفضائله. ووصل إلى مرحلة الشيخوخة دون أن ينجب ولدًا، لأن إمرأته لم تكن في وضع يسمح لها بالولادة. والناموس كان يُكرّم الأمهات، وهذا التكريم لم تكن العاقرات يحظين به. هذه المرأة سارت في خُطى أم صموئيل كما تحكيها الروايات. تدخل إلى قدس الأقداس، تتضرع إلى الله، ألا تفقد بركات الناموس، دون أن تكون قد خالفت الناموس أبدًا، بل أن تصير أمًا