تعليم الكنيسة في الصلاة على الراقدين لا تزال مسألة الموت الجسدي أهم عدو يواجه الإنسان، وهو آخر عدو سيبطل ( كورنثوس الاولى 15: 26 ) . وكل يوم يطالع القاريء المسيحي بعضاً من المقالات أو يسمع بعضاً من الأقوال التي تروج لها بعض الشيع الفاسدة والزائغة عن الإيمان ، بأن الموتى فقدوا بموتهم كل أمل بالخلاص، وأن من لم يعمل على خلاص نفسه في حياته فكل ” صلوات الكنيسة ” لا تنفعه. وهذه الأقاويل التي تروج لها تلك البدع تؤلم بعضاً من الناس الذين فقدو للتوّ أقارب أعزاء أو أصدقاء محبوبين، فيتساءلون هل فقد هؤلاء الأحباب كل أمل بأن يخلصوا ؟ وتكبر دائرة الألم والحزن وتتسع لتلهم أصحابها في يأس لا ينتهِ. كثر الحديث في فائدة الصلاة من أجل الراقدين في هذا المنتدى وغيره من المنتديات ولأن في الإعادة فائدة ونزولاً عند رغبة بعض الأحباب معنا رأيت أن أعيد تجميع بعض ما كتب سابقاً بهذا الخصوص.

لماذا نذكر أسماء الراقدين أثناء تحضير الكاهن للذبيحة الإلهية ؟
اسماء المتوفين يتم ذكرها فوق المذبح المقدس أثناء إعداد القرابين المقدسة قبل بدء خدمة القداس الإلهي ، وهو ما يسمى ” رفع الأجزاء ” .. فقبل بدء القداس ياتي الكاهن بخمس قرابين ويرفع منها الأجزاء الخاصة بالسيد والسيدة والقديسين والرسل والشهداء والآباء … إلخ ، ومن بين الأجزاء المرفوعة أجزاء عن الأحياء وأجزاء عن الأموات السابق انتقالهم من آبائنا وأخوتناهذا الترتيب الذي تقوم به الكنيسة الأرثوذكسية يُظهر وحدة الكنيسة المنظورة والغير منظورة ، بأحيائها وبالسابق رقادهم من أبنائها ، فالكل واحد في المسيح يسوع ، في تلك الكأس المشتركة ” كأس الشركة ” التي يتناول منها كل المؤمنين والتي تبين وحدة الكنيسة مع بعضها وفي المسيح يسوع ..
نحن نؤمن بأن الذين سبقونا من آبائنا وأخوتنا قائمون في حضرة الرب إلى يوم مجيئه الثاني ، وهم يصلون معنا وحاضرون معنا في كل حين، وايماننا هذا ليس قائما على عواطف بل على ما جاء في الكتاب المقدس نفسه والذي يدعي أولئك المنحرفون أنه مصدر تعليمهم . لقد منح الرب يسوع لكنيسته من خلال الرسل القديسين سلطة غفران الخطايا ” من غفرتم خطاياهم تُغفر لهم ، ومن امسكتم خطاياهم أُمسكت ” ، ولكن لا يوجد غفران خطايا بدون توبة مرافقة .. لهذا فالمطلوب من الخاطيء أن يتوب أولاً ثم تأتي المغفرة كنتيجة للتوبة.
الكنيسة تصلي للرب من اجل الراقدين من ابنائها ، وهذا واجبها ” صلوا لأجل بعضكم بعضاً ” ( يعقوب 5: 16) ولكن مسألة غفران الخطايا ومن يستحق ذلك ، ومن هو التائب الحقيقي هي بين يدي الرب لأنه الديان الوحيد .. الكنيسة تصلي وتؤمن بأن أحكام الرب هي عادلة وهي حق .. وهي تترجى دخول الكل في ملكوته .
الكنيسة لا تصلي من اجل الراقدين بهدف ثني الله عن قراره بشان كل شخص منتقل ، فالله هو القادر اولاً وأخيراً على الحكم بعدل وحق على كل شخص .. هو الديان الوحيدوهو وحده من سيدين ..ولكن كنيستنا تؤمن أن ” الله إله احياء وليس إله اموات ” فلا يوجد فصل في المسيحية بين راقد و حي، الكل في كنيسة الله أحياء مصلين من أجل بعضهم البعض.
بل إنه من واجب المحبة التي يتحلى بها أبناء الله أن يصلوا بعضهم لاجل بعض : الذين في العالم والمنتقلين عنه ، الجميع في حالة صلاة دائمة وكلهم إيمان بأن عدالة الرب هي التي ستكون ولا يوجد ما يفوقها على الإطلاق.
وقد عبَّرَ الرب عن هذه الحالة،التي ندعوها موتا بقوله: “فمات المسكين وهو اليعازر”المسكين بالروح” (راجع مت3:5),- “فحملته الملائكة الى حضن ابراهيم . ومات الغني ايضا ودفن . فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب” (راجع لو22:16).فقد انتقلا هؤلاء ايضا، بواسطة الذي ندعوه موتا، من الحياة الدنيا على الارض الى حياةٍ أخرى في مكان آخر. هو المكان اللذان كانا قد اعداه لنفسيهما في حياتهما على الارض.
تشير الكنيسة الارثوذكسية في صلواتها الى الموت كـَ “رقاد”, لأنها تؤمن “بالوجود الشخصيّ بعد الموت”, وهي ترجو لجميع الراقدين النهوض (القيامة من بين الاموات) عندما يبزغ النهار”الذي لا يعروه مساء”, وفي ما تَذْكُرهم في كل ذبيحة إلهية تتضرع الى الله الآب أن يرحمهم: “حيث يُفتقد نورُ وجهه”.
السؤال المطروح هو: على ماذا تسنتد الكنيسة عندما تصلّي للذين رقدوا بالإيمان والرجاء؟
ثمة مبدأً وأوّلي ننطلق منه لنجيب عن هذا السؤال, وهو أن فاعلية أية صلاة غير قابلة للتفسير العقلي.
فإذا كانت الصلاة واجبة من أجل “بعضنا البعض”, كما يقول يعقوب الرسول (5: 16), وهي حياة الكنيسة في كل عصر, لأنها تُرفع من أجل “كل شيء” – مرض, شدة, ضيق, سجن, كرازة رسولية…- (راجع 2 تسالونيكي 1: 11 –12: أفسس 6: 18 – 19…), فهي واجبة تالياً من أجل الذين سبقونا ( الراقدين ) . ذلك أن وحدة الشركة في جسد المسيح لا يَفْصم الموت عُراها (يوحنا 10: 28 – 30؛ رومية 8: 38 – 39), وإلا يكون الموت المغلوب على الصليب غَلَبَ قوة الله وأعني قيامته التي نالها المؤمنون سريا في المعمودية.
فنحن نصلّي للآخر الذي نحبّه ونحن وإيّاه أعضاء في جسد المسيح الواحد, وهذا يتجلّى بشكل رائع في الحياة الليتورجية في ما أَسْمَتْهُ الكنيسة الارثوذكسية ب”شركة القديسين”, حيث الكنيسة جمعاء تصلّي – وليس فقط الأحياء – وهذه الشركة هي “سلسلة”, كما يصفها القديس سمعان اللاهوتي الحديث, من الصلاة والمحبة المتبادلة.
الأب ألكسندر شميمَن في كتابه “الصوم الكبير” يركّز على السبب الذي تدعو الكنيسة فيه أعضاءها الى الصلاة من أجل الراقدين بقوله:”هي تعبير جوهريّ عن الكنيسة كمحبة”, ويتابع قوله: “اننا نطلب من الله أن يذكر الذين نذكرهم, ونحن نذكرهم لأننا نحبّهم. وإذ نصلّي من أجلهم فنحن نلقاهم في المسيح الذي هو محبة, والذي بما أنه محبة يغلب الموت الذي هو ذروة الانفصال واللا محبة. في المسيح لا فرق بين الأحياء والأموات لأن الجميع هم أحياء فيه. انه الحياة وهذه الحياة هي نور الناس. واذ نحب المسيح نحب جميع الذين فيه, وإذ نحب الذين فيه فنحن نحب المسيح”.
بيد أن كلمة الله التي هي مثلنا ترشدنا الى الحقيقة الكاملة, فنرى الرسول بولس نفسه يصلّي من أجل أحد الإخوة الذين رقدوا بالرب، اذ يقول: ” ليعُطِ الرب رحمة ً لبيت أُنيسيفورس لأنه مراراً كثيرة أراحني ولم يخجل بسلسلتي, بل لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد فوجدني. ليعطِه الرب أن يجد رحمة في ذلك اليوم” (2 تيموثاوس1: 16- 18). اسم “أنيسيفورس” يَرِدُ في الرسالة ذاتها مرة ثانية وهو مضاف الى “بيته”(4: 19). على الغالب هو راقد بالرب, ويطلب الرسول له الرحمة َ” في ذلك اليوم” اي في يوم الدينونة.
فنحن, اذاً, أمام مسلَّمة رسولية لأجل الصلاة للراقدين. في احدى عظاته يقول فيلاريت متروبوليت موسكو(القرن التاسع عشر) بأن الصلاة من أجل الراقدين جارية في الكنيسة منذ القدم “منذ أن مورسَتِ العبادة علناً… وهي مفروضة فيها كجزء كان دائما متمِّما لها. وكلّ الخدم القديمة للقداس الإلهي تشهد بذلك, ابتداء من قدّاس الرسول يعقوب أخي الرب…”، ويؤكد, في ختم قوله, أن الصلاة من اجل الراقدين ” كانت من التقاليد الرسولية”.
تصلّي الكنيسة من أجل المؤمنين الراقدين وتعتبر أن الصلاة تساعدهم (يوحنا الذهبي الفم, غريغوريوس اللاهوتي, كيرلّس الأورشليمي…),الآباء القدّيسون صوّروا الحياة بعد الموت وكأنها فترة يخلع فيها تدريجيا جميع الذين أدركوا أن كل شيء قد أُكمل لأجلهم كلَّ خِرَقِهم البالية في طريقهم الى ملء استعلان القيامة.
يقول كوستي بندلي في كتابه “الله والشر والمصير”: “إن الموت يقيم جدارا رهيبا من الصمت بين المحبّين, ولكن حاجز الموت, مهما علا, لا يصل الى الله الآب, وهو وحده يُسقط المسافات والحواجز و”يُعِين ضعفَنا” ومحدوديتنا و”يشفع فينا بأنّات لا يُنطَق بها”.
ما لا شك فيه أن صلاتنا من أجل أحبائنا الراقدين ليست هي تدخُّلا بقرار الله وقضائه الأخير, فنحن نؤمن بأن حكمته الأزلية ليس للإنسان مهما علَتْ قداستُهُ أن يخترقها، وإنما أن يخضع لها.
غير أن المسيحية لكونها ديانةَ المحبة, ونحن جميعا أعضاء في جسد المسيح الحيّ الذي لا يستطيع الموت ولا اي شيء آخر أن يُبطل عضويتنا فيه, فالصلاة التي هي لغة الحبّ – اولاً وآخراً – هي التعبير الامثل على أن “المحبة أقوى من الموت”, واننا فيها نتمم الغلبة الأخيرة, لأن الموت المهزوم بات وراءنا, وليس أمامنا سوى الكنيسة الحيّة الأخيرة التي نحن فيها منذ الآن.

ماذا بعد الموت الجسدي؟
ببساطة واختصاراً لكل ما سيتقدم من فلسفة اللاهوت نجد الجواب ببساطة في خدمة نياحة الراقدين في الكنيسة الأرثوذكسية :
” أيها المخلص أرح نفس عبدك في راحتك حيث الصديقون يستريحون ورتّبهُ للحياة السعيدة التي من قبلك يا محب البشر ” ..فالكنيسة إذ تجتمع مع عائلة الراحل لكي تودعه بالصلاة أن يأخذه المسيح إلى راحته، لهي تعبير عن ثقتنا بأن الرب سيفعل ما وعد به ” من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد “
الكنيسة لا تدعو الشخص ميتاً بل راقداً أو متنيحاً أو منتقلاً على رجاء القيامة والحياة، وفي ذلك اعتماد على الكتاب المقدس من قول السيد عن الصبية التي أقامها من الموت طابيثا ” ليست ميتة ولكنها نائمة “، وحتى اليوم عندما نتكلم كمؤمنين عن ذلك ونقول أنهم راقدون أو نائمون يضحك غير المؤمنين علينا ساخرين كما فعلوا يومها مع يسوع المسيح، ولكن طابيثا قامت، والراقدون سيقومون كذلك . .. لهذا فالكنيسة تصلي لهذا المنتقل لأنه لا يزال حياً في راحة الرب ولا نراه ” الله إله احياء وليس إله أموات ” ، ولهذا نصلي مع القديسين ولأجل لقديسين لأننا متأكدون انهم احياء لدى الرب ” إله أحياء ” وهنا في إشارة واضحة للآباء الراقدين منذ أمد طويل ” إله ابراهيم وإسحق ويعقوب .. ” .
أما لاهوتياً فيمكننا أن نقول :
مازال الموت يستمر أن يكون سرًا، بكل مايُرافقه ويحيط به. كثيرون ممَّن تعثرهم ظاهرة الموت، يتساءلون: ” كيف يمكن أن تؤول صورة اللّه مع الموت إلى الفساد… والإنسان بالموت يؤول إلى حالة الفساد ” . الإنسان بطبيعته ينفر من الموت، لأن هناك، في داخله شعلة الخلود والأبديّة.
إن واقع موت الإنسان يعود إلى سببين، أولاً إلى الخطيئة، وثانيًا إلى عدم التوبة. يقول القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث: ” لو قال آدم: “حقًا ياسيد، قد خالفت وصيتك، خطئت، سمعت نصيحة المرأة وخطئت كثيرًا، فعلتُ بحسب ما قالته لي وخالفت وصيتك، سامحني ياسيد واغفر لي”، لكان خلص. ولكان حفظ خلود النفس والجسد. يفسر آباء كنيستنا هذا الاصطلاح بخاصيّة الفناء. الفساد والفناء اللَذان هما نتيجة خطيئة الجدّين الأولين وثمنها، هما الألبسة الجلديّة التي سُربل بها البشر بعد الخطيئة. ويعلِّم القدّيس مكسيموس المعترف أنّ الموت الحقيقي هو الانفصال عن اللّه. فالموت الروحي إذًا هو الموت بالمعنى الوضعيّ للكلمة. إلاّ أنّ البشر لا يعطونها الأهمية الواجبة كتلك التي يعطونها للموت الجسدي. من خلائق اللّه الأولى مات الشيطان روحيًا، عصى اللّه وتمرّد عليه. يتكلّم القدّيس غريغوريوس بالاماس على هذا الموت الأول ويقول إنّ الشيطان أول من خضع له.

إذاً عندنا الموت الروحي والقيامة الروحية، عندنا الموت الجسدي مع القيامة الجسدية. أيّ أننا نموت أولاً روحيًا وإذا أردنا أن نقوم روحيًا فباشتراكنا بأسرار الكنيسة. بينما سنقوم بعد الموت الجسدي جسديًا في المجيء الثاني. لذا يقول القدّيس بولس: “آخر عدو يبطل هو الموت”. لدينا اليوم الموت الجسدي، لكن قد لا نملك الموت الروحي. الموت الجسدي وقتيّ، لهذا يجب ألاّ نتكلم على موت وأموات، بل على نوم وراقدين، هذا هو إيماننا الجامع لذلك نحن لا نتكلّم على مقابر بل على مراقد.هناك تسبحة رائعة في يوم الجمعة العظيمة تقول: “الجحيم لا يملك ولا يسود أبدًا على جنس البشر”، أيّ إنّ الموت يسود بشكل مؤقت لكنه لا يشكّل حالة ثابتة أبديّة.
تصلي كنيستنا المقدّسة أولاً لأن تكون “أواخر حياتنا مسيحيّة” وطبعًا “بلا وجع ولا خزي، وبسلام”، هذا ما تعبّر عنه الصلاة أيّ الرغبة التي نصلّي بها ليهبنا الرّب نهايات مسيحيّة. أيّ نطلب من اللّه أن نموت “بسلام” في إيماننا.
إذاً لدينا الجسد والنفس اللَذان بهما معًا نتابع جهاد الفضائل، وبكليهما أيضًا نخطَأ، لذلك يكون حكم اللّه بهذين العنصرين، إما أن يخلصوا وإما أن يدانوا أبديًا بقيامة الأجساد التي ستحدث مع بوق الملائكة عندما يبوّق قبل الحضور الثاني.

أين تذهب النفوس ؟
كما قال القدّيس أثناسيوس الكبير: “إنه سرٌ غريبٌ ورهيب، مخفي عن البشر”.
لكن استنادًا إلى الكتاب المقدّس والتقليد الآبائي فإنه يتكلم عن الجحيم، فيجعلنا نفهم أن هناك مكانًا حيث تتكدس فيه نفوس الخطأة، فيه يسود الظلام والضباب. يتكلّم الكتاب المقدس على الفردوس أنّه مكان انتظار الأبرار بعد الحضور الثاني.
القدّيس أثناسيوس الكبير أغنى هذا الموضوع بقوله لنا: “نفوس الخطأة موجودة في الجحيم، أما نفوس الأبرار فهي قرب اللّه، بعد حضور الرّب الثاني ستوجد في الفردوس”. فما هما هذان المكانان اللذان تقاد إليهما النفوس بعد الرقاد؟
اللّه خارج الزمان والمكان. وبالتالي بُعدا المكان والزمان لا يتلاءمان مع الحياة الروحية الكائنة بعد الموت. بل يتلاءمان مع هذه الحياة الأرضية. سنقع في الكتاب المقدس على تعابير تعطينا انطباعًا بأنّها تتكلّم على مكان ما، مثلاً:
في العهد القديم ” Δικαίων ψυχαί εν χείρι θεού”، أيّ نفوس الأبرار موجودة في يديّ اللّه. أترى لله أيدٍ؟ النفوس لا تشغل مكانًا، ليس لها هيئة. في مثل الغني ولعازر، ربنا نفسه يقول: “إن نفس الفقير لعازر هي في أحضان ابراهيم “، وهذه خاصيّة بشريّة وتعبير بشري عاطفي، أيّ النفس موجودة في أحسن مكان. ما يمكننا أن نقوله هو أن نفوس الأبرار موجودة قربَ اللّه. فهي تعيش هناك. وكما يقول الذهبي الفم أيضًا، ينتظرون، ويعيشون في حالة ترقب.
بعد الموت، كلّ نفس تنتظم بطريقتها، بحسب أعمالها وبحسب أفعالها الصالحة أو الشريرة، في حالة مؤقتة. يقول الفيلسوف ايوستينوس الشهيد: “تنتظر نفوس المؤمنين في أفضل مكان، وتنتظر نفوس الأشرار والخطأة في أسوأ مكان، مترقبة وقت المجيء الثاني”.
هنا مسألة مهمة، وهي أنَّ النفوس بحسب الطريقة التي عاشتها مع الجسد، تذهب إلى حالة حياة ووجود توافق طريقة عيشها في هذه الحياة. حالة الانتظار هذه تدعى الحالة الوسطى للنفوس.

الحالة الوسطى للنفوس
ماذا نعرف عن الدينونة الجزئية؟ إذا تذكرنا مثل الغني ولعازر، مذكور فيه أنّه حالما مات كلٌ من الغنيّ ولعازر أُدينا ووضعا في مكانين مناسبين. رأى الغني نفسه وسط جهنم النار وأمامه الفقير لعازر في أحضان ابراهيم. حدثت هذه الدينونة مباشرة بعد الموت وليس في المجيء الثاني، واُستنتجت هذه الدينونة من الحوار بين نفس الغني وابراهيم. رأى الغنيّ إلى أيّ حالٍ آلَ، ودعا ابراهيم أن يُرسلْ إلى الأرض لعازر الفقير ليذهب ويجد إخوته الذين مازالوا يعيشون على وجهها، وينبههم أن يغيّروا طريقة حياتهم، لكي لا يطرأ عليهم شيءٌ مما حدث لأخيهم. نستنتج من هذا التفصيل أن دينونة الغني ولعازر هذه حدثت مباشرة بعد موتهم. أيّ أنه تحدث دينونة ما بعد الموت؛ ولكنّها وقتيّة. لأنّه بالمستقبل ستلحقها الدينونة الكبرى المصيريّة؛ التي ستحدث بالمجيء الثاني. عندئذٍ بقيامة الأجساد ستتحد الأجساد بالنفوس، الجسد والنفس سيظهران أمام الرب ليُدان الإنسان. في الدينونة الجزئية تُدان فقط النفس وليس الجسد الذي قد أُسلم للفساد، الدينونة الوقتيّة إذًا هي أول ميزة للحالة الوسطى.
حالة الانتظار
الحالة الوسطى من جهة أخرى هي حالة انتظار. تنتظر النفوس الدينونة النهائيّة، وبفضل رحمة الرّب الكبيرة وبعض الشروط الأخرى، أن تتحسن مكانتها كما يقول آباء كنيستنا .
سيقول أحدٌ، نحن سمعنا أنّه في الجحيم لا توبة، إذًا كيف يمكن أن تنتظر نفوس البشر التي ماتت تحسُّن مكانتها؟في البداية يجب أن نقول إننا كلّنا نؤمن برحمة اللّه العظمى. اللّه الجزيل التحنن والمحبّ البشر والكثير الرحمة. نعرف من شهادة الرسول بطرس، في رسالته الجامعة أن ربنا في الثلاثة أيام التي مكثها في القبر، أي من صباح الجمعة العظيمة حتى صباح الأحد، نزل إلى الجحيم وهناك كرز للناس المضبوطين منذ الدهر ببشارة الخلاص والفداء. من قبلوا من هؤلاء كلمة الرّب فهم خلصوا، مع أنّهم في الجحيم. طبعًا، هذه الحالة تتعلق بالبشر الذين قد عاشوا قبل المسيح، وبالتالي بمن لم يحصلوا على فرصة أن يسمعوا تعليم الانجيل من فم الرّب أو الرسل القدّيسين. أكثر آباء كنيستنا يتكلّمون على عمل الرّب هذا بأنّه حدثَ مرةً واحدة ولن يتكرر مرة أخ