شرح وتفسير صلاة الابانا

تعتبر ‘الصلاة الربّيّة’ (أبانا الذي في السماوات ليتقدّس اسمُك…)، كما أسماها، لأوّل مرّة، القدّيس كبريانوس القرطاجيّ (+258)، من أكثر الصلوات التي يتلوها مسيحيّو العالم شهرةً، وذلك أنّها ‘الصلاة’ التي علّمها يسوع للكنيسة،

وأرادها نموذجًا لكلّ صلاة . منذ البدء أبدى آباء الكنيسة اهتمامًا بالغًا بهذه الصلاة، فتركوا تفسيرات كثيرة عنها، وعملوا على إدراجها في الأسرار المقدّسة والصلوات الكنسيّة، وهي موجودة اليوم في جميع صلواتنا الجماعيّة والفرديّة .

القدّيس كبريانوس الذي كان يطلب من الموعوظين (وهم وثنيّون ويهود آمنوا بالربّ يسوع وكانوا يستعدّون لتقبّل سرّ المعموديّة) حفظها غيبًا وتلاوتها علنًا أمام الكنيسة أثناء قبولهم المعموديّة. حذا حذومعظمُ آباء القرن الرابع فأدرجوا هذه الصلاة في خدمة القدّاس الإلهيّ . ففي كنيسة أورشليم، مثلاً، كان القدّيس كيرلّس يشرحها أثناء الخدمة الإلهيّة، ويطلب من المؤمنين تلاوتَها قبل أن يتقدّموا من المناولة، وهذا ما يفعله المؤمنون اليوم .

لعلّ أبرز ما يميّزها عن كلّ الصلوات التي قبلها هو تلك الحرّيّة التي تدفع المؤمنين إلى أن ينادوا الله الذي لا يدنى منه: ‘أبانا‘.

لصلاة الربّيّة – على الرغم من صغرها – صلاة غنيّة بمعانيها، وقد وصلتنا عن يد الإنجيليّين متّى (6: 9-13) ولوقا (11: 2-4)، في صيغتين تفترق الواحدة عن الأخرى، بأمور عدّة،

لقد وصلنا نص الصلاة الربية في صيغتين: الاولى مقتضبة في لوقا 11: 2-4 والثانية مطولة في متى 6: 9-13 وهذا لايعني ان احداً اختصر منها، بينما من المحتمل ان يضاف اليه خاصة للاستعمال الطقسي.
يبدأ لوقا بكلمة” ايها الاب” المقابلة لكلمة” أبا” كما لايذكر لوقا عبارة ” الذي في السموات” التي نراها عند متى، ماذا يعني ذلك؟
يخبرنا لوقا ان احد التلاميذ طلب من يسوع قائلاً:” يارب علمنا ان نصلي ” اي ان التلاميذ تمنوا ان تكون لهم صلاة خاصة بهم كما كان لتلاميذ المعمدان او الفريسيين او اللاسينيين. ولبى يسوع طلبهم وسمح لهم ان يدعوا الله أبا كما كان يفعل ودعاهم لاتصال بالشركة الروحية التي كان له مع الله.

النصوص

لوقا 11 : 2- 4 ” ايها الاب ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك خبزنا كفافنا اعطنا كل يوم واغفر لنا خطايانا لاننا نحن ايضاً نغفر لكل من اساء الينا ولاتدخلنا في تجربة “


متى 6 : 9-13 “ابانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض خبزنا كفافنا اعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر لمن اساء الينا ولاتدخلنا في تجربة بل نجنا من الشرير
الديداخي 8 : 2- 4″ ابانا الذي في السماء ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض اعطنا اليوم خبزنا كفافنا واترك لنا ما علينا كما نترك لمن لنا عليه ولا تدخلنا في تجربة بل نجنا من الشرير لان لك القدرة والمجد الى الاجيال

الصلاة الربية في التقليدين الانجيليين علاقتهما المتبادلة – ظروف اصلهما

وصلت الصلاة الربية في العهد الجديد بصيغتين مختلفتين : متى 6: 9-13 ولوقا 11 :2-4 ويوجد الى جانبهما نص قديم ورد في تقليد موغل في القدم هو كتاب الديداخي اي ” تعليم الاثني عشر” (8: 2-4 ) ويرجع الى القرن الثاني بل لعله كتب في نهاية المئة الاولى المسيحية .

أ‌- العلاقة المتبادلة بين النصين
علينا ان لا ننظر الى النصين وكأن متى فضل ان يطيله ، وفضل لوقا اختصاره. بل علينا ان نرجع الى المصدر حيث تلقى كلاهما صلاة الجماعة المسيحية الاولى التي كان كل منهما على علاقة بها .
الاطالة في نص متى نراها في التقليد الليتورجي وفي الكرازة, وبأمكاننا ان نضيف بعض الخاصيات الملازمة لتفكير متى اللاهوتي : فمثلاً جملة “الاب الذي في السموات” نلقاها عشرين مرة في انجيل متى. فالكلام عن الله بهذه الصورة هو من التعابير الخاصة بالجماعة اليهودية المتنصرة ومتى واحد منهم. كذلك التعابير الخاصة بأرادة الله ومشيئته هي من صميم الفكر اليهودي ولما كان متى قد كتب انجيله في بيئة يهودية فانه يكثر من ذكر التعابير المقبولة في محيطه ( متى7: 21، متى5: 18-19).


اما الجماعة التي ينتمي اليها لوقا فقد ادخلت هذه الصلاة في طريقة تفكيرها. ففي انجيله يرد القول عن الخبز (لكل يوم) وليس ( لهذا اليوم ) فحسب, هذا التعبير يلازم فكرة الجماعة التي لم تعد تنتظر فكرة عودة المسيح القريبة. لقد وضعوا نصب اعينهم مزيداً من الايام القادمة.


ولفظة ” الذنوب” بمعنى الديون تغيرت الى ” خطايا ” وهذا ابتعاد ايضاً عن الفكرة اليهودية التي تقول ان المؤمنين مديونون لله. بينما اختلفت عند المتنصرين ولكي يكون النص اكثر قبولاً فضل لوقا استعمال كلمة ” خطايا ” .


مما زاد في انتشار نص متى بسرعة وادخاله في الاستعمال الليتورجي هو لما فيه من اجلال وكذلك الاعتقاد السائد بان انجيل متى هو اقدم الاناجيل.
ان النص القديم الذي حفظه لنا كتاب ” تعليم الاثني عشر” يتبع عن قرب نص متى وفيه ينعكس التفكير اليهودي – النصراني في واجب حفظ الشريعة. لكنه يختلف عن نص متى باستعماله لفظتين في حالة المفرد : ” السماء” و ” ذنبنا ” والاختلاف الاهم هو في المجدلة التي الحقت بالصلاة الربية في المخطوطات المتأخرة للانجيل.

ب‌- ظروف الاصل
لايخبرنا متى عن الظروف التي احاطت بانبثاق الصلاة الربية فقد وضعها ضمن موعظة الجبل عن الصلاة والصوم. وكذلك كتاب ” تعليم الاثني عشر” ادخلها ضمن الحديث عن الصلاة والصوم . وليس في النصين اي تنويه بالجو التاريخي المهيمن على حياة يسوع حين املى هذه الصلاة. بل بالاحرى يشيران الى محيط الكنيسة البدائية وطريقة تفكيرها وصلاتها . وهذه امور نتوقف عندها قبل دراسة المعطيات الخاصة بلوقا.
· ” ومتى صليتم فلا تكونوا كالمرائين، فأنهم يحبون الصلاة قياما في المجامع، وفي زوايا الساحات، لكي يظهروا للناس ” ( متى 6: 5)
اما انت ، فمتى صليت فادخل مخدعك واوصد بابك، وصلِ الى ابيك الذي في الخفية” ( متى6: 6)
الصلاة هي التوجه نحو الله ومن يصلي بحجة اعطاء المثل الصالح للآخرين فعمل من الرياء, والاستعراض امام الاخرين ليمدحوا تقوانا فذلك حب الظهور متجلبب بلباس الدين. فالمستحسن الانزواء وعدم التفكير بامور الدنيا ومحاولة الاتصال بالله على مثال المسيح.


· ” وفي صلواتكم لا تكرروا الكلام عبثاً مثل الوثنيين، فانهم يتوهمون انهم لكثرة الكلام يستجاب لهم, فلا تتشبهوا بهم، فان اباكم يعلم بما تحتاجون اليه قبل ان تسالوه” ( متى 6: 7- 8 ) .
ان المسيح لا ينكر علينا عرض حاجاتنا اما الله. فهو القائل: ” اسالوا تعطوا، اطلبوا تجدوا ، دقوا الباب يفتح لكم” ( متى 7: 7 ) ويؤكد ذلك المثل الذي رواه ( لوقا 11: 5- 8 ) عن الصديق الذي ياتي ليلاً طالباً الخبز ولايتزعزع الا بعد نيله مبتغاه. المهم اذا هو تغيير العقلية اي رفع الصلاة بثقة الى الله.
كذلك لا يدين المسيح الصلاة الطويلة فهو نفسه كان يقضي ليالٍ باكملها في الصلاة ( لوقا 6: 12). ولكن يجب ان لاتكون الصلاة بدافع التأثير على الله ، بل كتعبير عن حاجاتنا للتقرب الى الله. فإن سبّب طول الصلاة ملللاً في النفس فلتهمل لانها فقدت غايتها ولم تعد واسطة للتقرب الى الله .

اعتاد البعض على تقسيم الصلاة الربّيّة إلى قسمين؛ أمور السماء (وهي الطلبات الثلاث الأولى)و أمور الأرض وحاجاتها’ من هنا – يجب أن نفهمه بتوافقه ومجمل فكر يسوع الذي يدعو إلى عيش الآخرة أوّلاً والعمل على تبيانها ‘الآن وهنا’ (يقول الربّ: ‘اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبّره…’) .

وذلك انّ الذي يُرضي الله ليس أن نقدّس اسمه بإخلاصنا له فقط، ولكن بعملنا على خلاص البشر أيضًا (فلا يجوز أن نفهم، مثلاً، أنّ الطلبة الثانية في الصلاة الربّيّة: ‘ليأتِ ملكوتُك’، تختصّ فقط برغبة المؤمنين في حلول الملكوت الآتي، لأنّ أولاد الله الحقيقيّين لا يعترفون بمجد الله الأخير فحسب، أو يتـوقون فقـط إلى اليـوم الـذي يملك فيه على كلّ أحبائه ‘ويُخضع كلّ أعدائه تحت قدميه’، ولكنها أيضًا (تختصّ) بترجمة إيمانهم ورجائهم في هذا الدهر، وذلك لأنّ مُلك الله – بالنسبة إليهم – هو في خلاص البشر الذي يبتدئ هنا في هذا العالم. وهذا يمنعنا منعًا باتًا مـن التمييز بين ما هـو عموديّ (إرضاء الله) وبين ما هو أفقيّ (الاهتمـام بالناس وحاجاتهم)، إذ كيف نهتمّ بالله إن لم نلقَ أبناءه كأخوة ؟ فالله هو أبونا جميعًا،. وفي السياق عينه يجب أن نفهم أنّ طلبة ‘الخبز الجوهري’ لا يتعلّق معناها بالخبز المادّي الـذي نأكله في هـذا العالم فحسب، ولكن أيضًا الخبز السماويّ الذي يعطيه الربّ للذين سيُجلسهم على مائدته الأخيرة وهي تحثّنا تاليًا على أن نطلب دائمًا جسد الربّ الذي نتناوله في القدّاس الإلهيّ .الصلاة الربّيّة هي صلاة الكنيسة التي أدركت أنّ المسافة بين الأرض والسماء قد زالت، وهي صلاة الغنج الأكبر الذي يهبه الروح القدس للذين يعملون بمشيئة الآب في كلّ زمان ومكان .

صلاة الربّيّة هي صلاة الكنيسة التي أدركت أنّ المسافة بين الأرض والسماء قد زالت، وهي صلاة الغنج الأكبر الذي يهبه الروح القدس للذين يعملون بمشيئة الآب في كلّ زمان ومكان .

آبانا

لا نريد، في هذا الشرح، أن نخرج عن الخطّ الذي رسمه التراث الأرثوذكسي، وأعني تأكيده القاطع أنّ الله هو فوق كلّ كلام وأبعد من أن تحبسه تحديدات ومفاهيم. ‘ فإله يمكن إدراكه ليس هو الله’. وهذا يعني أنّ إلهًا نزعم أنّنا نقدر على فهمه، عقليًا، بصورة كاملة، هو إله من اختراعنا، وليس هو الإله الحقيقيّ. غير أنّ هذا لم يمنع تراثنا من أن يؤكّد أيضًا، وفي السياق عينه، أنّ الله الذي لا يسعه مكان أو زمان ولا يمكن وصفه أو رؤية جوهره، هو إله شخصيّ، ومعرفتنا له تحدّدها كشوفاته في التاريخ، وتاليًا إيماننا به ومحبّتنا إيّاه. وذلك أنّ الإيمان ليس هو، في جوهره، حقيقة منطقيّة، بل علاقة شخصيّة وتسليم كامل لمن تنازل وبذل دمه حبًّا بنا.

انطلاقًا من تنازل يسوع ابن الله الوحيد الذي سمح لنا بأن ننادي أباه: ‘أبانا’، أن نكتشف – عمق هذا النداء الذي يحمل كلّ حقيقة الله، ويبيّن، تاليًا، اسس علاقة البشر بعضهم ببعض.

انّ بعض الآباء القدّيسين، أطلقوا لفظة ‘أبانا’ على الثالوث القدّوس. فالنداء، في مداه الأوّل، يدلّ، آبائيًّا، على العلاقة التي تربط الله المثلّث الأقانيم، وهو، تاليًا، يُدخلنا عمق معرفته. وليس هذا فقط، وذلك أنّ نداء ‘أبانا’ لا يضعنا في خطّ عموديّ حصرًا، ولكن أفقيّ أيضًا، أي إنّه لا يدلّنا على هذه العلاقة الثالوثيّة أو يطلب منّا اعترافًا بأنّ الله هو أبو يسوع أزليًّا فحسب، بل أيضًا على كون الله هو أبو جميع البشر، وأنّ ارتباط البشر بعضهم ببعض هو، بيسوع المسيح، ارتباط أخويّ.

يؤكّد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، في تعليقه على هذا النداء، يعلّمنا (يسوع في الصلاة الربّيّة) أن نجعل صلاتنا مشتركة، لمصلحة أخوتنا أيضًا. إذ لا يقول (المؤمن): ‘أبي الذي في السموات’، بل ‘أبانا’ مقدّمًا تضرّعاته من أجل الجسد المشترك، غير ناظر قطّ إلى مصلحته الخاصّة، بل إلى مصلحة قريبه في كلّ مكان‘.

وذلك لأنّ كلّ إنسان، هو ‘صورة الله’، والله تاليًا أعطى جميع البشر، بابنه يسوع، نعمة البنوّة، أي وهبهم أ لا يريدنا يسوع، فيما نخاطب الله، أن نكلّمه بمنطق العهد القديم ن يصيروا ‘أبناء الله‘. وذلك أنّ العهد الأوّل الذي أعطي في سيناء يلد العبوديّة(غلاطية 4: 24)، وجميع الذين أُخضعوا لشريعة الناموس كانوا عبيدًا (افسس 2 :15)، بل أن نعرف أو أن نقبل أن يقودنا روح الله إلى معرفة كوننا ‘أبناء الله’ المدلّلين، وأن ننادي الله بالطريقة عينها التي كان يلفظها الأطفال الآراميّون فيما كانوا يتدلّلون على آبائهم: ‘أبّا’ (أو كما نقول بلغتنا: ‘بابا‘)

قد نقلنا يسوع الذي يحقّ له وحده أن يخاطب أباه ببساطة كلّيّة وألفة حميمة (متّى 11: 25، 26: 39؛ مرقس 14 :36، 15: 34؛ لوقا 10: 21، 23: 46 وما يوازيها)، بنعمة روحه القدّوس، من حالة الخوف والبعد والجهل، وقرّبنا من الله أبيه، وأعطانا أن نناديه بجرأة الأطفال(بابا) من دون أن تطالنا دينونة (كما تدعونا خدمة القدّاس الإلهيّ).

الأبانا” التي علمها يسوع لتلاميذه اراد بها ان يكون كل تلميذ انسانا جديدا في علاقة جديدة مع الله وعهد جديد، وتاليا باستطاعته ان يقول يا “أبّا” حيث يصبح ابنا حقيقيا ولا يعود عبدا ويمنح الروح القدس بواسطة المعمودية فيصبح شبيها للخالق.

أبانا الذي في السموات

لا تعني عبارة ‘أبانا الذي في السموات’ أن الله ليس موجودًا في الأرض،(أو انّه بمعنى آخر، محدود في مكان). نقول في طقوسنا ‘ في كل مكان’.

الكنيسة الارثوذكسية ذهبت إلى أبعد من هذا ، ففي تعليمها، المتعلّق بالتجسّد ، أكّدت أن كل مسافة أو فرق بين الأرض والسماء، أو ما هو فوق وما هو تحت، ألغي في المسيح يسوع.

وهذا يمكن توضيحه بتأكيد آخر، وهو أنّ الله الذي هو، في جوهره، ‘غير مدنو منه’ (قد يكون هذا التعريف هو أحد أهمّ معاني عبارة ‘أبانا الذي في السموات’) هو إله محبّ (أنظر: إنجيل يوحنّا ورسائله). فالمحبّة هي التي تبسط حقيقة الله الأزلية وكلّ عمله الخلاصيّ في التاريخ.

وهذا يعني أنّ قلب الإنسان هو مسكن الله الحقيقي، ‘إنّ ملكوت الله في داخلكم’، يقول يسوع (لوقا 17: 21). ولعلّ كلامه الوارد في إنجيل يوحنّا يوضح ما نريد قوله هنا، وهو:’إذا أحبّني أحد حفظ كلامي فأحبّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مُقامًا’ (14: 23). فالقلب البشريّ هو، في العمق، سماء الله الحقيقيّة.

يعرف العارفون أنّ عبارة ‘الأب الذي في السموات’ كانت، في التقليد العبريّ، في زمن يسوع، تدلّ – رغم ندرة استعمالها – على تسامي الله وتعاليه وبآنٍ على قدرته وسلطانه في الأرض وعلى ‘كلّ الساكنين فيها’ (مزمور 24: 1).

والعبرانيّون، في كلّ حال، ما كانوا يجترئون على التلفّظ باسم الله أو مناداته بدالّة في صلواتهم الشخصيّة (فهذا عندهم يسيء إلى تسامي الله). أمّا يسوع ابن الله الوحيد الذي أتى ليحرّرنا من العبوديّة وينتشلنا من كلّ بعد وجفاف وخوف، فقد علّم أتباعه أن ينادوا أباه بحرّيّة ودالّة: ‘أبانا الذي في السموات،

وذلك أنّه أراد أن يكشف أنّ الله هو أب حنون ومترئف لا بإسرائيل فحسب، ولكن بالبشر جميعًا. لقد فتح يسوع باب الملكوت لجميع البشر، وألغى كلّ مسافة وعرق وجنس ولغة، وذلك لأن السماء لا تظلّل أناسًا دون غيرهم، وأكّد، تاليًا، أنّ ما يطلبه الله من البشر جميعًا هو أن يثقوا برحمته وقدرته وأن يحيوا أخوة مع البشر كافة.

يقول ثيودورس أسقف مصّيصة في شرحه هذه الصلاة: ‘ أريدكم أن تقولوا أبانا الذي في السموات ‘حتّى تتمثّل أمام عيونكم، في الدنيا، الحياة السماويّة حيث أعطي لكم أن تنتقلوا يومًا. فإنكم – قد نلتم التبني – صرتم مواطني السماء.

أجل هذا هو المقرّ اللائق بأبناء الله’ وذلك أنّ المسيحيّين هم يعيشون في الأرض بموجب قانون موطنهم الحقيقيّ (السماء) الذي هو في قلوبهم. ولا يعني هذا أنّ المسيحيّين يحتقرون العالم أو ينفصلون عنه، ولكن أنّهم في العالم وليسوا منه،

هم يعبدون ‘الأب الذي في السموات’ بإخلاص دون غشّ، إخلاص يكون بإيمانهم وبطاعتهم للأب، وتاليًا رفضهم كلّ إغراء يصدر عن إبليس أو عن الذين يتبعونه.

فيا ‘أبانا الذي في السموات’ أعطنا أن نفهم حبّك وتنازلك وتعاليك هبنا روحك القدّوس لنعرف أنّك وحدك في قلبنا مالكًا وأنّنا بابنك الحبيب ارتقينا، من الأرض إلى السماء.

خلاصةأنّه لدينا أبٌ ولسنا أيتامًا. والله أبانا سيلبي كلّ مطالب الصلاة بإيمان غير متزعزع به، لأنه ولا أيّ أب يحرم أبناءه من خيراته عندما يطلبونها منه. ونسمي الله أبـًا معترفين بالتبني، أي مستحقين ان نكون أبناءً بنعمة الله. كلّ خيرات الله التي سنحصل عليها بكوننا بعلاقة أخوية مع ابن الله الوحيد ونحصل موهبة الروح القدس. وبالتالي لنا شركة مع الثالوث القدّوس

بالحقيقة عندما نسمي الله أبًا فهذا يعني أنه يجب أن يكون لدينا انتماء وحياة، حتى لا نبدو غير مستحقين لهذا النسب الشريف.

أبانا”،  ندّل أننا والآخرين إخوةٌ، ولسنا وحدنا فقط على الأرض، ولسنا نحن من لدينا الله أبًا، أي لسنا نحن وحدنا أبناء.

ليتقدّس اسمك:

تبدأ الطلبة الأولى في الصلاة الربيّة بدعوة المؤمنين إلى تقديس اسم الله (والاسم، في التقليد الكتابيّ، هو الشخص ذاته). هذه الصلاة تدلنا على ان الله هو الآب نفسه.

في العهد القديم عرّف الله عن نفسه بقوله:

أنا يهوه، هذا هو اسمي’ (خروج 3 :14-15، 6: 2-3).

واسم ‘يهوه’، في اللغة العبريّة، ليس، كما يقول أتباع بدعة ‘شهود يهوه’ اليوم، اسمًا علمًا، ولكن صفة، ويعني ‘الكائن’ أو ‘الذي يكون’ اي: ‘أنا هو مَن هو’).

فإذا قال الله: ‘أنا يهوه’، فهو يدلّ على كيانه الذي لا يُدرك، لذلك يستعمل العبرانيّون عادة، تجنّبًا للتلّفظ بالاسم المقدّس الذي أوحي به الله لموسى، عبارات أخرى، مثل: الأزليّ، السيّد، الكليّ القدرة، السموات، القدّوس والمبارك…).

ان هذا الاسم (يهوه) غير وارد في العهد الجديد، الا أن اسم ‘يسوع’ يعني، في اللغة العبريّة: يهوه يخلّص

وهذا ما يدفع الإنسان إلى أن يلتفت نحو الله ويعترف بقداسته فيلتزم عبادته ويمدحه ويسجد له (عدد 27: 14؛ تثنية 32: 51؛ اشعيا 8: 13). والله، تاليًا، عن طريق المفارقة، يدلّ على قداسته حين يشرك الإنسان فيها، يقول: ‘كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس’ (أحبار 11: 14).

أما في العهد الجديد فالله يكشف عن ذاته بصفته أبًا قدّوسًا ، هو أب لابن وحيد أرسله من أجل أن يخلّص الإنسان الذي انفصل عنه بارتكابه الإثم، وأن يهبه التبنّي ويعيده إليه، وذلك أنّ ‘إرادة الله قداسة البشر’ (1 تسالونيكي 4: 3)، وهذا يعني أنّه يريد (ويعمل من أجل) أن يلتفت الناس إليه، بمحبّة كليّة، وأن يعلّوا قداسته بقبولهم عطاياه في كلّ أقوالهم وأعمالهم (أنظر: أفسس 1: 3 و4)، وأنّه يريدهم، تاليًا، أن ينشروا قداسته في الأرض، أو، كما يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ في شرحه هذه الطلبة، أن ‘يشفعوا من أجل كلّ سكّان الأرض’.

ويسوع هو قدّوس الله، وقد قدّس الكنيسة لمّا مات عنها (يوحنا 17: 19؛ افسس 5: 26 وعبرانيين 9: 13، 10: 10،14 ،29، 13: 12).

يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم:’جدير بالذي يدعو الله أبًا أن يصلّي لا ليطلب شيئًا قبل مجد أبيه، بل أن يحسب كلّ الأشياء ثانوية بالنسبة إلى عمل تسبيحه،

هكذا فليضئ نوركم (أي إخلاصكم لله الذي تعيشونه في شركة الكنيسة) للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجّدوا أباكم الذي في السموات’ (متى 5: 16).

أمّا إذا أتينا نقيض هذا فإنّنا نسيء إلى الله وقداسته، ‘أي إنّ كلّ الغرباء عن إيماننا يقولون عنّا، وهم يشاهدوننا منصرفين إلى أعمال سيئة: ليسوا أهلاً لأن يكونوا أبناء الله’،. فالله، في الأخير، يُعرَف وتظهر قداسته في المؤمنين الذين لا يساومون على محبّته.

الخلاصة:

. وعندما نصلّي “ليتقدس اسمك” لا يعني أن اسم الله ليس قدوس، فهذه الطلبة لها معنيان، الأول “ليتقدّس” أي “ليتمجّد” اسمه ويتمجّد بحياتنا الشخصيّة، ويجدَّف على اسم الله عندما لانكون أوفياء لاسمه ونصون هذا النسب الشريف. أما المعنى الثاني للكلمة ليس مستقلاً أبدًا عمّا سبق، فالكلمة “ليتقدّس”، أيّ “اجعلنا قديسين”، نطلب من الله أن يقدّس حياتنا الشخصيّة.

فبهذه الطلبة ندّل على ماهيّة هدف الإنسان ولأي سبب يعيش. هدفه أن يتحد مع الله ويصير قدّيسًا بنعمة وقوى الله. الله بحسب الطبيعة قدّيسٌ، وعلى البشر أن يصيروا قدّيسين بحسب النعمة. هذا ما يدعى التأله،”صيروا قدّيسين كما أنا قدّوس” (1بط16:1). هناك أناس يحاولون أن يبرّروا أنفسهم بقولهم: “هذه الحياة المقدّسة ليست لي، أريد أن أعيش هذه الحياةَ ببهجتها ولن أحرم نفسي أبدًا من عطاءاتها الأرضيّة الدنيويّة”. “لست قديسًا حتى لا أغضب”.

وبما أنّ حياتنا لا توافق هذه الوصية، ونحن لا نجاهد لكي نعيش بحسب مشيئة الله، فلهذا مسيرتنا هي ضدّ المسيحيّة. نحن مملوئين من الأهواء والحقد والوشايات والذنوب، ولهذا السبب، فإنّ الناس الآخرين يروننا ولا يؤمنون بالله، وبهذا نصير سبباً ليجَدّف على اسم الله في الأمم.

عندما نصلّي لله كما هي العادة، فنحن ندعوه أن يعطينا الصحة والرفاهية والخيرات الماديّة ….الخ