عظة للقدّيس يوحنا الدمشقي

(سلسلة أناجيل ورسائل الآحاد –ج6- صفحة 908-924)

 1-  “ذكر الصدّيقين تحفّ به المدائح” (أمثال 7:10)، يقول سليمان الجزيل الحكمة، “وعزيز في عينيّ الربّ موت أتقيائه” (مز 15:115)، كما تنبّأ داود جدّ الإله. فإذا ما كانت المدائح تحتفّ بذكر جميع الصدّيقين، فمن لا يقتضي بمدح من هي ينبوع الصلاح وكنز القداسة، لا لزيادتها مجداً، بل لكيما يزداد هو نفسه من المجد الأبدي؟ هيكل الله، مدينة الله، ليست بحاجة البتة إلى تمجيد من جهتنا: فلأجلها نُطق بعبارات مجد، كما يقول لها داود الإلهي: “بالأمجاد يا مدينة الله يحدَّث عنك” (مز 3:82). كيف نفهم لَعمري “مدينة الله” هذه، التي لا ترى ولا تحدّ والتي تحوي كل الأشياء في يدها (أشع 12:40)، إن لم تكن تلك التي استطاعت وحدها بالحقيقة أن تحوي كلمة الله الفائق الجوهر في عظمته التي لا حدّ لها، بحال تفوق الطبيعة والجوهر؟ تلك التي لأجلها قال الربّ نفسه كلمات مجيدة؟ وأيّ شيء أمجد من تقبّل تصميم الله؟

 تقدمة النيّة الطيّبة

 2-  إذ ليس باستطاعة لغة بشريّة أو ذهن الملائكة الذين يفوقون العالم أن يحتفلوا كما يليق، بتلك التي أُعطي لنا بها أن نشاهد بجلاء مجد الرب. ولكن ماذا؟ أو َنسْكُتُ لكوننا غير قادرين على الإشادة بها كما يليق، وهل يُعيقنا الخوف لذلك؟ كلاّ بالطبع. أو هل نُقدم على تخطّي العتبة، كما يقال، من دون أن نعرف حدودنا الذاتية لنلمس القدسيّات من دون احتراس، غير عابئين برادع الخوف؟ لا البتّة. بل بالحريّ لنشبك الخوف بالحب ولنصنع من تشابكهما إكليلاً واحداً، وبتكريم قدوس ويد مرتجفة ونفس مضطرمة، لنقدّم بواكير فكرنا المتواضعة كدَين عرفانا بالجميل، للملكة والأمّ، المحسنة إلى الطبيعة برُمَّتها.

 يُحكى أنّ فلاّحين كانوا يشقّون الأثلام مع ثيران الحراسة، فرأوا ملكاً ماراً، عليه لباسه الأرجوانيّ الرائع متلألأ بلمعان تاجه، وكان وسط حشد لا يُحصى من الحرّاس المحتفّين به. ولمّا لم يكن في متناولهم شيء البتة حينئذ يمكنهم تقديمه كهدية للملك، راح واحد منهم وبدون انتظار فجلب ماء في يديه (كان يجري بوفرة بالقرب منهم) وحمله كهبة للملك. فقال له الملك: “ما هذا يا بنيّ؟” فأجاب بثقة: “ما كان في تصرّفي، أتيتك به. فكّرتُ أنه الرأي الأفضل: فالعوز لا ينبغي أن يُخمد حماسنا. ليس لك ما تفعل بهباتنا، لكنك لا تريد سوى إرادتنا الطيبة. وهذا الصّنيع هو واجب بالنسبة إلينا، كما أنه أيضاً لمدحنا، لأن المجد يواكب ذوي السّخاء بطيبة خاطر”. فعجب الملك لهذه الحكمة ومدحها، وتقبل هذه الإرادة الطيبة بلطف، وعزم على مكافأة الرجل بعطايا جسيمة. فإذا كان هذا الطاغية المتكبّر قد فضّل النيّة الطيبة على غنى التقدمة، فلكم بالأكثر تتقبل نيتنا من دون النظر إلى مقدرتنا، هذه السيدة الصالحة حقاً، أم الله الصالح وحده الذي لا نهاية لتنازله والذي يفضل “الدرهمين” على التقدمات الغنية؟ بدون أدنى شك، سوف تتقبل تقدمة هذا الدّين وتعطينا بالمقابل خيرات لا مثيل لها في عظمتها. وهكذا، بما أن كل شيء يدفعنا إلى الكلام، ولكيما نضطلع بما يتوجب علينا، لنوجّه الكلام إليها إذن.

 3-بأي لقب ندعوك أيتها السيدة؟ وبأية تعبير نحييك؟ بأية مدائح نكلّل جبينك المقدّس المملوء مجداً، يا موزعة الخيرات ومانحة الثروات، يا جمال الجنس البشري وفخر الخليقة بأسرها، يا من بها اغتبطت هذه الخليقة بالحقيقة؟ فها الذي لم تكن تحويه قبلاً بالفعل، بك أصبحت تحويه. وذاك الذي لم تكن لها القوة للتحديق به، أصبحت “تشاهده كما في مرآة، والوجه سافر” (2كو 18:3). افتح يا كلمة الله فمنا البطيء في التكلم، وضع على شفاهنا المفتوحة كلمة مملوءة نعمة. انفخ فينا نعمة الروح التي بها صيادون وضعفاء يُصبحون بُلغاء، وبها ينطق أُمّيون بحكمة تفوق الإنسان، كيما ينجح صوتنا الواهي بدوره، ولو بغموض، في إذاعة عظائم أمّك المحبوبة جداً.

تدبير الخلاص

 فهي التي اختبرت في الواقع منذ الأجيال الغابرة بسابق اختيار الله الآب وعطفه، الذي ولدك خارج الزمن من دون أن يخرج من ذاته ومن دون تغيّر، هي التي ولدتك آخذاً منها جسداً “في الأزمنة الأخيرة” (1بط 20:1)، أنت الكفّارة والخلاص، العدل والفداء، الحياة الخارجة من الحياة، “النور من النور، الإله الحق من الإله الحق”. ولادة هذه الأم كانت فائقة على طور الطبيعة، ولادتها تجاوزت الطبيعة والعقل البشريّ، وكانت خلاصيّة للعالم. ورقادها كان مجيداً، مقدّساً بالحقيقة وأهلاً لمديح دينيّ.

 لقد سبق الآب فاختارها، ثم كرز بها الأنبياء بالروح القدس. ثم زارتها فضيلة الروح المقدسة فطهرتها وقدستها، وروّت من ثم هذه الأرض. أنت إذاً، يا من هو “التعريف بالآب والتعبير عنه”، أتيت وسكنت فيها من دون أن تصبح محصوراً، لكي تذكّرنا بذّل طبيعتنا البالغ أمام السمو اللامحدود الذي للألوهة غير المدركة. ومن هذه الطبيعة البشرية أخذت بواكير الفائق العفاف والساّمي الطهارة والبريء من العيب الذي للعذراء القديسة، وصنعت لك جسداً ونفساً عاقلة وناطقة وحفظتها لك في ذاتك. فصرت إنساناً تاماً من دون أن تبرح إلهاً تاماً مساوياً لأبيك في الجوهر، بل أخذت ضعفنا على عاتقك كحنوّ لا ينطق به ثم خرجت منها، أنت المسيح الواحد والربّ الواحد والابن الواحد، إلهاً وإنساناً معاً، إلهاً تاماً وإنساناً تاماً في آن، إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً بالكلية، أقنوماً واحداً ذا طبيعتين كاملتين: إلهية وإنسانية. ليس مجرد إله أو إنساناً فحسب، بل كابن واحد لله وإله متجسد، إله وإنسان معاً في الأقنوم عينه من دون امتزاج ولا انفصال: المخلوق وغير المخلوق، المائت وغير المائت، المنظور وغير المنظور، المحصور واللامحدود، المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، الفعل الإلهي ومعه أيضاً بالتأكيد فعل إنساني، كلاهما حرّ، الإلهي كما الإنساني، الآيات الإلهية والآلام البشرية، أعني الآلام الطبيعية وليس الناتجة عن ذنب.

 لأن آدم الأول الذي لكونه قبل التعدي حراً من الخطيئة، اضطلعت به أيها السيد بجملته، جسداً ونفساً وروحاً مع كافة ملكاته الطبيعية لكيما تُنعم بالخلاص على كياني برمّته، بسبب أحشاء رحمتك، لأنه صحيح جداً القول إن “ما لم يُضطلع به لا يبرأ”. وبحصولك “وسيطاً بين الله والناس”(1تيم 5:2)، نقضت الكراهية وقدت إلى الآب من تركوه: أعدت من ضلّ وأنرت من أظلم وجددّت ما تحطّم، وحولت إلى عدم الفساد من فسد. ومن الاعتقاد الخاطئ بتعدّد الآلهة نجّيت الخليقة، وجعلت البشر “أبناء لله” وأعلنت من كانوا في الهوان  مشاركين في مجدك الإلهي. والمحكوم عليه في الجحيم السفلي أنهضته “فوق كل رئاسة وسلطان” (أف 21:1). ومن حُكم عليه بالعودة إلى الأرض والسّكنى في أرض السكوت، أجلسته على العرش الملكي فيك أنت نفسك. فمن كانت إذاً واسطة هذه الخيرات التي لا تقدر والتي فوق كل فكر وفهم؟ أو ليست تلك التي ولدتك، الدائمة البتولية؟

 4-   أنتم ترون، أيها الآباء والأبناء المحبوبون من الله، نعمة هذا النهار الحاضر. ترون كم هي سامية ومكرّمة من نحتفل بها. أو ليست أسرارها رهيبة؟ أو ليست مملوءة بالآيات؟ طوبى للذين يرون كل ما يجدر في تأملها، وطوبى للذين يملكون حس الإدراك. “فبأي نور وأية ومضات قد استنارت هذه الليلة! وأية طغمات ملائكية أشعّت رقاد الأم التي كانت مبدأ الحياة! وبأية تعابير إليهة يطوّب الرسل دفن الجسد الذي اقتبل الإله! كيف كلمة الله الذي لرحمته قبل أن يُصبح ابنها، يخدم بيديه السيديتين، هذه المرأة الإلهية الفائقة ال قداسة، كيف تُخدم أم ويتقبل نفسها المقدسة! يا للمشترع الكامل! فالذي لا يخضع للناموس، طبق الناموس الذي حمله هو نفسه، إذ هو الذي أمر بواجب الأولاد تجاه أهلهم بقوله: “أكرم أباك وأمّك” (خر 12:20) إنها حقيقة ظاهرة لمن تلقّن ولو بشكل واه الوحي الإلهي الذي في الكتاب المقدس. فإذا صح قول هذا الكتاب الإلهي إن “نفوس الأتقياء هي بيد الرب” (حك 1:3)، فلكم بالأحرى هذه ، لا تسلم نفسها بين يدي ابنها وإلهها؟ إنها حقيقة أكيدة فوق كل اعتراض.

 ولكن، أتريدون أن نقول أولاً من هي وما أصلها وكيف أُعطيت للعالم كعطية العطايا التي من الله العليّ والفائق اللّطف في آن، وكيف عاشت في الحياة الحاضرة وأيّ أسرار أُهّلت لها؟ لنشرح هذه النقاط إذاً.

تكريماً للأموات، كان اليونانيون يجمعون بعناية تامة كلَّ ما كانوا يجدونه مفيداً في الرثاء، وذلك لينطبق التأبين على البطل المحتَفل به من جهة، ولكي يكون حافزاً للأحياء ودافعاً لهم تحاه الفضلية من جهة أخرى – وكانوا ينسجون خُطبهم عموماً من حكايات وقصص خيالية لا عدّ لها، إذ لم يكن لشخصياتهم ما يؤلّفونه بأنفسهم من أجل المسيح. في هذه الأحوال، إذا ما أخفينا في لجج الصمت، حسب التعبير الجاري، ما هو صحيح وجدير بالوقار بشكل مطلق، وما لوجوده حقاً إضفاء على الجميع بركة وخلاصاً، كيف لا نستوجب الاستهزاء التام، والحكم عينه الذي وقع على من أخفى وزنته؟ لكنّا سنحرص على اقتضاب الخطبة خوفاً من أن تتعب الآذان، كما يسبب ضرراً للأجساد إسراف في الغذاء.

 جدّا المسيح يواكيم وحنّة

 5-   يواكيم وحنّة كانا والديها. وكان يواكيم، كراع للنّعاج، يسوق أفكاره كما تُساس القطعان، ويحرسها تحت سلطانه ويقودها كما يشاء. إذ لكونه هو نفسه كالنعجة، والرب الإله كالراعي، لم يكن يعوزه أي خير سام. ولا يتصوّرون أحد أني أدعو خيرات سامية هذه الأشياء التي يفكر بها الأكثرون والتي يصبو إليها دائماً فكر البشر الكثيري الجشع، التي لا تدوم بطبيعتها ولا تستطيع أن تجعل صاحبها أفضل حالاً مما هو عليه: متع الحياة الحاضرة هذه، التي لا يمكنها الحصول على قيمة ثابتة بل تضمحل من ذاتها وتتبدد حالاً، حتى ولو سيحصل عليها بكثرة. لا، ليبتعد منا الفكر الذي يُعجب لها! فهذا الأمر ليس نصيب الذين يتقون الرب. ولكنني أتكلّم على الخيرات المشتهاة حقاً والتي يودّها البشر المستقيمو الحكم، الخيرات التي تدوم إلى الأبد، التي تبهج الله وتهب مالكيها ثمراً في أوانه: أعني بذلك الفضائل التي تعطي ثمرها في أوانه، أي الحياة الأبدية في الدهر الآتي، لهؤلاء الذين على أي حال سيجتنونها كما ينبغي، في عملهم بأنفسهم وحسب قواهم. العمل يسبق، وتتبعه البهجة الأبدية. لقد اعتاد يواكيم أن يجلب أفكاره الخاصة إلى الداخل“في مراع خضر” (مز 2:22) – حيث يمكث في تأمل كلمات الوحي المقدسة – و“نحو المياه الهادئة” (مز 3:22) التي للنعمة الإلهية حيث كان يجد لذّاته. كان يحوّلها عن الباطل ويرشدها إلى “سبل الحق”.

 أما حنّة والتي اسمها يعني “نعمة”، فكانت شريكته في تقاليده كما في تفاعل الحياة. كانت تحظى بكل الخيرات، بيد أنها، ولسبب خفي، قد بُليت بألم العقم. في الواقع، كانت النعمة عقيمة، لا قوة لها كي تثمر في نفس البشر: “لأنهم ضلّوا كلّهم وفسدوا جميعاً” (مز 2:13)، “وما من أحد عاقل يطلب الله” (مز 3:13). وكان الله ينظر عندئذ بصلاحه مشفقاً على عمل يده ومريداً أن يخلّصه، فوضع حداً لعقم النعمة، أي حنّة الإلهية الأفكار: فوضعت في العالم طفلة لم تولد قبلها أخرى ولن تولد أبداً. وأظهر شفاء هذا العقم بكل وضوح أن عقم العالم، العاجز عن انتاج الخيرات، قد توقف هو نفسه وأن جذع الغبطة المحظورة راح يثمر.

 6-   ولهذا أتت والدة الإله في وقتها بقوة وعد: ملاك يعلن الحبل بتلك المزمعة أن تولد. إذ كان يليق في هذا المجال أيضاً ألا تتنازل لأحد، ولا أن تأتي بالدرجة الثانية تلك التي كان عليها أن تلد بحسب الجسد الإله الوحيد والكامل حقاً. ثم قُدمت لتُكرس لله في هيكله المقدس: هنا عاشت وأعطت القدرة في غيرة وسلوك أكمل وأطهر من الآخرين، بعيداً عن أية علاقة بالرجال والنساء البعيدين عن الخير. ولكن، لكونها قد أذوت رَيَعان شبابها، وبما أن الشريعة تمنع البقاء طويلاً في حضن المكان المقدس، عُهد بها من قبل جوق الكهنة إلى يدي زوج يحافظ على عذريتها، إلى يوسف الذي كان يحفظ الشريعة في طهارته حتى بلوغه النضوج وأكثر من أي (إنسان) آخر. عنده عاشت هذه الفتاة القديسة البريئة من كل عيب، تهتم بالأعمال البيتية من دون أن تعلم شيئاً البتة مما يجري أمام بابها.

  بشارة الملاك

 7-   “ولما بلغ ملء الزمان” (غلا 4:4) كما يقول الرسول الإلهي، أرسل الله الملاك جبرائيل إلى تلك التي كانت بالحقيقة ابنة لله، وقال لها:“إفرحي أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك”. كلام عجيب من الملاك موجّه إلى تلك التي تسمو على الملاك، جلب الفرح إلى الكون بأسره. بيد أنها “اضطربت لهذا الكلام” لكونها غير معتادة على الاختلاط بالرجال، ولأنها كانت عازمة بشدة على حفظ بكارتها. “وقالت في نفسها: ما معنى هذه التحية؟ “فقال لها الملاك عندئذ: “لا تخافي يا مريم فقد نلت حظوة عند الله”. نعم في الحقيقة، نالت حظوة من هي أهل للحظوة. نالت حظوة من عملت وحرثت حقل النعمة، وحصدت سنابل وافرة (الثمر). نالت حظوة من أنتجت بذار النعمة وحصدت من النعمة الغلّة الوفيرة. نالت لجة من النعمة، تلك التي حفظت سفينة البتوليتين سالمة. إذ كانت تسهر في الواقع على طهارة نفسها، لا أقل مما على طهارة جسدها، وقد حُفظت بتوليتها الجسدية نفسها.

 وقال لها (الملاك): “ستلدين ابناً تسمينه يسوع – ويسوع يعني مخلّص – فهو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم” (لو 31:1)، فماذا أجابت “كنز الحكمة الحقيقي” على هذه الكلمات؟ إنها لم تقتد بحواء، أمها الأولى، بل بالحري قوّمت سلوك هذه الطائش، فتستّرت وراء حماية الطبيعة، واتخذت هذا الحديث نوعاً ما بمثابة جواب على كلام الملاك: “كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟” ما تقوله مستحيل: كلامك يقلب نواميس الطبيعة التي ثبتها خالقك. لا أقتنع بأن أقوم بدور حواء ثانية ولا أن أخالف مشيئة الخالق. إذا كنت لا تتكلم ضد الله، أشرح لي كيفية الحبل لكيما يزول ارتباكي. فقال لها ملاك الحق عندئذ: “الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك، لذلك فالقدوس الذي يولد منك يُدعى ابن الله”. السر الحاصل ليس خاضعاً لنواميس الطبيعة، لأن مكوِّن الطبيعة وسيّدها يعدّل كما يشاء حدود الطبيعة. (وهكذا)، تجاه الاسم الإلهي المكتنف على الدوام بالحب والعزة، والذي سمعته باحترام مقدس، نطقت الممتلئة مخافة وفرحاً بعبارات الطاعة“أنا خادمة الرب، فليكن لي كما تقول“.

 8-   “فيا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! – سأستعير هنا كلمات الرسول – ما أصعب إدراك أحكامه وفهم طرقه” (رو 33:11). يا لعظم صلاح الله! يا حباً يفوق الوصف! “الذي يدعو غير الموجود إلى الوجود” (رو 17:4)، الذي هو “مالئ السماوات والأرض” (إرم 24:23)، الذي“السماء عرشه والأرض موطئ لقدميه” (إشع 1:66)، يتخذ لذاته مسكناً رحباً من حشا خادمته الخاصة ويُنجز فيها سر الكل الأكثر جدة. فكونه إلهاً، صار إنساناً، ولما بلغ زمان ولادته، وُلد بحال تفوق الطبيعة، فقد فتح الحشا الأمومي من دون أن يفض ختم بكارتها. وعلى أيد بشرية، حُمل كطفل صغير، هو “بهاء مجد الآب وصورة جوهره” (عب 3:1)، الذي يحفظ الكون برمّته بكلمة فمه.

فيا للعظائم الإلهية حقاً، والأسرار التي تفوق الطبيعة والعقل! يا لامتيازات البتولية التي تفوق الإنسان! ما هذا السر العظيم الذي يكتنف أيتها الأم القديسة والبتول؟

 رموز العهد القديم عن العذراء

 “فأنت مباركة في النساء ومبارك ثمر بطنك”. أنت مطوبة من أجيال الأجيال، ووحدك أهل لأن تدعَى طوباوية. فها كل الأجيال تطوبك في الواقع، كما سبق فأعلنت. وبنات أورشليم، أي الكنيسة، رأتك فهنأتك، والملكات اللواتي هنّ نفوس الصدّقين سيباركنك إلى الدهور. لأنك العرش الملكي الذي يقف الملائكة بجانبه متأملين سيّدهم وخالقهم الجالس عليه. فقد أصبحت عدناً الروحية، الأقدس والأكثر تألهاً من (عدن) القديمة. في الأولى سكن آدم (الأرضي)، وفيك إنما هو الرب الذي “من السماء” والتابوت سبق فصورك، يا من خلّصت زرع الخليقة الثانية: لأنك ولدت المسيح خلاص العالم، الذي غرّق الخطيئة وسكن أمواجها.

 وكانت العلّيقة من قبل رسماً لك، والألواح المكتوبة من الله صورتك، وتابوت العهد تحدث عنك. جرة الذهب، والشمعدان، والمائدة”، و“عصا هارون التي أورقت” قد سبقت فأظهرتك. ومنك ولد في الواقع من هو شعلة الألوهة، “التعريف بالآب والتعبير عنه”، المنّ اللذيذ والسماويّ، الاسم الذي لا اسم له والذي “يفوق كل اسم”، النور الأبدي الذي لا يدنى منه”، “خبز الحياة” الآتي من السماء”، الثمرة المجتناة من دون عمل: منك خرج بالجسد. أولست أنت من أشار إليها أتون النار الممزوجة بالندى والله