مكانة العذراء في الكنيسة  …

 

  تأملات للقديس يوحنا الدمشقي

 * التأمل الأوّل:  ( تكريم والدة الاله )

الكنيسة الأرثوذكسية ترى العذراء مريم الم التي حملت لها ” للكنيسة ” ولكل البشرية الإله “الكلمة المتجسد”، الذي جاء إلى العالم لينقله من ظلام الخطيئة إلى نور الحياة الأبدية أي الحياة مع الله؛ هذا الحدث جعل الكنيسة منذ نشأتها حتى الآن تكرّم العذراء مريم أعظم تكريم، تكريم يفوق الملائكة “……. هي أكرم من الشيروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السيرافيم….”، هذا مستمد من تكريم السيد المسيح الذي ارتضى أن يحلّ في أحشائها و أن يأخذ منها جسده المقدّس، جاعلاً إيّاها “والدة الإله، وأم النور”. لقد استطاع الابن من الاتحاد بالخليقة كلها بواسطة العذراء، وبذلك صارت العذراء سماءً جديدةً أرحب من السماء التي تحوي الشمس و القمر و النجوم لأن الرب يسوع هو نفسه أشرق من هذه السماء.

 فالكنيسة تقول مع القديس يوحنا الدمشقي: “إنّ البرايا بأسرها تفرح بك يا ممتلئة نعمة. محافل الملائكة، وأجناس البشر. أيتها الهيكل المتقدّس، والفردوس الناطق، وفخر البتوليّة مريم. التي منها تجسّد الإله و صار طفلاً، وهو إلهنا قبل الدهور. لأنّه جعل مستودعك عرشاً، وبطنك أرحب من السماوات. لذلك يا ممتلئة نعمةً، تفرح بك كلّ البرايا، و تمجّدك”.

 * التأمل الثاني:  والدة الإله (الثيوطوكوس

إنّ لقب والدة الإله الذي أطلق على السيّدة العذراء هو ليس لقب تكريمي فحسب بل هو حقيقة عاشتها السيدة، و وعاها الإنجيليون الأربعة وأظهروها من خلال ما قدّموه في بشارتهم. وقد اخذت الكنيسة هذه الحقيقة و تبنّتها ودافعت عنها ضد الهراطقة وأصبحت عقيدة من عقائدها. “فالقديسة مريم ولدت الربّ يسوع المسيح ليس بالألوهية، بل بالطبيعة البشرية فهي لم تلد إنساناً بسيطاً بل الإله الحقيقي، ولا إله، بل الإله المتجسد، لا الجسد المجلوب من السماء والمجتاز بها كما بقناة بل القابل منها البشرة المساوية لنا في الجوهر التي نالت الأقنوم فيه نفسه”. يقول القديس يوحنا الدمشقي: فإنّه بعد موافقة العذراء القديسة، حلّ عليها الروح القدس وفقاً لكلام الرب الذي قاله للملاك، فطهّرها و وهبها قوّة لقبول الإله الكلمة، و قوة لولادته. عندئذ نزلت عليها، كما الظلّ، حكمة العليّ المتأقنمة و قوّته. و خلق لنفسه جسداً بنفسٍ ناطقةٍ و عقليّة، فصار جسده أفضلَ ممثّلٍ لجنسنا. إنّها بالحقيقة والدة الإله…..لا لأنّ طبيعة الكلمة الإلهيّة أتت منها، بل لأنّ الكلمة الإله نفسه المولود من الآب أزليّاً و خارج الزمن والذي هو مع الآب و الروح القدس بلا بداية ولا دهور، حلّ في أحشائها في الأيام الأخيرة لخلاصنا، وتجسّد منها بلا تغيير. فالعذراء القديسـة لم تلد إنساناً و حسب بل إلهاً، غير خيالي، إنّما في جسد….. فاتّخذ منها جسداً يماثل جسدنا تماماً وأعطاه وجوداً في شخصه.

 يعلّمنا الكتاب المقدّس و الكنيسة أن نعترف بها والدة الإله. ففي الكتاب المقدّس نجد أن أشعياء تنبأ قائلاً: “ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل”، ورئيس الملائكة قد بشر العذراء بأنّها تحبل في البطن وتلد الابن الذي يسمى”  “ابن الله”       (لو 1:35). فإذا كانت العذراء تحبل و تلد ابن الله بالجسد بالتالي إنّه حق أن تدعى والدة الإله.

التأمل الثالث: ماذا ندعوك أيتها السيدة؟
يقول القديس يوحنا الدمشقي: “بأي لقب ندعوك أيتها السيدة؟ و بأي تعابير نحييك؟ بأي مدائح نكلّل جبينك المملوء مجداً، يا موزعة الخيرات و مانحة الثروات، يا جمال الجنس البشري و فخر الخليقة بأسرها، يا من بها اغتبطت هذه الخليقة بالحقيقة؟ فها إنّ الذي لم تكن تحويه قبلاً بالفعل، بكِ أصبحت تحويه…..”.  إنّ كلام القديس يحمل كل شعور و موقف الكنيسة الأرثوذكسية تجاه السيّدة العذراء التي حملت في حشاها الرب الإله، واصلةً السماء بالأرض، فإليها نلتجئ أن تحملنا إلى ابنها القدّوس ليرحمنا و يترأف بنا، فبشـفاعاتها اللهمّ ارحمنا و خلصنا آمين.

 منقول عن موقع حركة الشبيبة الأرثوذكسية